د. أيمن نور يكتب: الغبي… الإنسان الذي يستبدل مشقة الفهم براحة أول تفسير

«الغباء ليس نقصًا في القدرة على التفكير… بل استعجال الركون إلى أول تفسير يريح العقل.»
ربما أكون كتبت سطورًا من هذه الورقة في ذكرى السابع من أكتوبر، وبعضًا آخر من سطورها سجلته في أيام متعددة، مترددًا في نشره، وأنا أشاهد وأتابع الخطاب السياسي الرسمي، والمعارض، وكذلك الصحافة والإعلام المصري، المعارض منه والموالي.
كل يوم من تلك الأيام زاد يقيني أن الله تعالى لم يخلق العقل ليجمع المعلومات، بل ليمنح الإنسان القدرة على أن يرى ما وراءها. غير أن أكثر ما يرهق العقل ليس التفكير، بل استمرار التفكير. فالفهم الحقيقي لا يأتي دفعة واحدة، ولا يولد كاملًا، ولا يهبط على الإنسان كما تهبط الإجابات الجاهزة. إنه يتشكل ببطء، ويكتمل بالتردد الشريف، ويزداد صفاءً كلما احتمل صاحبه مشقة السير قبل أن يعلن الوصول.
لكن النفس البشرية لا تحب الإقامة الطويلة في مناطق الغموض. إنها تميل، بطبيعتها، إلى السكينة، وتبحث عن أول معنى يجمع شتات الوقائع، وأول رواية تبدد ارتباكها، وأول تفسير يعيد إليها إحساسها بالأمان. وهنا، تحديدًا، يبدأ أحد أكثر وجوه الغباء خفاءً؛ أن يخلط الإنسان بين الطمأنينة والحقيقة، فيظن أن ما أراحه هو، بالضرورة، ما يفسر العالم كما هو.
ما أكثر الأفكار التي انتصرت لأنها جاءت أولًا، لا لأنها كانت أصح. وما أكثر الأحكام التي استقرت في النفوس لأنها سبقت غيرها، لا لأنها نجحت في امتحان العقل. فالتفسير الأول يشبه الضيف الذي يدخل البيت قبل الجميع، ثم يطيل الإقامة حتى يظنه أصحاب الدار واحدًا من أهلها. وبعد سنوات، يصبح إخراجه أصعب من استقباله، لأن وجوده لم يعد مجرد رأي، بل صار جزءًا من ترتيب المكان.
الإنسان لا يتعلق بالتفسير الأول لأنه يثق فيه دائمًا، بل لأنه يستريح إليه. فالراحة من أقدم غرائز العقل، والعقل، إذا تُرك لطبيعته وحدها، يميل إلى اختصار الطريق، وإلى الاكتفاء بما يبدو كافيًا، وإلى تجنب الرحلة الطويلة التي تفرضها الحقيقة. ومن هنا لا يكون الغباء غيابًا للفكر، بل توقفًا مبكرًا عنه.
تأملت هذه الظاهرة طويلًا، في الناس كما في السياسة، وفي الصحافة كما في الحياة الخاصة. ووجدت أن أكثر الأخطاء رسوخًا لم تكن ثمرة سوء نية، بل ثمرة استعجال. تقرير واحد، أو شهادة واحدة، أو انطباع أول، كان يكفي أحيانًا لبناء مواقف بقي أصحابها يدافعون عنها سنوات، حتى بعد أن تغير الواقع كله. لم يكن ينقصهم الذكاء، بل كانت تنقصهم شجاعة أن يقولوا: ربما لم أر الصورة كاملة.
ولقد تعلمت، بعد أكثر من أربعة عقود بين الصحافة والإعلام والعمل العام، أن الحقيقة لا تضيع غالبًا لأن الناس كذبوها، بل لأنها وصلت متأخرة عن أول تفسير. فالأول يحتل العقل، والثانية تضطر إلى أن تطلب الإذن بالدخول. وما أكثر العقول التي رفضت الحقيقة، لا لأنها أقوى من الوهم، بل لأن الوهم سبقها إلى الداخل.
ليست المشكلة في أن يخطئ الإنسان في فهم حادثة، أو موقف، أو إنسان، فذلك قدر كل عقل يعمل. المشكلة تبدأ عندما يتحول التفسير الأول إلى سلطة، ثم إلى عادة، ثم إلى هوية، فيصبح العقل حارسًا له بدلًا من أن يكون قاضيًا عليه. عندئذ لا يعود الإنسان يراجع ما اعتقده، بل يراجع كل ما يخالفه، حتى يغدو البرهان نفسه متهمًا لأنه جاء متأخرًا.
من هنا، كثيرًا ما بدا لي أن الغباء لا يختار الكذب، بل يختار الطريق الأقصر. إنه يشبه مسافرًا لمح أول محطة، فنزل فيها مطمئنًا، وأقنع نفسه أن الرحلة انتهت. لم يكن عاجزًا عن مواصلة السير، لكنه تعب من احتمالات الطريق، فاستبدل مشقة الوصول براحة التوقف.
غير أن الوجه الآخر لا يقل خطورة. فهناك من يطيل الوقوف عند كل محطة، لا حبًا في الحقيقة، بل خوفًا من القرار. وهؤلاء أيضًا لا يصلون. فالحكمة ليست في أن يبقى الإنسان أسير الاحتمالات، كما أنها ليست في أن يهرب منها. الحكمة أن يمنح الفهم الزمن الذي يحتاج إليه، ثم يمتلك شجاعة أن يتحمل مسؤولية ما انتهى إليه.
لذلك لم أعد أرى الفارق بين النضج والغرور في مقدار ما يعرفه الإنسان، بل في طريقته أمام ما لم يعرفه بعد. هناك عقل يفتش لأنه عاشق للحقيقة، وهناك عقل يفتش لأنه يخشى أن يحسم أمره. الأول يخرج من رحلته أكثر صفاءً، والثاني يخرج أكثر إنهاكًا. الأول يجعل التفكير طريقًا إلى النور، والثاني يحوله إلى وسيلة لتأجيل الحياة.
وما أكثر الذين يظنون أن اليقين علامة قوة، بينما علمتني الحياة أن اليقين المبكر قد يكون، في أحيان كثيرة، علامة كسل عقلي. فالذي يرى العالم بسيطًا إلى هذا الحد، ربما لم يمكث أمامه طويلًا. أما الذي أدرك اتساعه، فإنه يعرف أن كل فكرة عظيمة تحمل في داخلها مساحة للمراجعة، وأن كل حكم صادق يحتاج إلى قدر من التواضع، وأن الحقيقة لا تضيق بمن يعيد النظر فيها، بل تضيق بمن يتصور أنه امتلكها كاملة.
لم أعد أقيس الذكاء بعدد الأجوبة التي يحملها الإنسان، بل بعدد المرات التي امتلك فيها شجاعة أن يهدم جوابًا قديمًا لأنه لم يعد يليق بالحقيقة. فالعقول الصغيرة تحب اليقين لأنه يريحها، أما العقول الكبيرة فتحب الفهم لأنه يحررها. الأولى تبحث عن نهاية للنقاش، والثانية تبحث عن بداية جديدة للفهم.
ومن أوهام عصرنا الكبرى أن السرعة أصبحت فضيلة في كل شيء. نريد رأيًا قبل اكتمال الصورة، وموقفًا قبل اكتمال الوقائع، وحكمًا قبل اكتمال الفهم. حتى صار التريث تهمة، والمراجعة ضعفًا، والاعتراف بأن الصورة لم تكتمل بعد علامة ارتباك. وهكذا دخل الغباء حياتنا مرتديًا ثوب الكفاءة، بينما كان، في جوهره، استعجالًا مهذبًا للخطأ.
ليست الدعوة هنا إلى التردد، ولا إلى تحويل الحياة إلى انتظار لا ينتهي. فالأمم لا تُبنى بالشك وحده، كما أن الأفراد لا يعيشون وهم يؤجلون كل قرار. لكن القرار الناضج يولد بعد أن يؤدي العقل أمانته كاملة، لا بعد أن يتعب منها. يولد عندما ينتهي الإنسان من الإصغاء إلى الوقائع، لا عندما يمل منها. يولد حين يصبح الفعل مسؤولية، لا مهربًا.
وربما كانت الحكمة كلها كامنة في هذا التوازن الدقيق؛ ألا نستبدل مشقة الفهم براحة أول تفسير، وألا نستبدل شجاعة القرار براحة التفكير الذي لا ينتهي. فالحقيقة لا تكافئ المستعجل، ولا تنتظر المتردد إلى الأبد، وإنما تقترب ممن يمنحها الوقت الذي تستحقه، ثم يملك، بعد ذلك، شجاعة أن يمضي.
الغبي لا يهلك لأنه لا يفكر، بل لأنه يستريح قبل أن يكتمل الفهم. يقف عند أول تفسير، ويبني فوقه يقينًا، ثم يدافع عنه كما لو كان يدافع عن حياته، بينما هو، في الحقيقة، يدافع عن راحته. ومن هنا تبدأ





