الدكتور أيمن نور يكتب: نحن والآخر.. 4 ورقات عن مصر الممكنة 2030 والمحيط الاقليمي

نحن والآخر.. 4 ورقات
- [ مصر الممكنة ومحيطها الإقليمي… ]
الدبلوماسية الشعبية… الجناح الثاني للسياسة الخارجية
لم تعد السياسة الخارجية في عالم اليوم حكرًا على وزارات الخارجية وحدها، ولا شأنًا مغلقًا بين السفراء والبيانات الرسمية وغرف الاجتماعات المحصنة. فقد تغير العالم، واتسعت ساحات التأثير، وصارت الدول التي تفهم عصرها تدرك أن صورتها في الخارج لا تصنعها الحكومات وحدها، بل تصنعها أيضًا الجامعات والأحزاب والنقابات والبرلمانيون السابقون والمثقفون والإعلاميون ومراكز الفكر والجاليات الوطنية في المنافي والمهاجر.
ومن هنا تبرز أهمية الدبلوماسية الشعبية بوصفها الجناح الثاني للسياسة الخارجية، لا بديلًا عنها ولا خصمًا لها، بل امتدادًا ناعمًا وذكيًا لقدرة الدولة والمجتمع على شرح قضاياهما، وبناء صداقات جديدة، وتخفيف سوء الفهم، وفتح نوافذ لا تستطيع الدبلوماسية الرسمية دائمًا أن تطرقها.
مصر الممكنة تحتاج إلى هذا الجناح الغائب. تحتاج إلى سياسة خارجية لا تتحدث فقط باسم الدولة، بل تسمح للمجتمع المصري كله أن يكون حاضرًا في العالم. فالدولة التي تحتكر الكلام تضعف صوتها، أما الدولة التي تحسن تنظيم تعدد الأصوات داخل إطار وطني رشيد فإنها تكسب مساحة أوسع من التأثير والاحترام.
وخبرتنا السياسية والحزبية والبرلمانية علمتنا أن كثيرًا من الأبواب التي تبدو مغلقة رسميًا يمكن أن تفتحها الحوارات غير الرسمية، وأن كثيرًا من الصور الظالمة أو الناقصة عن بلد ما يمكن أن تعاد صياغتها عبر لقاء صادق، أو مبادرة فكرية، أو مؤتمر مدني، أو جسر ثقافي طويل النفس.
ليست الدبلوماسية الشعبية ترفًا سياسيًا. إنها ضرورة في عالم تتنافس فيه الدول على العقول قبل الأسواق، وعلى الصورة قبل المواقف، وعلى الثقة قبل الاتفاقيات. وهي في الحالة المصرية ليست رفاهية إضافية، بل حاجة وطنية لإعادة بناء حضور مصر في محيطها العربي والأفريقي والمتوسطي والدولي.
فمصر التي تملك واحدة من أوسع الجاليات في الخارج، وتملك تاريخًا ثقافيًا وسياسيًا عميقًا، وتملك خبرات حزبية وبرلمانية ونقابية وفكرية واسعة، لا يجوز أن تترك هذه الثروة البشرية مبعثرة، ولا أن تتعامل معها كأفراد معزولين لا كرصيد وطني يمكن أن يضيف إلى الدولة لا أن ينتقص منها.
وقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول الذكية لا تخاف من دبلوماسية المجتمع، بل تنظمها وتستفيد منها. فالأحزاب في أوروبا تتحاور عبر الحدود، والبرلمانيون السابقون يشاركون في بناء المبادرات، ومراكز الفكر تقترح مسارات للسياسات العامة، والجامعات تصنع جسورًا معرفية لا تستطيع الحكومات وحدها أن تبنيها.
أما في مصر، فقد غلبت لسنوات طويلة نظرة ضيقة ترى في كل مبادرة مستقلة شبهة، وفي كل حوار غير رسمي خطرًا، وفي كل صوت خارج الجهاز الرسمي تهديدًا. وهذه النظرة أضرت بمصر أكثر مما حمتها، لأنها اختزلت الوطن في السلطة، واختزلت السياسة الخارجية في البيانات، واختزلت المجتمع في جمهور صامت ينتظر ما يقال له.
مصر الممكنة يجب أن تتجاوز هذا الخوف القديم. فالوطن أكبر من الحكومة، والدولة أوسع من النظام، والمصلحة الوطنية لا يحرسها صوت واحد مهما علا، بل تحرسها شبكة واسعة من الأصوات الوطنية المتنوعة التي تختلف في الرأي لكنها لا تختلف على قيمة مصر ومكانتها ومستقبلها.
وفي هذا السياق تأتي أهمية المبادرات المدنية والفكرية العابرة للحدود، لا بوصفها منافسًا للدبلوماسية الرسمية، بل بوصفها مساحة تمهيدية للحوار، ومختبرًا للأفكار، وجسرًا بين المجتمعات. فكثير من التحولات الكبرى في التاريخ بدأت في قاعات غير رسمية، ثم وجدت طريقها لاحقًا إلى المؤسسات الرسمية.
من هنا يمكن فهم قيمة مبادرة «المصير المشترك 2035» باعتبارها نموذجًا للدبلوماسية الشعبية التي لا تسعى إلى خطف دور الدولة، بل إلى توسيع أفق الحوار حول مستقبل المنطقة. فهي لا تبدأ من سؤال من يحكم، بل من سؤال أعمق: كيف يمكن لشعوب هذه المنطقة أن تعيش معًا، وتتعاون معًا، وتنجو معًا من أزمات لم تعد تعترف بالحدود؟
إن مصر الممكنة تحتاج إلى مجلس وطني للدبلوماسية الشعبية يضم شخصيات سياسية وفكرية وبرلمانية وأكاديمية ونقابية وشبابية، يعمل بالتنسيق لا بالوصاية، وبالاستقلال الوطني لا بالتبعية، ويضع خريطة سنوية للحوار مع العالم العربي وأفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة وآسيا.
وتحتاج كذلك إلى تمكين الجاليات المصرية في الخارج من أداء دورها الوطني بصورة أرقى. فالمصري المقيم في باريس أو برلين أو لندن أو واشنطن ليس مجرد مغترب يرسل تحويلات مالية، بل سفير اجتماعي وثقافي وإنساني، يستطيع أن يشرح بلده، وينقل خبرته، ويدافع عن مصالح مواطنيه، ويبني علاقات لا تقدر بثمن.
كما تحتاج مصر إلى ربط الجامعات المصرية بشبكات بحث دولية، وربط الأحزاب المصرية بنظيراتها في العالم، وربط النقابات المهنية بمؤسساتها العالمية، وفتح المجال أمام المثقفين والفنانين والإعلاميين ليكونوا جزءًا من معركة الصورة والوعي والتأثير.
فالقوة الناعمة لا تعود بالحنين وحده. لا يكفي أن نقول إن مصر كانت تقود وتؤثر وتلهم. السؤال الحقيقي: ماذا نفعل اليوم كي تستعيد مصر هذه القدرة؟ وكيف ننتقل من البكاء على زمن مضى إلى صناعة زمن جديد؟
الدبلوماسية الشعبية هي أحد مفاتيح هذا الزمن الجديد. فهي لا تحتاج إلى جيوش ولا ميزانيات ضخمة، بل تحتاج إلى رؤية وثقة وانفتاح وإيمان بأن المجتمع ليس عبئًا على الدولة، بل أحد مصادر قوتها.
مصر الممكنة لا تخاف من أصوات أبنائها في الخارج، ولا ترتبك من مبادراتهم، ولا تتعامل مع اختلافهم السياسي كجريمة. بل ترى في كل مصري حر قادر على الحوار جسراً إضافيًا بين الوطن والعالم.
وهكذا تصبح الجغرافيا السياسية لمصر أوسع من حدودها. تمتد عبر مواطنيها، وعبر ثقافتها، وعبر تاريخها، وعبر قدرتها على الحديث مع الآخرين لا من فوقهم ولا من تحتهم، بل من موقع الندّية والثقة والاحترام.
ففي العالم الجديد، لا يكفي أن تملك الدولة سفارات. عليها أن تملك قصة مقنعة. ولا يكفي أن تصدر بيانات. عليها أن تبني جسورًا. ولا يكفي أن تطلب الاحترام. عليها أن تصنع أسباب الاحترام.
وحين تستعيد مصر هذا المعنى، لن تكون الدبلوماسية الشعبية هامشًا على دفتر السياسة الخارجية، بل فصلًا أساسيًا في كتاب الدور المصري الجديد.
فالأمم لا تعود إلى العالم بخطاب رسمي وحده.
بل تعود حين يتكلم شعبها بثقة.
وحين تتحول مواهب أبنائها إلى جسور.
وحين يصبح الوطن فكرة قادرة على الإقناع…
لا مجرد حدود تنتظر الاعتراف.
- [ مصر الممكنة…ومحيطها الإقليمي… ]
الهجرة والمتوسط…إدارة حدود أم صناعة فرص
ليست الهجرة قاربًا صغيرًا يمضي في ليل البحر هربًا من الفقر فقط. إنها في جوهرها رسالة موجعة من عالم فقد توازنه، ومن جنوب يبحث عن الحياة، ومن شباب لم يجدوا في أوطانهم ما يكفي من الأمل، فذهبوا يفتشون عنه في الضفة الأخرى ولو على حافة الموت.
ولهذا فإن التعامل مع الهجرة بوصفها ملفًا أمنيًا فقط هو قراءة ناقصة لأزمة إنسانية واقتصادية وسياسية عميقة. فالقوارب التي تصل إلى شواطئ أوروبا لا تبدأ رحلتها من البحر، بل تبدأ من قرى فقيرة، ومدن مهمشة، ومدارس عاجزة، وأسواق عمل مغلقة، ودول لم تستطع أن تمنح أبناءها إحساسًا عادلًا بالمستقبل.
مصر، بحكم موقعها وتكوينها السكاني وصلاتها العربية والأفريقية والمتوسطية، تقف في قلب هذا الملف. فهي دولة عبور، ودولة مقصد، ودولة مصدر للهجرة في الوقت نفسه. وهذه الوضعية المركبة تجعل من الهجرة قضية أمن قومي بالمعنى الإنساني والتنموي، لا بالمعنى الشرطي وحده.
لقد أخطأت أوروبا طويلًا حين ظنت أن تشديد الحدود وحده يكفي. وأخطأنا نحن أيضًا حين تعاملنا مع الهجرة أحيانًا كأزمة تخص الآخرين. والحقيقة أن البحر المتوسط لم يعد مجرد فاصل جغرافي بين جنوب وشمال، بل صار مرآة كاشفة لاختلالات التنمية والفرص والعدالة بين الضفتين.
لا يمكن أن نطالب شابًا بالبقاء في وطن لا يمنحه عملًا، ولا تعليمًا جيدًا، ولا أفقًا، ولا كرامة. ولا يمكن أن نغلق البحر في وجه من أغلق الفقر أبواب البر في وجهه. فالهجرة لا تُهزم بالمطاردة، بل تُعالج حين يصبح البقاء اختيارًا معقولًا لا عقوبة مفروضة.
مصر الممكنة يجب أن تقدم مقاربة مختلفة. لا مقاربة تنكر حق الدولة في تنظيم حدودها، ولا مقاربة تبرر الفوضى والتهريب والمخاطرة بأرواح البشر، بل مقاربة أعمق ترى أن الحل يبدأ من التنمية، والتعليم، والتدريب، وربط الإنسان بسوق عمل حقيقية داخل بلده وخارجه.
فالهجرة المنظمة يمكن أن تكون فرصة لا أزمة. والعمالة المصرية المؤهلة يمكن أن تصبح جسرًا اقتصاديًا وإنسانيًا بين مصر وأوروبا. لكن هذا يتطلب أن ننتقل من العشوائية إلى التخطيط، ومن تصدير العمالة غير المدربة إلى بناء منظومة وطنية للتأهيل المهني واللغوي والقانوني.
تحتاج مصر إلى استراتيجية وطنية للهجرة والعمل الدولي، لا تترك الشباب فريسة للسماسرة، ولا تترك الأسواق الأوروبية تبحث عن العمالة بعيدًا عن مصر، ولا تترك الدولة تتعامل مع الملف كرد فعل موسمي عند كل أزمة.
ويمكن لهذه الاستراتيجية أن تبدأ من إنشاء مراكز تدريب معتمدة بالشراكة مع الدول الأوروبية في مجالات تحتاجها أسواق العمل: الرعاية الصحية، التمريض، التكنولوجيا، البناء المتقدم، الزراعة الحديثة، الطاقة المتجددة، الخدمات اللوجستية، ورعاية كبار السن. فالهجرة المنظمة ليست تهريبًا مغلفًا بالقانون، بل عقد شراكة إنسانية واقتصادية يحفظ كرامة العامل ومصلحة الدولة المستقبلة والدولة المرسلة.
كما يجب أن تنظر مصر إلى المهاجرين واللاجئين على أرضها بمنطق إنساني وقانوني منظم. فوجود ملايين من العرب والأفارقة في مصر ليس عبئًا فقط، بل يمكن أن يكون جزءًا من اقتصاد منظم إذا وُضعت السياسات الصحيحة للتعليم والعمل والإقامة والخدمات، بعيدًا عن العشوائية والاستغلال وخطابات الكراهية.
ولا يمكن لمصر الممكنة أن تتحدث عن دور إقليمي وهي تغلق قلبها أمام ضحايا الحروب في جوارها. فالكرامة الإنسانية لا تتجزأ، والدولة القوية ليست التي تقسو على الضعفاء، بل التي تنظم الرحمة بقانون، وتحمي المجتمع دون أن تفقد إنسانيتها.
وفي المقابل، يجب أن تتحمل أوروبا نصيبها من المسؤولية. فلا يجوز أن تريد من دول الجنوب أن تتحول إلى حراس حدود فقط، دون شراكة تنموية حقيقية تعالج الأسباب التي تدفع الناس إلى الرحيل. فالاستقرار لا يشترى باتفاق أمني قصير، بل يبنى باستثمار طويل في الإنسان والمجتمعات.
من هنا يجب أن تكون الهجرة أحد أعمدة الشراكة المتوسطية الجديدة. لا بوصفها ملفًا مزعجًا يجب التخلص منه، بل بوصفها مجالًا لإعادة بناء العلاقة بين الشمال والجنوب على أسس أكثر عدلًا وواقعية.
فالمتوسط الذي شهد في تاريخه انتقال التجارة والثقافة والأديان واللغات، لا يجوز أن يتحول في القرن الحادي والعشرين إلى مقبرة مفتوحة للفقراء. ولا يجوز أن تصبح حياة الإنسان أقل قيمة من حسابات الانتخابات، أو أقل أهمية من خوف عابر في نشرات الأخبار.
إن مصر الممكنة تستطيع أن تلعب دورًا محوريًا في هذا الملف إذا امتلكت رؤية شاملة: حماية الحدود، مكافحة الاتجار بالبشر، تنظيم العمالة، تدريب الشباب، حماية اللاجئين، تفاوض أفضل مع أوروبا، واستثمار الجاليات المصرية في الخارج كقوة اقتصادية وثقافية.
كما يجب إنشاء مرصد وطني للهجرة يجمع البيانات الدقيقة، ويتابع احتياجات الأسواق الخارجية، ويرصد أوضاع المصريين بالخارج، ويقترح سياسات دورية للحكومة والبرلمان. فلا سياسة ناجحة بلا معرفة، ولا إدارة رشيدة بلا أرقام، ولا حماية حقيقية للمواطنين بلا مؤسسات تتابع وتفهم وتتحرك.
وفي هذا كله، يجب ألا ننسى أن الهجرة ليست أرقامًا في تقارير دولية. إنها وجوه وأمهات وبيوت معلقة بين انتظار وخوف. إنها شاب يودع قريته ولا يعرف هل سيعود، وأسرة تبيع ما تملك لتمول رحلة مجهولة، وطفل يولد في المنفى ولا يعرف أي وطن سيحمله في قلبه.
لذلك فإن مصر الممكنة لا تتعامل مع الهجرة كملف بارد، بل كقضية إنسانية وتنموية كبرى. فكل شاب يهاجر مضطرًا هو شهادة على فشل ما. وكل شاب يهاجر منظمًا ومؤهلًا ومحميًا هو فرصة نجاح للدولة وله وللمجتمع.
الفارق بين المأساة والفرصة تصنعه السياسة العامة.
والفارق بين القارب الغارق والعقد العادل تصنعه الدولة الرشيدة.
والفارق بين الهروب والسفر تصنعه الكرامة.
ولهذا فإن مستقبل المتوسط لن يتحدد فقط بعدد السفن التي تحرس حدوده، بل بعدد المدارس التي تفتح أبوابها، والمصانع التي توفر عملًا، والاتفاقيات التي تحمي الإنسان، والسياسات التي تجعل البقاء في الوطن ممكنًا، والرحيل منه اختيارًا لا نجاة أخيرة.
وحين يصبح الإنسان هو مركز السياسة، لا هامشها، يمكن للبحر أن يستعيد معناه القديم.
لا بحرًا يبتلع الخائفين.
ولا حدودًا تفصل اليائسين.
بل طريقًا مفتوحًا بين كرامتين…
كرامة البقاء…
وكرامة الرحيل الآمن حين يكون الرحيل اختيارًا.
- [ مصر الممكنة..ومحيطها الإقليمي ]
المصير المشترك 2035… رؤية جديدة لعلاقة العرب وأوروبا
لم تعد الجغرافيا وحدها هي التي تصنع المصير، لكنها لا تزال تذكرنا كل يوم بأننا لا نعيش في جزر معزولة. فالعرب وأوروبا لا يجمعهم البحر المتوسط فقط، بل تجمعهم أزمات متداخلة، ومخاطر مشتركة، وفرص لم تعد تحتمل التأجيل.
من هذه الحقيقة ولدت فكرة «المصير المشترك 2035». لم تولد من رغبة في إنشاء عنوان جديد يضاف إلى عناوين كثيرة، ولا من محاولة لصناعة منصة احتفالية عابرة، بل من إدراك عميق أن العلاقات العربية الأوروبية تحتاج إلى خيال سياسي جديد، وإلى لغة مختلفة، وإلى شراكة لا تبدأ من الخوف ولا تنتهي عند المصالح الضيقة.
فقد جربت المنطقة طويلًا لغة الأزمات. أزمة الهجرة، أزمة الطاقة، أزمة الإرهاب، أزمة الغذاء، أزمة المناخ، أزمة الحروب الأهلية، أزمة اللاجئين، أزمة الديمقراطية. وكلما تعاملنا مع كل أزمة منفصلة عن الأخرى ازداد المشهد ارتباكًا. والحقيقة أن هذه الأزمات كلها خيوط في نسيج واحد، وأن معالجتها تحتاج إلى رؤية شاملة لا إلى مسكنات متفرقة.
المصير المشترك لا يعني ذوبان الهويات، ولا إلغاء الخصوصيات، ولا التبعية لأي طرف. بل يعني الاعتراف بأن ما يحدث في الجنوب يؤثر في الشمال، وما يحدث في الشمال ينعكس على الجنوب، وأن الأمن لم يعد قابلًا للتجزئة، والتنمية لم تعد شأنًا محليًا، والمناخ لا يفرق بين دولة غنية ودولة فقيرة.
ومن هنا فإن المبادرة تطرح سؤالًا بسيطًا لكنه عميق: هل يمكن تحويل المتوسط من منطقة قلق دائم إلى مساحة تعاون طويل الأمد؟ وهل يمكن أن تنتقل العلاقات العربية الأوروبية من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص؟
هذا السؤال يخص مصر مباشرة. فمصر ليست دولة هامشية في هذه المعادلة، بل هي إحدى ركائزها الأساسية. بحكم موقعها، وسكانها، وتاريخها، ودورها العربي والأفريقي، وقدرتها الكامنة على أن تكون جسرًا بين ضفتين لا تزالان تحتاجان إلى بعضهما أكثر مما تعترفان أحيانًا.
ولا يمكن لمصر الممكنة أن تنظر إلى هذه المبادرة باعتبارها نشاطًا سياسيًا خارجيًا فقط. فهي في جوهرها جزء من رؤية أوسع لمكانة مصر في العالم. مصر التي لا تكتفي برد الفعل، بل تقترح. ولا تنتظر أن يرسم الآخرون خرائط المستقبل، بل تشارك في رسمها.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن المنطقة العربية لا تستطيع أن تعيش خارج أوروبا، وأن أوروبا لا تستطيع أن تنجو من ارتدادات أزمات الجنوب. فالحروب في السودان وسوريا وليبيا وغزة لا تبقى داخل خرائطها. والفقر والبطالة والتغير المناخي لا تقف عند نقاط التفتيش. وانهيار الدول لا ينتج مأساة محلية فقط، بل يفتح موجات واسعة من اللجوء والتطرف والجريمة العابرة للحدود.
في المقابل، فإن التنمية إذا نجحت، والتعليم إذا تقدم، والطاقة إذا نظمت، والهجرة إذا أُديرت بعدالة، يمكن أن تتحول كلها إلى جسور استقرار ومصالح مشتركة. وهنا تكمن الفكرة الأساسية: المصير المشترك ليس قدرًا مخيفًا، بل مشروعًا يمكن بناؤه بوعي وإرادة.
تحتاج المبادرة إلى خمسة أعمدة واضحة. أولها حوار سياسي دائم لا يقتصر على الحكومات، بل يضم الأحزاب والبرلمانيين السابقين ومراكز الفكر والمجتمع المدني والشباب. وثانيها شراكة تنموية حقيقية تعالج أسباب الهجرة والفقر لا مظاهرهما فقط. وثالثها تعاون في الطاقة والمناخ والغذاء والمياه. ورابعها مساحة ثقافية وتعليمية تعيد بناء الثقة بين الشعوب. وخامسها آلية متابعة لا تترك المبادرة تتحول إلى بيان جميل ينتهي أثره بانتهاء المؤتمر.
وفي قلب هذه الأعمدة يجب أن يكون الإنسان. فكل شراكة لا ترى الإنسان تتحول إلى صفقة. وكل حوار لا يسمع الضحايا يتحول إلى مجاملة. وكل مبادرة لا تلمس حياة الناس تبقى معلقة في هواء النخب.
لذلك فإن «المصير المشترك 2035» يجب أن تفتح أبوابها للشباب قبل الشيوخ، وللنساء قبل البروتوكولات، وللجامعات قبل الفنادق، وللمدن قبل العواصم وحدها. فالمستقبل لا يصنعه من يملكون الذاكرة فقط، بل من يملكون القدرة على الحلم والعمل.
كما يجب أن تكون الديمقراطية وحقوق الإنسان جزءًا من هذا الحوار، لا شرطًا استعلائيًا من طرف على طرف، ولا ذريعة للهروب من الشراكة. فالشعوب التي تُحرم من المشاركة لا تصنع استقرارًا حقيقيًا، والدول التي تخاف من مجتمعاتها لا تستطيع أن تكون شريكًا واثقًا في عالم يتغير.
والاستقرار الذي يقوم على الصمت ليس استقرارًا. إنه انتظار طويل للانفجار. أما الاستقرار الحقيقي فيقوم على العدالة، وسيادة القانون، والتنمية، والمشاركة، واحترام الإنسان. وهذه ليست شعارات رومانسية، بل شروط عملية لبقاء الدول وقدرتها على مواجهة الأزمات.
ويمكن للمبادرة أن تنشئ منتدى سنويًا للحوار العربي الأوروبي، ومرصدًا مشتركًا للأزمات والتحولات، وبرنامجًا شبابيًا متوسطياً، وشبكة للمدن الساحلية، ومنصة لتمويل المشروعات الصغيرة العابرة للضفتين، ومسارًا خاصًا للثقافة والإعلام والتعليم.
ولا ينبغي أن نخجل من القول إن العالم العربي يحتاج إلى أوروبا كما تحتاج أوروبا إلى العالم العربي. نحتاج إلى المعرفة والتكنولوجيا والاستثمار، وتحتاج أوروبا إلى الاستقرار والطاقة والأسواق والشراكات الإنسانية. غير أن الاحتياج المتبادل لا يجب أن يتحول إلى تبعية، بل إلى تفاوض عادل بين أطراف تعرف قيمتها ومصالحها.
مصر الممكنة تستطيع أن تكون قلب هذه الرؤية إذا تحررت من ضيق اللحظة، وإذا استعادت ثقتها في نفسها، وإذا أدركت أن الدور الإقليمي لا يصنع بالخطابات الكبيرة، بل بالمبادرات الجادة والمؤسسات القادرة والسياسات العاقلة.
فالمتوسط ليس بحرًا للأزمات فقط. إنه ذاكرة الحضارات، وطريق التجارة القديم، ومساحة التفاعل الكبرى بين الشرق والغرب. وإذا كان التاريخ قد جعله أحيانًا ساحة حروب، فإن المستقبل يمكن أن يجعله ساحة تعاون.
المصير المشترك 2035 ليس حلمًا ناعمًا في عالم خشن. إنه محاولة لإدخال العقل إلى منطقة أرهقتها الانفعالات، وإدخال المستقبل إلى نقاشات سجنتها المرارات، وإدخال الإنسان إلى معادلات اختزلته طويلًا في رقم أو خطر أو عبء.
وربما تكون قيمة هذه المبادرة أنها تقول ببساطة إن البديل عن الشراكة ليس الاستقلال، بل الفوضى. وأن البديل عن الحوار ليس الكرامة، بل سوء الفهم. وأن البديل عن المصير المشترك ليس مصائر منفصلة، بل أزمات مشتركة بلا إدارة مشتركة.
وهكذا تبدو مصر الممكنة أمام فرصة جديدة: أن تكون لا مجرد طرف في حوار، بل صاحبة فكرة. لا مجرد جغرافيا بين الضفتين، بل عقلًا سياسيًا يقترح الطريق.
فالأمم الكبرى لا تنتظر أن يدعوها الآخرون إلى المستقبل.
بل تذهب إليه ومعها رؤيتها.
وحين تمتلك الرؤية شجاعة المبادرة…
يصبح البحر المتوسط أقل ضيقًا بالخوف…
وأكثر اتساعًا للأمل.
- [ مصر الممكنة ..ومحيطها الإقليمي.. ]
الجوار الكبير…كيف تصنع الجغرافيا المستقبل؟
ليست الجغرافيا قدرًا صامتًا على الخرائط. إنها في حياة الأمم امتحان دائم للوعي والإرادة. قد تتحول إلى عبء إذا أديرت بالخوف والارتباك، وقد تصبح رصيدًا هائلًا إذا أديرت بالعقل والثقة والرؤية.
ومصر من أكثر دول العالم التي منحتها الجغرافيا معنى يتجاوز الحدود. فهي ليست دولة على نهر فقط، ولا دولة على بحر فقط، ولا دولة عربية فقط، ولا دولة أفريقية فقط، ولا دولة متوسطية فقط. إنها نقطة التقاء نادرة بين دوائر متعددة، وكل دائرة منها يمكن أن تكون مصدر قوة إذا وُضعت في مشروع وطني واضح.
من السودان إلى ليبيا، ومن غزة إلى الخليج، ومن القرن الأفريقي إلى شرق المتوسط، ومن أوروبا إلى أفريقيا، تبدو مصر واقفة في قلب خرائط متحركة. وهذه المكانة لم تكن يومًا مجرد امتياز، بل كانت دائمًا مسؤولية ثقيلة. فالدول التي تقع في قلب العالم لا تملك رفاهية العزلة.
وقد حاول هذا الباب من «مصر الممكنة 2030» أن يقرأ الجوار المصري لا بوصفه مجموعة ملفات منفصلة، بل بوصفه مجالًا واحدًا تتقاطع فيه السياسة بالأمن، والتنمية بالهجرة، والطاقة بالمياه، والحدود بالإنسان، والمصالح بالقيم.
فالسودان ليس خبرًا بعيدًا في الجنوب، بل عمق تاريخي وإنساني وأمني لمصر. وليبيا ليست حدودًا غربية فقط، بل مرآة لخطورة انهيار الدولة في الجوار. وغزة ليست مأساة فلسطينية وحدها، بل جرح مفتوح في ضمير المنطقة، واختبار دائم لمعنى الأمن والعدالة. والبحر الأحمر ليس ممرًا مائيًا فقط، بل شريان حياة للتجارة والطاقة والأمن القومي. وشرق المتوسط ليس ملف غاز وحده، بل مساحة تنافس وتعاون وصراع ومستقبل.
لذلك فإن مصر الممكنة تحتاج إلى إعادة تعريف الأمن القومي. فالأمن لم يعد يعني الحدود العسكرية وحدها، بل يعني الماء والغذاء والطاقة والتعليم والصحة والاقتصاد والعدالة والصورة الدولية والقدرة على بناء التحالفات. الدولة التي تملك السلاح ولا تملك الرؤية تظل قلقة، أما الدولة التي تجمع القوة إلى الحكمة فتصبح أكثر قدرة على حماية نفسها ومحيطها.
ولعل الخطأ الأكبر في إدارة الجوار هو التعامل معه بعقلية رد الفعل. ننتظر الأزمة حتى تنفجر، ثم نبحث عن سياسة. ننتظر الحرب حتى تشتعل، ثم نبحث عن وساطة. ننتظر تدفق اللاجئين، ثم نبحث عن حلول. بينما الدولة الرشيدة لا تنتظر الحرائق كي تشتري الماء.
مصر الممكنة يجب أن تنتقل من سياسة الإطفاء إلى سياسة البناء. من إدارة الأزمات إلى منعها. من الانفعال بالخرائط إلى صناعة موقع فاعل داخلها. وهذا يتطلب مؤسسات تفكر، وبرلمانًا يناقش، وإعلامًا يفهم، ومراكز بحث تقترح، وأحزابًا تشارك، ومجتمعًا يعرف أن السياسة الخارجية ليست شأنًا بعيدًا عن حياته اليومية.
فكل اضطراب في الجوار يدفع المواطن المصري ثمنه بشكل أو بآخر. في الأسعار، وفي الأمن، وفي فرص العمل، وفي الطاقة، وفي السياحة، وفي صورة البلد. لذلك فإن السياسة الخارجية ليست ترفًا للنخب، بل خبز يومي مؤجل يظهر أثره حين تغيب الرؤية.
ومن هنا يجب أن تكون لمصر استراتيجية إقليمية معلنة حتى عام 2030، تحدد أولوياتها في كل دائرة من دوائرها: دائرة وادي النيل، دائرة البحر الأحمر، دائرة المشرق العربي، دائرة الخليج، دائرة شمال أفريقيا، دائرة المتوسط، والدائرة الأفريقية الأوسع. لا بمعنى الجمود أو الشعارات، بل بمعنى امتلاك بوصلة واضحة تعرف أين تقف مصر، وماذا تريد، وكيف تتحرك.
وفي قلب هذه الاستراتيجية يجب أن تكون التنمية. فالدور الإقليمي لا يبنى بالخطب وحدها، ولا بالحنين إلى الماضي، ولا باستدعاء مكانة تاريخية دون مضمون حاضر. الدور الحقيقي يبنى باقتصاد قوي، وتعليم متقدم، ودولة قانون، ومؤسسات محترمة، ومواطن يشعر أن بلده يمثله لا يختزله.
إن مصر الضعيفة داخليًا لا تستطيع أن تكون قوية خارجيًا. ومصر المأزومة اقتصاديًا لا تستطيع أن تقود محيطها. ومصر التي تخاف من السياسة داخل حدودها ستخاف بالضرورة من المبادرة خارج حدودها. لذلك فإن الإصلاح الداخلي ليس شأنًا منفصلًا عن المكانة الإقليمية، بل شرط من شروطها.
