شباك نورملفات وتقارير

د. أيمن نور يكتب: الشاهد الذي لا نغفر له ورقة من كتاب «الغبي» «الغبي لا يكره من يكذب عليه… بل يكره من يحرمه من الكذبة التي أحب أن يعيش داخلها.»

يحمل كل إنسان، في موضع خفي من روحه، اسمًا لا يحب أن يستدعيه كثيرًا. ليس لأنه اسم خصم، ولا لأنه ارتبط بإساءة أو منافسة، بل لأنه اسم إنسان رآه، ذات يوم، كما هو. هناك بشر لا يملكون سلطة، ولا يرفعون أصواتهم، ولا يسعون إلى هدم أحد، لكن حضورهم وحده يربكنا؛ لأنهم يشبهون مرايا تمشي على قدمين. لا يضيفون إلى وجوهنا شيئًا، ولا ينتقصون منها شيئًا، لكنهم يسلبون الوهم امتيازه الأكبر: أن يبقى مستورًا. ولذلك يبدو وجودهم ثقيلًا على النفس التي تعودت أن ترى نفسها من خلال الرواية التي ألفتها عن ذاتها، لا من خلال الوجه الذي لم تجرؤ يومًا على تأمله طويلًا.

الخصومة مع هؤلاء لا تبدأ من الخارج، بل من الداخل. فقبل أن يغضب الإنسان من الشاهد، يكون قد غضب من نفسه دون أن يعترف. ليست الحقيقة مؤلمة لأنها قاسية، بل لأنها تصل إلى المكان الذي ظل الوهم يحرسه سنوات طويلة. ولهذا يبدو حاملها، في عين الغبي، كأنه مصدر الألم، مع أنه لم يفعل أكثر من أن أزاح الستار عن جرح كان قائمًا قبل أن يراه أحد.

الحقيقة، في جوهرها، لا تنتقم ولا تجامل. إنها تفعل شيئًا واحدًا فقط: تزيح الستار. غير أن النفس البشرية لا تستقبل رفع الستار بالطريقة نفسها. فهناك من يراه بداية خلاص، وهناك من يراه بداية انهيار؛ لأن الحقيقة لا تكشف الخطأ وحده، بل تكشف أيضًا السنوات التي عاشها الإنسان وهو يحرسه، ويبرره، ويبني فوقه رواية كاملة، حتى صار الخطأ جزءًا من تعريفه لنفسه.

من هنا يبدأ أحد أكثر وجوه الغباء خفاءً. فالإنسان لا يخاصم الحقيقة لأنها هزمته، بل لأنها جاءت قبل أن يفرغ من الدفاع عن نفسه. لم يكن مستعدًا بعد لأن يعيد كتابة تاريخه، أو يعترف بأن عمرًا كاملًا ربما احتاج إلى مراجعة. لذلك يبحث، في عجلة المرتبك، عن أقصر طريق للنجاة: أن يجعل الشاهد هو القضية، بدلًا من أن يواجه القضية نفسها.

تعلمت، عبر أكثر من أربعة عقود بين الصحافة والسياسة والإعلام، أن الناس لا يثورون دائمًا على من يسيء إليهم، بل كثيرًا ما يثورون على من يصفهم بدقة. فالإساءة قد تُرد، أما الوصف الدقيق فلا يترك للنفس مساحة واسعة تختبئ فيها. ورأيت رجالًا دفعوا ثمن كلمة صادقة أكثر مما دفع آخرون ثمن أخطاء جسيمة؛ لأن الخطأ يمكن تبريره، أما الحقيقة الدقيقة فقلما تترك لصاحبها عذرًا ينام عليه مرتاحًا.

وأذكر واقعة لم تغادر ذاكرتي، لا لأنها تتعلق بأشخاص، بل لأنها كشفت لي آلية من أعمق آليات النفس الإنسانية. كُتب تعليق ساخر في سياق سياسي، وأُريد له أن يكون دعابة عابرة، فإذا بمن وُجه إليه يتلقاه بوصفه شهادة حقيقية، ثم راح يردده في لقاءاته بفخر، كأنه وثيقة إنصاف طال انتظارها. وعندما عاتبت صاحب التعليق، أجابني ضاحكًا: «يبدو أنك فقدت روح الدعابة». يومها أدركت أن أخطر ما يفعله الوهم ليس أنه يخدع الإنسان، بل أنه ينتقي، من بين آلاف الأصوات، الصوت الوحيد الذي يبارك الرواية التي أحب أن يعيش داخلها، ثم يحوله إلى حقيقة لا يجرؤ بعد ذلك على مراجعتها.

منذ تلك اللحظة تبدلت نظرتي إلى كثير من الخصومات. لم أعد أراها صراعًا بين حق وباطل فحسب، بل بين إنسان يريد أن يحافظ على الصورة التي صنعها لنفسه، وآخر جاء، من غير قصد، ليخبره أن اللوحة لم تكتمل، وأن بعض ألوانها ليست ألوان الحقيقة، بل ألوان الرغبة والخوف والحنين إلى وهم قديم. وما أقسى أن يكتشف المرء أن أكثر ما دافع عنه لم يكن الحقيقة، بل الصورة التي أحب أن يراها الناس فيه.

لا يكره الإنسان الشاهد لأنه كشف الحقيقة، بل لأنه انتزع منه آخر الأعذار الممكنة. فما دام الشاهد غائبًا، يستطيع أن يقول: لم أكن أعلم، أو لعلني أسأت الفهم، أو ربما كانت الوقائع مختلفة. أما إذا حضر الشاهد، وانكشفت الصورة، وسقطت الحجة، لم يبق إلا طريقان؛ أن يعترف، أو أن يحاكم الشاهد بدلًا من أن يحاكم نفسه. وهنا يبلغ الغباء إحدى ذراه، لأنه لا يعود جهلًا بالحقيقة، بل يصبح مقاومة واعية لها، وإصرارًا على أن تبقى الرواية أقوى من الواقع.

ليست المعضلة أن الإنسان يحب نفسه، فذلك من طبائع البشر، وإنما المعضلة أن يحب الرواية التي كتبها عن نفسه أكثر من نفسه الحقيقية. فمنذ تلك اللحظة لا يعود مستعدًا لتعديلها، لأن كل تعديل يبدو له اقتطاعًا من وجوده، لا تصحيحًا لمساره. ولذلك لا يدافع عن فكرة، ولا عن موقف، ولا عن تاريخ، بقدر ما يدافع عن الشخصية التي أقامها في داخله، وعن البطل الذي تعب في نحته، حتى صار يخشى أن يلمسه أحد، ولو بقليل من الحقيقة.

ولعل هذا هو السر الذي يجعل كثيرين يغفرون لمن خدعهم، ولا يغفرون لمن أيقظهم. فالمخادع يترك الرواية على حالها، وربما زادها بريقًا، أما الشاهد الصادق فيجبر الإنسان على أن يعيد كتابتها من الصفحة الأولى. وما أقسى أن يكتشف المرء، بعد سنوات من الدفاع المستميت، أن المعركة كلها كانت تدور حول وهم، وأن العمر الذي أنفقه في حماية صورته كان يمكن أن ينفقه في بناء نفسه.

من هنا، لا يعود الشاهد شاهدًا على واقعة، بل يصبح شاهدًا على الإنسان نفسه. وتتغير طبيعة الخصومة تغيرًا كاملًا. لم تعد خصومة بين شخصين، بل بين الضمير والكبرياء. الضمير يقول: أنصت، فربما كانت الحقيقة أقرب مما تظن. والكبرياء يقول: قاوم، فالتراجع هزيمة. الضمير يدعو إلى المراجعة، والكبرياء يدعو إلى المرافعة. وما أكثر الذين خرجوا من كل معركة منتصرين أمام الناس، لكنهم عادوا إلى بيوتهم مهزومين أمام أنفسهم، لأنهم ربحوا المرافعة، وخسروا المراجعة.

تأملت طويلًا في الذين امتلكوا شجاعة الاعتراف، فاكتشفت أنهم ليسوا أقل الناس خطأ، بل أقلهم تعلقًا بصورتهم. إنهم لا يخشون أن تتشقق المرآة، لأنهم لا يسكنون فيها. يعرفون أن الإنسان أكبر من رأي قاله، وأوسع من موقف اتخذه، وأعمق من مرحلة عبرها. ولذلك يستطيعون أن يقولوا: أخطأنا، دون أن يشعروا أن العالم قد انهار فوق رؤوسهم. فهم لا يرون الاعتراف سقوطًا، بل بداية ولادة جديدة.

أما الغبي، فلا يستطيع أن يقولها بسهولة؛ لأن كلمة واحدة مثل «أخطأت» لا تهدم عنده موقفًا، بل تهدم البناء كله. ولهذا يقضي سنوات طويلة في ترميم الجدار، بدلًا من أن يسأل نفسه: ولماذا لا أبني بيتًا جديدًا؟ وهنا يتحول الذكاء نفسه إلى خادم للوهم. يستدعي الحجج، ويعيد ترتيب الوقائع، ويبدل أسماء الأشياء، حتى يبدو الخطأ رأيًا، والوهم اجتهادًا، والتراجع خيانة، والاعتذار ضعفًا، ويصبح العقل، الذي خُلق ليقود الإنسان إلى الحقيقة، حارسًا أمينًا على سجنه.

ولقد رأيت، في مسيرة الحياة، أن الحقيقة لا تُهزم غالبًا، لكنها قد تُؤجل. يؤجلها الخوف، ويؤجلها التصفيق، وتؤجلها المصلحة، ويؤجلها الكبرياء، لكنها لا تتوقف عن عملها الهادئ. إنها تشبه الماء الذي لا يخاصم الصخر، ولا يرفعه عن مكانه، بل يظل ينحته بصبر لا يمل، حتى يكتشف الصخر نفسه، بعد زمن طويل، أنه لم يعد كما كان. وهكذا تفعل الحقيقة بالإنسان؛ لا تقتحمه دفعة واحدة، بل تظل تحاصره من كل الجهات، حتى إذا تعب من مقاومة نفسه، دخلت إليه من الباب الذي ظل يظن أنه أحكم إغلاقه.

وما إن تمر السنوات، حتى يكتشف الذين حاربوا الشاهد أن الزمن نفسه صار شاهدًا عليهم. وأن الكلمة التي ضحكوا منها يومًا، أصبحت بعد أعوام جزءًا من الوعي العام. وأن الرجل الذي اتهموه بالمبالغة لم يكن إلا سابقًا لهم بخطوة في الطريق. عندها لا تتغير الحقيقة، بل يتغير الإنسان. ولا يتبدل الواقع، بل تتبدل المسافة التي كانت تفصله عنه. وما أقسى أن يصل المرء إلى الحقيقة بعد أن يدفع ثمنًا كان يمكن أن يوفره لو امتلك شجاعة الإصغاء إليها في أول الطريق.

هنا فقط يتغير معنى الهزيمة. ليست الهزيمة أن تخسر معركة مع خصم، بل أن تخسر سنوات من عمرك لأنك رفضت أن تصغي إلى شاهد واحد. وما أكثر الذين لم يهزمهم أعداؤهم، بل هزمهم إصرارهم على ألا يعترفوا بأن خصومهم قالوا، مرة واحدة، كلمة تستحق أن تُسمع. فالإنسان قد ينتصر في الجدل، لكنه يخسر الحقيقة، وقد يربح التصفيق، لكنه يخسر نفسه، وليس في حياة العقل خسارة أفدح من هذه.

عبر التاريخ، لم يكن الشهود أقلية لأن الحقيقة نادرة، بل لأن ثمنها كان دائمًا مرتفعًا. فالحقيقة لا تطلب من حاملها البلاغة وحدها، بل تطلب منه أن يحتمل سوء الفهم، وأن يقبل الوحدة، وأن يرى التصفيق يذهب إلى غيره، ثم يمضي في طريقه مطمئنًا إلى أن الزمن، وإن تأخر، لا ينسى من شهد له بالصدق. ولذلك عاش كثير من أصحاب البصيرة غرباء في زمنهم، ثم عاد الزمن نفسه ليمنحهم المكانة التي بخل بها عليهم معاصروهم.

وليس المقصود بالشاهد شخصًا بعينه، فقد يكون كتابًا وقع بين يديك في اللحظة التي كنت تحتاجه فيها، أو تجربة كسرت يقينًا قديمًا، أو خسارة علمتك ما عجزت عنه سنوات النجاح، أو طفلًا نطق بكلمة لم يجرؤ الكبار على النطق بها. الشاهد هو كل ما يضع الحقيقة أمامك مجردة، ثم يترك لك الحرية كاملة؛ أن تعيش معها، أو أن تعود إلى الوهم الذي تعرفه. ولذلك لا يلتقي الإنسان في حياته بشاهد واحد، بل يلتقي بشهود كثيرين، لكنه لا ينتفع إلا بمن امتلك الشجاعة لأن يصغي إليه.

وهنا يتكشف وجه آخر من وجوه الغباء؛ فهو لا يحاول قتل الحقيقة، لأنه لا يستطيع، بل يحاول إقصاء الشاهد، لعل الحقيقة ترحل برحيله. ولا يدرك أن الحقيقة لا تورث أسماء أصحابها، بل تورث أثرهم. قد يغيب الرجل، وتبقى الكلمة. وقد ينسى الناس الشاهد، لكنهم، بعد حين، يعيشون داخل الشهادة التي رفضوها يومًا، ويحسبونها من بدهيات الحياة، بعد أن كانت في نظرهم خروجًا على المألوف.

لذلك ليست البطولة أن يجد الإنسان شاهدًا صادقًا، بل أن يحتمله. أن يصبر على مرارة المرآة حتى يرى وجهه كما هو، وأن يقبل أن الحقيقة قد تجرحه قبل أن تشفيه. فمن يهرب من الجرح، يهرب من الشفاء معه. ومن يخاصم الشاهد، لا ينجو من الحقيقة، وإنما يؤجل موعد اللقاء بها، حتى يصبح الثمن أكبر، والعمر أقصر، والندم أثقل.

وسيأتي يوم يهدأ فيه الضجيج كله. يغيب الجمهور، وتسقط الألقاب، وتذبل الرايات، وتخفت الأصوات التي كانت تملأ الساحات. عندها لن يبقى مع الإنسان إلا ذاكرته، ولن يبقى في ذاكرته إلا أولئك الذين حاولوا أن يوقظوه، وهو يظن أنهم جاءوا ليؤذوه. وهناك، في تلك المحكمة التي لا يحضرها إلا الضمير، سيعرف أن أكثر شاهد خاصمه في حياته… كان أكثر الناس رحمة به.

وما أقسى أن يصل الإنسان إلى هذه المعرفة بعد أن يغادر الشهود جميعًا. فبعض الحقائق لا تمنح أصحابها فرصة ثانية، وبعض الاعتذارات لا تجد من تتجه إليه. يرحل الشاهد، أو يبتعد، أو يبتلعه الزمن، ويبقى الإنسان وحيدًا أمام سؤال لا يملك أن يرده: لماذا احتجت إلى كل هذا العمر حتى أصدق ما كان واضحًا منذ البداية؟ وهنا لا يكون الزمن قد سرق الحقيقة، بل يكون قد سلب الإنسان فرصة أن يعيشها في وقتها.

تأملت طويلًا هذه المفارقة، فاكتشفت أن الإنسان لا يقضي حياته كلها باحثًا عن الحقيقة كما يحب أن يتصور، بل يقضي جانبًا كبيرًا منها باحثًا عن الطمأنينة. وإذا تعارضت الحقيقة مع الطمأنينة، انتصر كثيرون لما يريحهم لا لما يصدقهم. ليست الطمأنينة هنا فضيلة، بل هدنة مؤقتة مع الوهم. أما الحقيقة فلا تعرف الهدن؛ إنها تطلب مراجعة، وتطلب شجاعة، وتطلب استعدادًا لأن يخسر الإنسان صورة أحبها، كي يستعيد إنسانًا كاد أن يفقده.

لذلك لا يكون الشاهد أخطر أعداء الوهم لأنه يملك معلومات أكثر، بل لأنه يفسد راحته. إنه لا يهدم البناء كله، بل يلمس حجرًا واحدًا، فيكتشف صاحب البناء أن الجدار بأكمله كان قائمًا عليه. ومن هنا يأتي ذلك العنف الذي يواجه به بعض الناس كلمة صادقة؛ فالكلمة لم تكن تهدد رأيًا عابرًا، بل كانت تهدد البيت الذي عاشوا داخله، والهوية التي احتموا بها، والرواية التي ناموا في ظلها أعوامًا طويلة.

ولعل أكثر ما يدعو إلى التأمل أن الإنسان، بعد أن يرفض الشاهد، لا يتوقف عن البحث عن شاهد آخر، لكن بالشروط التي يضعها هو. يريد من يشهد له، لا عليه. ومن يطمئنه، لا من يوقظه. ومن يبارك روايته، لا من يدعوه إلى إعادة كتابتها. وهكذا يحيط نفسه، شيئًا فشيئًا، بأشخاص لا يقولون له إلا ما يحب أن يسمعه، حتى يصبح صدى صوته هو الصوت الوحيد الذي يملأ حياته. وما أشد قسوة العزلة حين تتنكر في صورة توافق كامل.

ومن أخطر ما يصيب المجتمعات أن تتحول هذه الحاجة الفردية إلى ثقافة عامة. عندئذ لا يبحث الناس عن القائد الذي يقول الحقيقة، بل عن القائد الذي يؤكد ما يريدون تصديقه. ولا يلتفون حول المفكر الذي يربك يقينهم، بل حول من يعيد صياغة يقينهم القديم في عبارات أكثر بريقًا. ويصبح الكاتب الذي يوقظ العقول غريبًا في وطنه، بينما يجد صانع الأوهام جمهورًا لا يكاد ينفد؛ لأن الوهم يعد الناس بالراحة، أما الحقيقة فلا تعدهم إلا بالحرية، والحرية أثقل كلفة من الراحة.

وليس معنى ذلك أن كل شاهد معصوم، أو أن كل ناقد يمتلك الحقيقة كاملة. فالإنسان، مهما بلغ من الصدق، يبقى معرضًا للخطأ. لكن الفرق بين العقل الحر والعقل الأسير أن الأول يناقش الشهادة، أما الثاني فيحاكم الشاهد. الأول يسأل: هل ما يقوله صحيح؟ والثاني يسأل: كيف أمنعه من أن يقوله؟ وبين السؤالين يتحدد مصير الأفكار، بل قد يتحدد مصير الأوطان أيضًا.

وكلما تقدمت بي السنوات، ازددت يقينًا بأن أخطر خسائر الإنسان ليست خسارة منصب، ولا شهرة، ولا مال، بل خسارة ذلك الشخص الذي امتلك الشجاعة ليقول له الحقيقة دون انتظار منفعة، ودون خوف من خسارة، ودون حاجة إلى تصفيق. فهؤلاء نادرون، وإذا غابوا، بقي الإنسان محاطًا بأصوات كثيرة، لكنها لا تقول إلا ما يريده، لا ما يحتاج إليه.

وربما كانت الحكمة كلها تبدأ من تمرين صغير، لكنه بالغ القسوة: أن يسأل الإنسان نفسه، كلما ضاق بصوت ناقد صادق: هل أغضب لأن الرجل ظلمني… أم لأنني أخشى أنه رأى فيَّ ما تعبت طويلًا في إخفائه عن نفسي؟ ذلك السؤال لا يفتح بابًا إلى الحقيقة فحسب، بل يفتح بابًا إلى الإنسان الذي كدنا نفقده تحت طبقات الروايات التي ألفناها عن أنفسنا.

وعند هذه العتبة يتغير معنى الشهادة كله. فلا يعود الشاهد ذلك الذي يقف أمام قاضٍ في محكمة، بل ذلك الذي يقف أمام ضميرك في اللحظة التي ينصرف فيها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى