مهرجان الفنون الشعبية بمراكش يتوج حضور المرأة في صون الموروث الثقافي المغربي

تستضيف المملكة المغربية فعاليات الدورة الخامسة والخمسين للمهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش، والذي سجل في ختام نسخته الأخيرة مشاركة واسعة ومتميزة للعنصر النسائي، حيث برزت النساء كركيزة أساسية في الحفاظ على الموروث الثقافي الوطني وصون الهوية التاريخية للبلاد. وتأتي هذه التظاهرة لتؤكد على الدور المحوري الذي تلعبه المرأة في استمرارية الفنون الشعبية عبر الأجيال، من خلال الرقصات والأهازيج التي تعكس عمق التنوع الثقافي المغربي، وتجسد قيم التماسك الاجتماعي في مختلف المناطق الجغرافية، مما جعل المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش منصة حقيقية لإبراز هذا الإرث الجمالي.
تفاعل فني يجسد التنوع الثقافي في قصر البديع
أسدل الستار على هذه التظاهرة الفنية الكبرى مساء يوم الاثنين الموافق 6 يوليو 2026، وسط احتفاء شعبي لافت، حيث شاركت الفنانة زينة الداودية في الحفل الختامي إلى جانب فرق فلكلورية قدمت لوحات إبداعية تمزج بين الإيقاعات المتنوعة. وقد أظهرت الأيام الأربعة للمهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش مهارات استثنائية للراقصات اللواتي عكسن ارتباطهن الوثيق بثقافة المناطق التي ينتمين إليها، سواء من خلال الزي التقليدي أو الأشعار المتوارثة، مما أضفى لمسة جمالية خاصة على العروض التي احتضنها قصر البديع التاريخي، وجعلت من هذا الحدث مرجعاً حياً للهوية الثقافية.
تميزت مشاركة فرقة “تزويت” القادمة من منطقة قلعة مكونة، المعروفة بكونها عاصمة الورود، بتقديم “رقصة النحلة” التي لاقت إعجاباً جماهيرياً واسعاً. وتتجسد هذه الرقصة في لوحة فنية يتوسط فيها الرايس المجموعة كملكة للنحل، بينما تحيط به النساء في حركات إيقاعية متناغمة تعبيرية، ويصطف الرجال كجنود للخلية. وأكدت السعدية العسري، العضوة في الفرقة، أن المرأة الأمازيغية تعد الحامل الأساسي لهذا التراث، مشيرة إلى أن حضور النساء بالأكاليل الورود يرمز لخصوصية المنطقة، كما أن فن “أحيدوس” يظل حاضراً بقوة في كافة المناسبات الاحتفالية كالعقيقة والختان، مما يبرز دور المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش في ترسيخ هذه التقاليد.
الكدرة وحضور المرأة في الثقافة الحسانية
تمثل رقصة “الكدرة” علامة فارقة في الهوية الثقافية لمنطقة واد نون بوابة الصحراء، حيث تشارك فرقها بانتظام في هذا المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش. وأوضحت ليلى الزهراوي، إحدى عضوات فرقة الكدرة للطرب والرقص الحساني، أن هذه الرقصة تعتمد على إيقاع آلة “الكدرة” التي يدق عليها باليد، وتتوسط الراقصة الدائرة مرتدية “الملحفة”، مع التركيز على حركات الرأس والكتفين والشعر، بينما يشارك الرجال في الإيقاعات والتصفيق وترديد الأشعار التي تعبر عن الفخر والترحيب. وتعكس هذه الرقصة تماسك أفراد القبيلة وقيم التضامن، حيث تظل المرأة محوراً للحركة والتعبير الجمالي.
يبرز هذا المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش التعدد الثقافي الثري الذي تزخر به المملكة المغربية، من فنون “أحواش” و”أحيدوس” في المناطق الجبلية، إلى التراث الحساني، وفن “العيطة” في السهول، وفن “كناوة” ذو الجذور الأفريقية العريقة. لقد أثبتت النسخة الخامسة والخمسون أن التراث الشعبي ليس مجرد أداء فني، بل هو ذاكرة حية تحتفي بمكانة المرأة الرمزية والاجتماعية. إن هذا الحضور النسائي يضمن بقاء الإيقاعات والأهازيج الشعبية حية في وجدان المجتمع، ويؤكد على أهمية استمرار دعم هذه المبادرات الثقافية لتعزيز الانتماء وتوثيق الهوية الوطنية في مواجهة تحديات العصر، مما يعكس حيوية المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش كحاضنة للفنون.







