تكنولوجيا وذكاء صناعيفلسطينملفات وتقارير

الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية أدوات القتل الرقمي في قطاع غزة

يعتمد الجيش الإسرائيلي بشكل منهجي على تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية لتعزيز قدراته الهجومية في قطاع غزة، حيث تحولت هذه التكنولوجيات من استخداماتها المدنية السلمية إلى أسلحة فتاكة تدير ما يعرف بالقتل الرقمي المؤتمت. وتكشف المعطيات الفنية عن دمج غير مسبوق للبيانات الضخمة في منظومة عسكرية متكاملة تهدف إلى تسريع وتيرة تحديد الأهداف وتنفيذ الغارات الجوية، مما أدى إلى تحويل التقنيات الرقمية الحديثة إلى بنية تحتية عسكرية قادرة على اتخاذ قرارات ميدانية حاسمة في أجزاء من الثانية.

يستند هذا النظام الرقمي المتطور إلى قاعدة بيانات سحابية موحدة تجمع بين سجلات الهواتف المحمولة لملايين الفلسطينيين، والصور الجغرافية المُلتقطة عبر الأقمار الصناعية وطائرات الاستطلاع، بالإضافة إلى البيانات البيومترية وتحليلات منصات التواصل الاجتماعي، مع دمج الإشارات اللحظية الصادرة عن الطائرات المسيرة. وتُشكل هذه المنظومة آلية شاملة للمراقبة والتحليل تُستخدم في معالجة مئات الآلاف من نقاط البيانات يومياً لاستخراج أهداف عسكرية بدقة حسابية عالية، مما يعكس تحولاً جذرياً في العقيدة القتالية التي باتت تعتمد على الخوارزميات بدلاً من العمل الاستخباري البشري التقليدي.

خوارزميات الاستهداف والذكاء الاصطناعي

تُشغل القوات الإسرائيلية ثلاثة أنظمة خوارزمية أساسية لإدارة عمليات القصف بفاعلية مؤتمتة، حيث يقوم نظام لافندر بتصنيف ما يقارب 37 ألف فلسطيني كأهداف بشرية محتملة بناءً على روابط حركية وسلوكية ترصدها الخوارزمية آلياً. وفي المقابل، يعمل نظام حبسورة، أو ما يُعرف بالإنجيل، على توليد الأهداف المادية من خلال تحليل المباني السكنية والبنية التحتية واقتراح مئات المواقع للتدمير يومياً، بينما يتولى نظام ويرز دادي مهمة التتبع الجغرافي اللحظي الذي يرسل تنبيهات فورية عند وصول الأهداف إلى منازلهم لتنفيذ الغارات داخل المناطق المأهولة.

تعتمد هذه الشبكة المعقدة على خدمات سحابية تجارية توفرها شركات كبرى عبر عقود رسمية ضخمة، أبرزها مشروع نيمبوس الذي تبلغ قيمته 1.2 مليار دولار، والذي يتيح تخزين البيانات الضخمة وتشغيل أدوات التعرف على الوجوه وتحليل الصور وتتبع الأجسام. كما تستخدم وحدة الاستخبارات الإسرائيلية 8200 خوادم شركة مايكروسوفت عبر منصة أزور لمعالجة ملايين الاتصالات والبيانات الصوتية، إضافة إلى دور شركة بالانتير التي وفرت منصة مافن لدمج وتوحيد البيانات الاستخباراتية وتحويلها إلى منظومة استهداف شبه آلية تعمل مباشرة في ميدان العمليات العسكرية.

التداعيات الإنسانية والمخاطر القانونية

تسببت هذه الرقمنة العسكرية في كوارث إنسانية غير مسبوقة، نتيجة اعتماد القادة العسكريين على توصيات الخوارزميات دون تدقيق بشري كافٍ، حيث تشير التقديرات إلى أن فترة اعتماد الهدف لا تتجاوز في بعض الحالات 20 ثانية فقط. أدى هذا النهج إلى تدمير نحو 90% من البنية التحتية في القطاع، وإبادة عائلات بأكملها داخل مساكنها، مما يضع الشركات التكنولوجية المطورة والمزودة لهذه الخدمات أمام تحديات قانونية وأخلاقية جسيمة، لا سيما مع تنامي المطالبات الدولية بمساءلتها عن تواطؤها الفني والتقني في عمليات المراقبة الجماعية والآثار التدميرية الناتجة عن القتل الرقمي المؤتمت.

تظل التساؤلات مطروحة حول مدى مسؤولية هذه الشركات التي وفرت البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، خاصة مع إثبات التحقيقات اعتماد العمليات العسكرية على تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية بشكل كلي في إدارة الأزمات الميدانية. ويُشكل هذا التداخل بين التكنولوجيا والعمل العسكري سابقة خطيرة في القانون الدولي، حيث لم تعد الحرب تقتصر على القوة الغاشمة فحسب، بل باتت خاضعة لبرمجيات تقرر مصير المدنيين في المناطق المأهولة، مما يستدعي تدخلاً عالمياً لوضع أطر تنظيمية صارمة لمنع استغلال الابتكارات في ارتكاب الفظائع التي نراها اليوم في غزة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى