مقالات وآراء

د. تامر المغازي يكتب: واشنطن الحليف المتردد (3)

في مبنى الكونجرس، موظف بيروقراطي يشطب 300 مليون دولار من بند “المساعدات العسكرية لمصر”.

في نفس التوقيت، على بعد أميال قليلة في وزارة الخارجية، وزير الخارجية الأمريكي يرفع سماعة الهاتف ليطلب من القاهرة “التدخل الفوري لتهدئة الأوضاع في غزة”.

هذه هي العلاقة المصرية-الأمريكية في 2026: انفصام كامل في الشخصية.

واشنطن لم تعد ترى الشرق الأوسط “أرض الميعاد” للسياسة الخارجية.

بوصلتها الاستراتيجية استدارت 180 درجة نحو المحيط الهادئ.

الصين هي العدو، وروسيا هي الصداع.

أما الشرق الأوسط؟

فهو “ملف مزمن” يريدون إدارته بأقل تكلفة ممكنة، لا حله.

بالنسبة لهم، مصر لم تعد “الشريك الاستراتيجي”.

مصر صارت “الحارس”.

حارس اتفاقية السلام مع إسرائيل.

حارس قناة السويس.

حارس ضد موجات الإرهاب والهجرة غير الشرعية.

والمقابل؟

مقابل متضائل.

المعونة العسكرية صارت ورقة ضغط سنوية في ملف حقوق الإنسان.

صفقات السلاح المتطورة تُمنع عنك وتُعطى لغيرك.

الدعم في صندوق النقد الدولي مشروط، والتصويت في مجلس الأمن ليس مضمونًا.

الرسالة الأمريكية الضمنية واضحة: “نريد خدماتك، ولا نريد صداعك”.

نريد استقرارك، ولا نريد مغامراتك.

نريدك قويًا بما يكفي لحراسة البوابة، وضعيفًا بما يكفي لكي لا تطرق بوابتنا.

يجب على النظام المصري أن يقوم بتنويع تحالفاته، لكن يحفظ خط الرجعة؛ فالطلاق مع واشنطن حماقة، وكذلك الاعتماد عليها انتحار.

مثلث السلاح: فلا تشترِ سلاحك من مصدر واحد؛ أمريكا، فرنسا، ألمانيا، كوريا، وحتى التصنيع المحلي.

كلما تعددت مصادرك، زادت قدرتك على التفاوض، وقلت قدرتك على الابتزاز.

حوّل المعونة إلى صفقة، كفى خطاب “المساعدات”.

اطلب تحويل المعونة العسكرية إلى “شراكة تصنيع دفاعي”.

نريد مصانع ذخيرة هنا، مراكز صيانة هنا، نقل تكنولوجيا هنا، لا نريد شيكات، نريد قدرات.

امتلك أوراقك، فقوتك التفاوضية مع واشنطن ليست في القواعد العسكرية.

قوتك في 3 ملفات؛ فأنت الوسيط الوحيد المقبول في غزة، أنت بوابة أفريقيا، وأنت ضامن عدم انفجار قناة السويس.

استثمر في هذه الأوراق، واجعلها أغلى كل يوم.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى