العالم العربي

أرامكو تخفض أسعار النفط لآسيا بأكبر وتيرة منذ عقود وسط احتدام المنافسة على السوق الصينية

يشهد سوق النفط العالمي تحولًا حادًا بعد قرار شركة أرامكو السعودية خفض سعر البيع الرسمي لخام “العربي الخفيف” المتجه إلى آسيا بمقدار 11 دولارًا للبرميل لشحنات أغسطس، في خطوة وُصفت بأنها الأكبر منذ عقود، وتعكس ضغوطًا متزايدة على المملكة في معركة الحفاظ على حصتها داخل أكبر أسواق الطاقة في العالم.

ويمثل القرار تحولًا لافتًا في سياسة التسعير السعودية، إذ أعاد خام “العربي الخفيف” إلى مستوى الخصم للمرة الأولى منذ حرب الأسعار التي اندلعت عام 2020، حين دخلت الرياض وموسكو في مواجهة حادة حول مستويات الإنتاج داخل تحالف “أوبك+”.

لكن الخفض الحالي يختلف في طبيعته عن حرب الأسعار السابقة؛ ففي عام 2020 كان القرار السعودي هجوميًا، يستهدف الضغط على روسيا ودفعها إلى الالتزام بحصص الإنتاج، بينما يبدو قرار 2026 أقرب إلى تحرك دفاعي في مواجهة فائض معروض، وتراجع في الطلب الآسيوي، واشتداد المنافسة من خامات روسية وإيرانية وخليجية أخرى.

وتأتي الخطوة السعودية في وقت عادت فيه تدفقات النفط الخليجي إلى الأسواق بوتيرة أكبر، عقب تهدئة التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، ما ساهم في تخفيف المخاوف من نقص الإمدادات ودفع الأسعار إلى الهبوط قرب مستويات ما قبل التصعيد.

المعركة على السوق الصينية

يبرز السوق الصيني باعتباره العامل الأهم وراء القرار السعودي، إذ تواجه أرامكو تراجعًا في طلب عدد من كبار المشترين الصينيين على الخام السعودي، في ظل اتجاه المصافي إلى خامات أقل تكلفة وأكثر ملاءمة للمخاطر الجيوسياسية.

وخلال الأشهر الأخيرة، اتجهت مصافٍ صينية كبرى إلى زيادة الاعتماد على خام “إسبو” الروسي، الذي يتمتع بميزة تنافسية واضحة، إذ يصل إلى الصين عبر طرق المحيط الهادئ بعيدًا عن مخاطر مضيق هرمز، كما يُعرض عادة بأسعار أقل من الخام السعودي.

ومع إعادة بعض المصافي الصينية ضبط وحدات التكرير لديها لاستقبال الخام الروسي، تصبح العودة السريعة إلى الخام السعودي أكثر كلفة وتعقيدًا، وهو ما يضع أرامكو أمام تحدٍ مزدوج: خفض السعر لاستعادة الجاذبية، والحفاظ في الوقت نفسه على هامش ربح مقبول.

تصدعات داخل منظومة أوبك+

يتزامن الخفض السعودي مع ضغوط متزايدة على تحالف “أوبك+”، الذي شكل منذ عام 2016 أحد أهم أدوات ضبط سوق الطاقة العالمي. ورغم استمرار الشراكة السعودية الروسية داخل التحالف، أصبحت موسكو منافسًا مباشرًا للرياض في آسيا عبر بيع النفط بأسعار مخفضة للصين والهند.

كما أضاف خروج الإمارات من قيود المنظمة واتجاهها إلى رفع الإنتاج عنصر ضغط جديدًا على السوق، بعدما تبنت أبوظبي سياسة تقوم على زيادة الكميات وتعزيز الحصة السوقية بدلًا من الدفاع الصارم عن الأسعار.

وفي هذا السياق، يبدو التخفيض السعودي رسالة واضحة بأن المملكة مستعدة للدفاع عن موقعها في آسيا، حتى لو أدى ذلك إلى اشتداد المنافسة السعرية بين كبار المنتجين.

حرب الظل وتكاليف الشحن

لا تقتصر الضغوط على المنافسة الروسية والإماراتية، بل تمتد أيضًا إلى النفط الإيراني، الذي يجد طريقه إلى بعض المشترين الآسيويين عبر ترتيبات أقل كلفة، بينها ما يُعرف بـ”أساطيل الظل”، التي تقلل أعباء التأمين والشحن مقارنة بالنفط الخليجي التقليدي.

وتمنح هذه الفوارق السعرية الخام الإيراني قدرة تنافسية أكبر، خصوصًا لدى المشترين الباحثين عن أقل تكلفة ممكنة في ظل تباطؤ الطلب وضغوط هوامش التكرير.

نظام طاقة جديد

يكشف قرار السعودية خفض أسعار النفط لآسيا عن تغير أعمق في بنية سوق الطاقة العالمي، حيث لم تعد الندرة وحدها هي المحدد الرئيسي للأسعار، ولم تعد القيادة الموحدة داخل التحالفات النفطية قادرة بالسهولة ذاتها على ضبط السوق.

فالمنتجون باتوا أكثر ميلًا إلى تغليب مصالحهم الوطنية المباشرة، سواء لتمويل خطط التحول الاقتصادي كما في الحالة السعودية، أو دعم الموازنات والحروب كما في الحالة الروسية، أو توسيع الحصة السوقية كما في الحالة الإماراتية.

وتتحول آسيا، وفي مقدمتها الصين والهند، من سوق شبه مضمونة للنفط الخليجي إلى ساحة تنافس مفتوحة بين السعودية وروسيا وإيران والولايات المتحدة ومنتجين آخرين.

وبينما تسعى المملكة إلى تنويع اقتصادها واستثماراتها في الطاقة الجديدة مثل الهيدروجين والأمونيا، فإنها لا تزال في المرحلة الانتقالية مضطرة إلى خوض معركة سعرية صعبة للحفاظ على موقعها كأحد أهم موردي النفط الأحفوري في العالم.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى