
هناك لحظات لا تُقاس بالدقائق، وإنما بما تكشفه من حقائق.
ولحظات أخرى لا تصنع التاريخ، لكنها ترفع الستار عنه.
ولعل أكثرها صدقًا تلك اللحظة التي يخرج فيها أحد عشر لاعبًا يرتدون قميصًا واحدًا، يحمل على صدره كلمة واحدة: مصر.
فجأة يصبح الوطن أكبر من السياسة، وأوسع من الخلاف، وأرحب من كل التصنيفات التي أثقلت أرواح الناس. فجأة يتراجع كل شيء إلى الصفوف الخلفية؛ وتبقى مصر وحدها في المقدمة، كأنها تذكر أبناءها بأنها كانت دائمًا أكبر من الذين اختلفوا عليها.
ما إن يطلق الحكم صافرة البداية حتى يحدث تحول نفسي بالغ الدلالة. تتوارى أسماء الأحزاب، وتخفت أصوات المنابر، وتغيب خرائط الاستقطاب التي استنزفت المجتمع سنوات طويلة. لا يعود أحد يسأل جاره: مع من أنت؟ ولا ماذا تؤيد؟ ولا ماذا تعارض؟ يصبح السؤال الوحيد: هل سجلت مصر؟ وهل ستفوز مصر؟
وفي هذا السؤال البسيط تختبئ قصة وطن كاملة.
في القاهرة والإسكندرية وأسوان والعريش، وفي إسطنبول والدوحة وباريس ولندن ونيويورك وسيدني، تتشابه الوجوه وهي ترفع العلم نفسه. المصري الذي غادر وطنه منذ أربعين عامًا يبكي كما يبكي الطفل الذي لم يغادر قريته يومًا. المسيحي يرسم العلم على وجه ابنه، والمسلم يرفع العلم فوق كتفه، والليبرالي واليساري والقومي والمحافظ، والمعارض والمؤيد، والفقير ورجل الأعمال، يجلسون لساعتين في صف واحد، لا يجمعهم حزب، ولا تجمعهم مصلحة، وإنما تجمعهم كلمة واحدة لا تحتاج إلى شرح: مصر.
ليست كرة القدم هي المعجزة، وإنما الإنسان المصري.
فالمنتخب لم يصنع هذا الانتماء، بل كشف عنه. لم يخلق الوطنية، وإنما أزال الغبار عنها. لقد كانت كامنة تحت طبقات كثيفة من الإحباط والانقسام والخصومات اليومية، حتى جاءت مباراة، فإذا بالروح المصرية القديمة تنهض من جديد، وتعلن أنها لم تمت، وأنها كانت تنتظر فقط من يناديها باسمها الصحيح.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي، لا السؤال الرياضي.
إذا كانت مباراة كرة قدم تستطيع أن تُسقط، ولو مؤقتًا، كل الجدران التي ارتفعت بين المصريين، فهل كانت المشكلة يومًا في الشعب؟
أم أن المشكلة كانت دائمًا في المشروع الذي يُطلب من الشعب أن يلتف حوله؟
لقد اعتدنا، في عالمنا العربي، أن نخلط بين الوطن والسلطة، وبين الدولة والحكومة، وبين المشروع الوطني ومشروع الحاكم. ولهذا كانت دعوات الاصطفاف كثيرًا ما تتحول إلى اصطفاف خلف أشخاص، بينما تبقى الأوطان نفسها تبحث عمن يصطف خلفها.
وهنا يكمن الفارق كله.
فالمنتخب لا يطلب من المصريين أن يشجعوا مدربًا بعينه، ولا لاعبًا بعينه، ولا رئيس اتحاد بعينه. إنه يطلب منهم شيئًا واحدًا فقط: أن يشجعوا مصر.
ولذلك يستجيب الجميع.
الأمم لا تتوحد حول الأشخاص إلا قليلًا، لكنها تتوحد حول الفكرة طويلًا.
الأشخاص يختلف الناس عليهم، أما الأوطان فلا يختلف عليها إلا من فقد بوصلته. ولذلك لم يكن سر التفاف المصريين حول المنتخب هو جودة الأداء وحدها، ولا أسماء اللاعبين، وإنما لأن كل واحد منهم رأى في ذلك القميص شيئًا يخصه شخصيًا؛ قطعة من ذاكرته، ومن طفولته، ومن حكايات أبيه وأمه، ومن صور المدرسة، ومن النشيد الذي ردده صغيرًا قبل أن يعرف معنى السياسة.
