أخبار العالمملفات وتقارير

تهديد وجودي يواجه العاصمة الصومالية مع توقف التمويل الأمريكي لبعثة السلام

يواجه الاستقرار في العاصمة الصومالية خطرًا داهمًا في ظل التوجه الأمريكي نحو إنهاء الدعم المالي واللوجستي الموجه لمكتب دعم الأمم المتحدة، وهو ما يضع بعثة الاتحاد الأفريقي في مهب الريح. يأتي هذا القرار الأمريكي ليزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي المتدهور، حيث أعلنت واشنطن صراحة أنها لن تستمر في دعم هذا المكتب بعد تاريخ 31 ديسمبر المقبل، مما يهدد بانهيار كامل للمنظومة الدفاعية التي تحمي المؤسسات الحكومية في مقديشو، ويفتح الباب واسعًا أمام احتمالات سقوط العاصمة في قبضة الجماعات المسلحة المتطرفة التي تستغل حالة الفراغ الأمني والسياسي الراهن.

تداعيات سحب الدعم والانهيار الأمني المرتقب

يكشف الخطاب الصادر عن السفارة الأمريكية لدى الاتحاد الأفريقي في 1 يوليو عن حالة من الإحباط العميق تجاه الأداء الحكومي، حيث دفع الجانب الأمريكي أكثر من 2 مليار دولار لدعم المكتب منذ تأسيسه في 2009. وتنتقد واشنطن بشدة حالة التشرذم الداخلي والصراعات السياسية التي تعيق جهود التصدي للجماعات المتطرفة مثل حركة الشباب وتنظيم الدولة الإسلامية. في الوقت ذاته، تعاني البلاد من أزمة سياسية خانقة منذ قرار الرئيس حسن شيخ محمود تمديد ولايته التي انتهت في 15 مايو، مما أشعل مواجهات مسلحة في العاصمة خلال شهر يونيو بين القوات الحكومية وفصائل المعارضة، وهو ما يضعف الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات المتصاعدة.

تفرض الجماعات المتطرفة سيطرتها اليوم على مساحات شاسعة من وسط وجنوب البلاد، بعد أن تمكنت في 2025 و2026 من استعادة معظم الأراضي التي فقدتها سابقًا، بل إنها أحكمت قبضتها على الطرق الاستراتيجية المؤدية إلى مقر السلطة. ويرى الخبراء أن بعثة الاتحاد الأفريقي المعروفة باسم “أوسوم” منذ 1 يناير 2025، والتي تضم 12 ألف جندي، لم يعد بإمكانها مواصلة مهامها دون التمويل الأمريكي، مما يعني انسحاب القوى الدولية وفقدان الحكومة لغطائها السياسي والأمني. وفي ظل امتلاك هذه الجماعات ما بين 7 آلاف إلى 12 ألف مقاتل، فإن سيناريو السقوط لم يعد مستبعدًا، بل صار احتمالًا منطقيًا يلوح في الأفق القريب.

خيارات البقاء ومستقبل الحل السياسي

تبحث مفوضية الاتحاد الأفريقي في اجتماعاتها الطارئة التي بدأت في 3 يوليو عن بدائل عاجلة، تشمل مخاطبة قوى دولية مثل الصين والمملكة المتحدة أو حتى التعاقد مع شركات أمنية خاصة، إلا أن هذه الحلول تبدو محدودة التأثير ولا تكفي لتغطية تكاليف البعثة الباهظة. ويبدو أن أي تقليص في مهام البعثة سيجعلها محصورة فقط في حماية مطار العاصمة، مما يعزز من فرص تمدد نفوذ الجماعات المسلحة التي أصبحت تمتلك تنظيمًا لوجستيًا وعسكريًا عالي المستوى، ولم تعد مجرد ميليشيات مشتتة كما كان الحال في الماضي، بل صارت كيانًا منظمًا يسعى لكسب ود السكان المحليين لتعزيز نفوذه.

يتجه أنظار المراقبين إلى محاولات الحكومة الحالية للاستعانة بحلفاء مثل قطر أو تركيا لدعم جيشها الذي يواجه تحديات وجودية بمفرده. ومع ذلك، يبقى التساؤل حول مدى قدرة هذه التحركات على تغيير موازين القوى على الأرض، في ظل انعدام ضمانات النجاح العسكري. وتتجه التقديرات السياسية نحو ضرورة فتح قنوات تفاوض مباشرة مع حركة الشباب كخيار أخير قد تضطر إليه السلطة المركزية لضمان بقائها، خاصة مع تزايد وتيرة الهجمات وضعف التنسيق الدولي وتراجع وتيرة الدعم الخارجي الذي كان يمثل العمود الفقري لاستقرار مؤسسات الحكم في البلاد خلال العقود الماضية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى