مقالات وآراء

خالد شوكات يكتب: مؤامرة إسقاط حكومة الحبيب الصيد

بمناسبة مرور عشر سنوات كاملة على ذلك الصيف من سنة 2016 الذي شهد وقائع مؤامرة إسقاط حكومة الحبيب الصيد، مقتطف من كتابي “العشرية البيضاء.. رواية غير شعبوية لتجربة الانتقال الديمقراطي في تونس” الصادر هذا العام 2026.

بدأت مظاهر الغدر بالحبيب الصيد وحكومته تتكشف تباعًا، في البرلمان ووسائل الإعلام والقصر الرئاسي، وحتى داخل الحكومة نفسها. فقد دُعي وزراء نداء تونس التسعة، باستثناء كاتب هذه الأسطر الذي رفض الدعوة، إلى التوقيع على بيان يوحي بتخليهم عن دعم رئيس الحكومة، بما يهدم عمليًا مبدأ التضامن الحكومي. وكان أغلبهم يرى في ذلك ضربًا من الواقعية السياسية، وربما اعتبره ضمانةً للاستمرار في الحكومة المقبلة، أما أنا فكنت أرى فيه تهديدًا مباشرًا لمسار الانتقال الديمقراطي، وعبثًا سياسيًا يكشف عن قصور في إدراك حساسية المرحلة، فضلًا عن كونه مقامرةً بمصالح البلاد العليا، قد تدفع تونس إلى مسار مجهول لا يملك أحد تقدير مآلاته.

لذلك اتخذت قراري بالوقوف إلى جانب الحبيب الصيد، دون حسابات شخصية أو حزبية، ورفضت جميع الوساطات التي وصلتني، سواء من رئيس الجمهورية أو من الشخصية التي كان يجري التمهيد لتقديمها رئيسًا للحكومة، بعد أن بدأ بعض المقربين منها يروّجون لاسمها، ومن بينهم من كان يحظى بثقة الصيد نفسه، غير أن الصراع على السلطة كشف، في تلك اللحظة، حقائق لم يكن كثيرون يتوقعون ظهورها.

لم يكن الحبيب الصيد ميالًا إلى المواجهة. وقد بدا لي، منذ البداية، أن البلاد دخلت معركةً سياسيةً فاصلة لا يجوز الانسحاب منها. وهنا ظهر الفارق بين شخصيتين مختلفتين في التكوين؛ رجل مستقل لم يفكر يومًا في خوض معركة سياسية، ورأى نفسه دائمًا موظف دولة يضع خبرته في خدمة وطنه، ورجل مسيّس حمل مشروع الديمقراطية في وجدانه، ورأى في الثورة، التي لم يخطط لها أحد ولم يتنبأ بها أحد، فرصةً تاريخية لتحقيق حلم أجيال من التونسيين في إقامة دولة حرة ذات نظام ديمقراطي قادر على إطلاق مشروعها التنموي.

ولهذا كنت أرى أن إسقاط الحكومة التي كنت أحد أعضائها لم يكن مجرد تغيير في السلطة، بل كان مشروعًا سيُلحق ضررًا بالغًا بمسار الانتقال الديمقراطي، ويقوض التوازنات التي بُنيت بعناية، داخليًا وإقليميًا ودوليًا، لضمان استمرار ذلك المسار.

وقد اعترف لي الحبيب الصيد، بعد أشهر من سقوط حكومته، خلال لقاء جمعني به في منزله، بأنه أخطأ حين لم يأخذ بالنصيحة التي قدمتها له في إدارة الأزمة.

كنت قد اقترحت عليه، خصوصًا بعدما انقطعت معظم جسور الثقة بينه وبين رئيس الجمهورية، وبعدما بلغه، عبر بعض مستشاري الرئيس، كلام غير مسبوق في حدته من قبيل: «اخرج، وإلا نمرمدوك»، ألا يستجيب للضغوط، وأن يترك خصومه يتحملون مسؤولية إسقاط حكومته.