أخطر ما تفعله السياسة الرديئة أنها تجعل الناس يختلفون على ما لا ينبغي الاختلاف عليه.
وأجمل ما يفعله الوطن أنه يعيد ترتيب الأولويات، فيكتشف الجميع أن بينهم مساحة مشتركة كانت أكبر بكثير من مساحة الخلاف.
ولهذا لا أشاهد مباراة للمنتخب بوصفها حدثًا رياضيًا فقط، وإنما بوصفها دراسة اجتماعية مفتوحة، وتجربة نفسية نادرة، تكشف طبيعة المصريين بعيدًا عن الضجيج اليومي.
كل مباراة تقول لنا إن هذا الشعب لم يفقد قدرته على الاتحاد، وإنما فقد الأسباب التي تدعوه إليه.
المصريون ليسوا شعبًا مولعًا بالانقسام كما يردد البعض، وإنما شعب حُشر طويلًا داخل ثنائيات قاتلة؛ مؤيد أو خائن، مع أو ضد، وطني أو عميل، قريب أو بعيد، داخل أو خارج.
لكن الكرة تكسر هذه الثنائية كلها في تسعين دقيقة.
لا أحد يسأل المغترب أين يعيش، بل يسأله: كم كانت فرحتك بالهدف؟
ولا أحد يسأل المعارض عن رأيه في الحكومة، بل يسأله: هل رأيت الهدف؟
ولا أحد يفتش في ضمير المؤيد، أو في عقيدة المسيحي، أو في توجه المسلم، أو في أيديولوجية الليبرالي.
يكفي أن تكون مصريًا.
أليست هذه هي الدولة التي نحلم بها؟
الدولة ليست جهازًا إداريًا ضخمًا، ولا شبكة قوانين، ولا أبراجًا من الأسمنت، ولا طرقًا مهما بلغت روعتها.
الدولة، قبل كل شيء، هي شعور.
أن يشعر المواطن أن هذا الوطن بيته.
وأن يشعر أن نجاحه الشخصي جزء من نجاح وطنه.
وأن يشعر أن كرامته لا تنفصل عن كرامة بلده.
وأن يشعر أن اختلافه السياسي لا ينزع عنه حقه الكامل في الانتماء.
هذه المشاعر لا تُفرض بالقوانين، ولا تُنتجها أجهزة الدعاية، ولا تصنعها الخطب الرسمية.
إنها تولد فقط عندما يقتنع الناس أن الوطن ملك للجميع، وأن المستقبل لا يُكتب باسم فئة، ولا باسم حزب، ولا باسم سلطة، وإنما باسم شعب كامل.
ولعل أكثر ما يلفت النظر أن المصريين لا يتعلمون الوحدة في الملاعب، بل يتذكرونها هناك.
فالتاريخ المصري كله قائم على فكرة العمل الجماعي.
بناة الأهرام لم يكونوا نسخة واحدة من البشر، لكنهم حملوا حلمًا واحدًا.
وصناع نهضة القرن التاسع عشر لم يكونوا أبناء مدرسة فكرية واحدة، لكنهم اتفقوا على أن مصر تستحق مستقبلًا أفضل.
وثورة 1919 لم تسأل المصريين عن عقائدهم قبل أن ترفع الهلال مع الصليب.
وحتى الأيام الأولى من ثورة يناير، مهما اختلفت التقييمات السياسية لما جرى بعدها، ستظل شاهدًا على أن المصريين، إذا شعروا أن الوطن صار لهم جميعًا، يبدعون أجمل صور التضامن والتسامح والشراكة.
ذلك المشهد لم يكن وهمًا.
بل كان حقيقة اجتماعية، قبل أن تفسدها الحسابات، وتختطفها الاستقطابات، وتضيق بها المصالح الصغيرة.
من هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا…
إذا كانت مباراة تستطيع أن تستخرج من المصريين كل هذا القدر من النبل، وكل هذا القدر من الانتماء، وكل هذا القدر من الحب المجاني، فماذا لو امتلكت مصر مشروعًا قوميًّا حقيقيًّا؟
مشروعًا لا يطلب من الناس أن يصطفوا خلف السلطة…
بل يدعو السلطة والشعب معًا إلى الاصطفاف خلف مصر.
هنا يكمن الفارق بين المشروع الذي يعيش من أجل السلطة، والمشروع الذي تعيش السلطة من أجله.
فالأول ينشغل دائمًا بالسؤال: كيف أحافظ على التأييد؟
أما الثاني فينشغل بسؤال أكثر نبلًا وأكثر بقاءً: كيف أجعل كل مواطن يشعر أن هذا الوطن يستحق أن يُدافع عنه، وأن يُضحّى من أجله، وأن يُحَبّ دون قيد أو شرط؟
ولذلك فإن الأمم الكبرى لا تقاس بقدرتها على حشد الجماهير في المناسبات، وإنما بقدرتها على تحويل هذا الحشد العابر إلى طاقة بناء دائمة، وإلى عقد اجتماعي يجعل المواطن شريكًا لا متفرجًا، وصاحب مصلحة لا مجرد متلقٍ للقرارات.
لسنا بحاجة إلى أن نُعلِّم المصريين الوطنية.
فهذا الشعب لم يبخل بها يومًا.
في الحروب، وفي الكوارث، وفي المحن الاقتصادية، وفي كل اختبار وجودي، أثبت المصريون أن مخزون الانتماء لديهم أكبر بكثير من كل ما يقال عن اليأس والإحباط والعزوف.
لكن الوطنية، مثل الأرض الخصبة، تحتاج إلى من يحسن زراعتها، لا إلى من يكتفي بالحديث عنها.
وتحتاج إلى العدالة أكثر مما تحتاج إلى الشعارات.
وتحتاج إلى المشاركة أكثر مما تحتاج إلى التعليمات.
وتحتاج إلى الثقة أكثر مما تحتاج إلى التخويف.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي وطن هو أن يصبح الانتماء موسمًا، يظهر في مباراة، أو كارثة، أو حرب، ثم يعود الناس بعد ذلك إلى جزرهم المنعزلة، وكأنهم لم يكونوا قبل ساعات شعبًا واحدًا.
الأوطان السليمة لا تجعل الوحدة استثناءً، بل تجعلها القاعدة.
ولا تترك الحب الوطني رهينة لنتيجة مباراة، أو هدف في الدقيقة الأخيرة، أو لحظة عاطفية عابرة.
إنها تبنيه كل صباح، في المدرسة التي لا تميز بين أبناء المواطنين، وفي المحكمة التي لا تفرق بين خصمين، وفي صحيفة لا تخاف من الحقيقة، وفي برلمان يمثل الناس، لا يمثل عليهم، وفي اقتصاد يكافئ الكفاءة لا القرب، وفي إدارة عامة تجعل المواطن يشعر أن الدولة تعمل عنده، لا عليه.
ربما لهذا السبب كان المنتخب أكثر نجاحًا من السياسة في جمع المصريين.
فالمنتخب لا يملك سلطة.
ولا يملك أجهزة.
ولا يملك قوانين.
ولا يملك أدوات إلزام.
كل ما يملكه أنه يحمل اسم مصر بإخلاص.
وهذا وحده كان كافيًا.
أما السياسة، فكلما ضاقت مساحات المشاركة، واتسعت دوائر الإقصاء، وارتفعت أسوار الشك بين الدولة ومواطنيها، أصبح من الصعب أن يتحول الانتماء الطبيعي إلى مشروع وطني جامع.
فالناس لا تُكره على الحب.
ولا تُفرض عليها الثقة.
ولا تُصادر مشاعرها ثم يُطلب منها أن تُصفق.
لقد أخطأت السياسة، في مراحل كثيرة، عندما ظنت أن الاصطفاف يمكن أن يُصنع بقرارات إدارية، أو بحملات إعلامية، أو بتقسيم الناس إلى معسكرات متقابلة.
بينما يعلمنا المنتخب، في كل مباراة، أن الاصطفاف الحقيقي لا يُطلب… بل يُلهم.
لا يُفرض… بل يُولد.
ولا يبدأ من منصة الحكم، وإنما من قلوب الناس.
إن مصر، التي نعرفها ونحلم بها، ليست وطن الأغلبية وحدها، ولا وطن الأقلية، ولا وطن المؤيدين، ولا وطن المعارضين.
إنها وطن الجميع.
وكل مشروع لا يتسع للجميع، سينجح في إدارة الخلاف، لكنه لن ينجح في صناعة الوطن.
فالأوطان لا تُبنى بإلغاء المختلف، وإنما بإقناعه أن اختلافه لا ينتقص من مواطنيته، وأن معارضته لا تنزع عنه حقه في المشاركة، وأن حب مصر ليس امتيازًا تمنحه السلطة، بل حق يولد مع كل مصري.
ولعل هذا هو الدرس الأكبر الذي يقدمه لنا المستطيل الأخضر.
فاللاعب الذي يحرز الهدف لا يسأل الجماهير عمّن انتخبوا.
والجماهير التي تهتف باسمه لا تسأله عن آرائه السياسية.
العلاقة بينهما تقوم على الثقة، وعلى الإخلاص لقميص يحمل اسم الوطن.
وهكذا ينبغي أن تكون العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
لا علاقة وصاية، ولا علاقة خوف، ولا علاقة اختبار دائم للوطنية.
بل علاقة شراكة، ومسؤولية، وحقوق متبادلة، واحترام متبادل.
أحلم بمصر لا يحتاج أبناؤها إلى بطولة عالمية حتى يكتشفوا أنهم عائلة واحدة.
أحلم بمصر يشعر فيها المقيم في الداخل، كما يشعر المغترب في أقصى الأرض، أن الوطن يفتح له ذراعيه بالقدر نفسه.
أحلم بمصر لا يكون فيها الاختلاف السياسي سببًا للقطيعة، ولا التنوع الفكري ذريعة للتخوين، ولا المعارضة مرادفًا للخصومة مع الوطن.
أحلم بدولة يصبح فيها العلم الذي نرفعه في المدرجات، هو نفسه العلم الذي تلتف حوله المؤسسات، وتحتمي به الحريات، ويجد فيه كل مواطن مكانه دون خوف أو تردد.
وربما كان السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا بعد كل مباراة، ليس: كم هدفًا سجلنا؟
بل: كيف نسجل الهدف الأصعب؟
كيف نحول هذه الطاقة الهائلة من المحبة، وهذا الاحتياطي المذهل من الانتماء، وهذا الاستعداد الفطري للتكاتف، إلى مشروع نهضة حقيقي، يشارك في صنعه الجميع، ويشعر الجميع أنهم شركاء في ثماره؟
كيف نمد الجسر بين المستطيل الأخضر… والوطن الكبير؟
كيف نجعل الروح التي تسكن المدرجات، تسكن الجامعات، والمصانع، والبرلمان، والمحاكم، والإدارة، والإعلام، وكل زاوية في هذا البلد؟
إن المصريين لم يخذلوا وطنهم يومًا.
لكنهم، في أحيان كثيرة، لم يجدوا المشروع الذي يليق بحجم محبتهم له.
ولذلك فإن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي دولة، ليس في الحجر وحده، ولا في الطرق وحدها، ولا في الأبراج وحدها، بل في الإنسان.
في ثقته.
وفي كرامته.
وفي حريته.
وفي شعوره بأنه ليس ضيفًا على وطنه، ولا تابعًا فيه، وإنما أحد أصحابه الحقيقيين.
ويبقى المشهد الأخير…
عَلَمٌ يرفرف.
طفلٌ يبكي فرحًا.
شيخٌ يرفع يديه بالدعاء.
أمٌ تحتضن أبناءها بعد هدفٍ لم يسجله أحد منهم، لكنه أسعدهم جميعًا.
وشبابٌ من كل الاتجاهات يهتفون باسم واحد.
ذلك المشهد ليس مجرد احتفال بكرة القدم.
إنه شهادة براءة لهذا الشعب.
ودليلٌ دامغ على أن المصريين ما زالوا يعرفون الطريق إلى بعضهم البعض.
ولعلهم، يوم يجدون المشروع الوطني الذي يتسع لهم جميعًا، ويؤمن بأن قوة الدولة لا تكتمل إلا بحرية مواطنيها، وأن الاستقرار لا ينفصل عن العدالة، وأن المشاركة ليست خطرًا بل ضمانة، سيصنعون على أرض الوطن ما يصنعونه اليوم في المدرجات.
فالوطن الذي يستطيع أن يجمع أبناءه خلف كرة…
قادر، إذا خلصت النيات، واتسعت الرؤية، وارتفعت السياسة إلى مستوى مصر…
أن يجمعهم خلف حلم.
وحين يصبح الحلم مشتركًا…
لن يكون الانتصار في مباراة هو أجمل ما ينتظر المصريين…
بل سيكون الانتصار في بناء وطنٍ يتسع للجميع، ويعلو بالجميع، ولا ينتصر فيه أحد على أحد… بل تنتصر فيه مصر.