وقد آن الأوان أن نتوقف عن تصور الدور المصري كذكرى قديمة. الدور ليس مقعدًا محجوزًا في التاريخ، بل عمل يومي في الحاضر. وإذا لم تملأ مصر موقعها بوعيها وقدرتها، فسوف يملؤه غيرها بمصالحه ومشاريعه وربما بأخطائه.
مصر الممكنة لا تسعى إلى الهيمنة على جوارها، ولا إلى استعادة لغة الوصاية القديمة، بل إلى بناء شراكات عادلة تحفظ مصالحها وتحترم استقلال الآخرين. فالقيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تعني أن تأمر، بل أن تقنع. ولم تعد تعني أن تفرض، بل أن تبني الثقة. ولم تعد تعني أن ترفع الصوت، بل أن تقدم حلولًا.
ومن أهم ما تحتاجه مصر في جوارها الكبير هو الجمع بين القوة الصلبة والقوة الناعمة.
فالأولى تحمي الحدود، والثانية تفتح القلوب. الأولى تمنع الخطر، والثانية تصنع النفوذ. ومصر التي اشتهرت طويلًا بثقافتها وفنها وتعليمها وصحافتها وأزهرها وكنيستها وجامعاتها لا يجوز أن تختزل حضورها في بيانات رسمية أو تحركات أمنية.
كما أن مصر تحتاج إلى اقتصاد إقليمي جديد: مناطق لوجستية، ربط كهربائي، ممرات تجارية، تعاون زراعي، مشروعات مياه، مراكز تدريب، مدن حدودية منتجة، وشراكات مع دول الجوار تقوم على المصالح المتبادلة لا على المجاملات العابرة.
فالجغرافيا تصبح قوة حين تتحول إلى شبكة مصالح. أما الجغرافيا التي لا تترجم إلى اقتصاد وتعليم وثقافة وأمن وإنسان، فإنها تبقى خطوطًا على الورق، وربما تتحول مع الزمن إلى مصدر قلق دائم.
ولهذا فإن خاتمة هذا الباب ليست دعوة إلى أن تنظر مصر حولها فقط، بل دعوة إلى أن تنظر إلى نفسها وهي تنظر حولها. فلا سياسة خارجية ناجحة بلا دولة داخلية ناجحة. ولا دور إقليمي محترم بلا عقد اجتماعي محترم. ولا مكانة في العالم بلا مواطن يشعر أن له مكانة في وطنه.
مصر الممكنة عام 2030 هي مصر التي تفهم أن السودان ليس خلفية جنوبية، وأن ليبيا ليست فراغًا غربيًا، وأن غزة ليست عبئًا سياسيًا، وأن أفريقيا ليست مجاملة خطابية، وأن أوروبا ليست ضفة بعيدة، وأن المتوسط ليس بحرًا فاصلًا، وأن البحر الأحمر ليس ممرًا للآخرين فقط.
هي مصر التي تعرف أن موقعها لا يكفي، وأن تاريخها لا يكفي، وأن حجمها لا يكفي. فكل ذلك يصبح بلا معنى إذا غابت الرؤية، وضعفت المؤسسات، وتراجع الإنسان.
أما إذا اجتمعت الرؤية مع الإصلاح، والمؤسسات مع الحرية، والتنمية مع العدالة، والجغرافيا مع الخيال السياسي، فإن مصر تستطيع أن تستعيد مكانتها لا كشعار، بل كحقيقة يلمسها الجوار قبل أن يسمعها.
وفي النهاية، ليست مصر دولة تبحث عن دور خارج حدودها لتخفي أزماتها في الداخل. بل يجب أن تكون دولة تصلح داخلها كي تستطيع أن تؤدي دورها في الخارج. فالعالم لا يحترم إلا من احترم مواطنيه، والجوار لا يثق إلا في دولة تعرف طريقها، والتاريخ لا يمنح مكانة مجانية لأحد.
هذه هي مصر الممكنة.
مصر التي لا تنعزل ولا تتوه.
لا تتكبر على جوارها ولا تذوب فيه.
لا تستسلم للجغرافيا ولا تهرب منها.
بل تحولها إلى سياسة.
وتحول السياسة إلى تنمية.
وتحول التنمية إلى كرامة.
فالأوطان العظيمة لا تصنعها الخرائط وحدها.
بل تصنعها الشعوب حين تعرف موضعها في العالم.
وتصنعها القيادة حين تفهم أن الحدود ليست نهاية الوطن…
بل بداية مسؤوليته.