قلت له يومها: دعهم يجمعون الأغلبية إن استطاعوا، ويسحبوا الثقة منك بأنفسهم، ولا تمنحهم أنت هذا الامتياز بطلب تجديد الثقة، لأنك عندئذ ستكون مطالبًا بجمع الأغلبية، بينما يصبح العبء السياسي والدستوري عليهم هم.

ولم يكن هذا الرأي ارتجالًا، بل استند إلى خبرة عملية راكمتها كوزير مكلف بالعلاقة مع البرلمان. فقد كنت أعلم أن القوى الساعية إلى إسقاط الحكومة لن تتمكن، لأسباب يطول شرحها، من توفير الأغلبية النيابية اللازمة لحجب الثقة عنها. وكان من شأن ذلك أن يمنح الحكومة انتصارًا سياسيًا ومعنويًا يغيّر موازين التفاوض، ويفتح بابًا لمعالجة الأزمة من موقع قوة، بما يحفظ استقرار المؤسسات ويحمي مسار الانتقال الديمقراطي.

سألني الحبيب الصيد آنذاك: ومن سيدفع ثمن إطالة الأزمة؟ ألن يكون ذلك على حساب مصالح البلاد؟

فأجبته بأن البلاد ستدفع ثمنًا أكبر بكثير إذا نجح هذا المخطط في الوصول إلى السلطة.

كان الصيد، في تلك اللحظة، يتصرف بنبل رجل دولة يقدّم مصلحة بلاده على مستقبله السياسي، لكنه لم يدرك أن حماية الدول لا تكون دائمًا بالانسحاب من المعركة، بل قد تكون، أحيانًا، بخوضها حتى نهايتها. فرئاسة الحكومة في نظام برلماني ليست وظيفة إدارية، وإنما موقع سياسي يتوقف عليه، في مثل تلك اللحظات، مصير مشروع وطني بأكمله.

وعندما قرر الذهاب بنفسه إلى البرلمان وطلب تجديد الثقة في حكومته، وفق ما يتيحه الدستور، كان يعتقد أنه يختصر عمر الأزمة، بينما كان، من حيث لا يدري، يحقق الهدف الذي سعى إليه خصومه منذ أشهر.

ولم تكن النتيجة سقوط حكومة فحسب، بل دخول تونس في أطول أزمة سياسية عرفتها منذ الاستقلال، وما رافقها من تراجع غير مسبوق في جودة الأداء الحكومي، وانحدار في مستوى إدارة الشأن العام، بعدما انتقلت السلطة إلى مجموعة من السياسيين الذين جاءت بهم الظروف أكثر مما جاءت بهم التجربة، وغلب على ممارساتهم منطق الغلبة على منطق الدولة.

وقد ترك موقفي آثارًا واضحة على علاقتي برئيس الجمهورية، الذي قال علنًا إنني «لن أعلّمه السياسة»، كما أحدث قطيعة مع قيادة حركة نداء تونس، رغم تمسكي بعضويتي فيها طوال تلك المرحلة.

ولم تبدأ تلك القطيعة في الانحسار إلا بعد نحو عام من تشكيل الحكومة الجديدة، حين تبيّن للرئيس حجم الخديعة التي تعرض لها. عندها دُعيت مجددًا إلى الالتحاق بقيادة الحزب، ثم إلى لقاء رئيس الجمهورية.

وقد خرجت من ذلك اللقاء بانطباع مؤلم؛ إذ لم أجد الرجل الذي عرفته من قبل، بل وجدت رئيسًا أنهكته الخيبات، وأدرك متأخرًا أن الأيام العصيبة التي حذرته منها في آخر اجتماع للمكتب التنفيذي للحركة، قبل انتقاله إلى قصر قرطاج، قد أصبحت واقعًا يعيشه، وأن أقسى ما واجهه لم يكن من خصومه، بل من أقرب الناس إليه.

ولم تفلح بعد ذلك محاولاته في إصلاح ما أفسدته تلك المرحلة، حتى رحل، في أواسط سنة 2019، مثقلًا بخيبة سياسية عميقة. ولعل الباجي قائد السبسي لم يعرف من المرارة ما عرفه منذ أن أسند رئاسة الحكومة إلى ذلك الفتى الذي فضّله، يومًا، على معظم رفاقه في تأسيس الحزب.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى