د. أيمن نور يكتب: كيف نصنع ألف محمد صلاح؟ (٢/٣) مصر الممكنة.. ماذا بعد المونديال؟

وقف المصريون، بعد مونديال 2026، أمام مرآة مختلفة. لم تكن تعكس نتائج بطولة فحسب، بل كانت تعكس سؤالًا ظل مؤجلًا لعقود: كيف استطاعت دول خرجت من الحروب، أو بدأت بإمكانات أقل كثيرًا من إمكاناتنا، أن تبني منظومات رياضية تنافس العالم، بينما نظل نحن، في كل مناسبة، نبحث عن موهبة استثنائية أو جيل استثنائي ينقذ الموقف؟ ولماذا يتحول الإنجاز عند الآخرين إلى قاعدة، بينما يبقى عندنا استثناءً يثير الدهشة أكثر مما يصنع الأمل؟
كتبت في الحلقة السابقة أنني اعتذرت، قبل أكثر من ثلاثين عامًا، عن قبول مسؤولية وزارة الشباب؛ لأنني لم أكن أرى نفسي ابنًا للوسط الرياضي، ولم أكن أملك المعرفة الفنية التي تؤهلني لذلك. لكن السنوات علمتني درسًا مختلفًا؛ فالقضية لم تكن يومًا: هل تعرف كرة القدم؟ أو هل تحفظ قوانين الألعاب؟ وإنما: هل تعرف كيف تُدار الدول؟ فالإدارة تستطيع أن تتعلم الرياضة، أما الرياضة فلا تستطيع أن تزدهر إذا غابت عنها الإدارة.
لهذا، لم أبدأ رحلة البحث عن مستقبل الرياضة المصرية من الملاعب، وإنما بدأت من تجارب الأمم. لم أبحث عن أفضل لاعب في العالم، بل عن أفضل منظومة صنعت هذا اللاعب. ولم أسأل: من فاز بكأس العالم؟ بل سألت: كيف وصل إلى هناك؟ وما الطريق الذي سلكه قبل أن يرفع الكأس؟
كانت المفاجأة أن الدول الناجحة، على اختلاف ثقافاتها ولغاتها وأحجامها وأنظمتها السياسية، تكاد تتفق على مجموعة محدودة من المبادئ الكبرى. لم تكن اليابان نسخة من بريطانيا، ولم تكن كرواتيا شبيهة بأستراليا، ولم تكن المغرب تسير على النموذج القطري، لكن الجميع انطلق من قواعد واحدة، ثم صاغها بما يناسب مجتمعه وتاريخه وإمكاناته.
أول ما اكتشفته أن هذه الدول لم تبدأ مشروعها الرياضي من اللاعب، بل من الإنسان. فالرياضة عندها ليست نشاطًا منفصلًا عن التعليم، ولا عن الصحة، ولا عن الثقافة، بل جزء من مشروع وطني متكامل لبناء المواطن. ولذلك لم يكن غريبًا أن نجد الطفل في المدرسة يتعلم الانضباط والعمل الجماعي والثقة بالنفس قبل أن يتعلم الفوز بالمباراة.
أما نحن، فما زلنا في كثير من الأحيان ننظر إلى الرياضة باعتبارها قطاعًا مستقلًا، ووزارة مستقلة، وميزانية مستقلة، بينما الحقيقة أنها مرآة لكل ما يحدث في المجتمع. فإذا كان التعليم قويًا، انعكس ذلك على الرياضة. وإذا كانت الإدارة كفؤة، ظهرت آثارها في الملاعب. وإذا انتشرت ثقافة احترام القانون، أصبحت المنافسة أكثر عدالة، وصار الإنجاز أكثر استدامة.
القاعدة الثانية التي تكاد تجمع عليها كل التجارب الناجحة هي أن اكتشاف الموهبة مسؤولية الدولة، لا مسؤولية الصدفة. فلا أحد ينتظر أن يطرق البطل باب الاتحاد الرياضي، وإنما تذهب الدولة إليه حيث يوجد؛ في المدرسة، والقرية، والحي، ومركز الشباب، والجامعة. ولهذا تمتلك تلك الدول قواعد بيانات دقيقة، وبرامج كشف مبكر، واختبارات علمية، تجعل ضياع الموهبة استثناءً نادرًا، لا قاعدة متكررة كما يحدث لدينا.
وعندما نتأمل واقعنا المصري، ندرك أن الفارق ليس في ذكاء أطفالنا، ولا في قدراتهم البدنية، ولا في حبهم للرياضة. الفارق الحقيقي أن آلاف المواهب تمر أمام أعيننا كل عام دون أن يلتقطها أحد. ينتهي الأمر ببعضها إلى أعمال بعيدة تمامًا عن الرياضة، وينتهي بعضها الآخر إلى الإحباط، بينما ينجو عدد قليل بفضل المصادفة أو اجتهاد الأسرة أو استثنائية الظروف.
أما القاعدة الثالثة، فهي أن المدرسة هي البداية الحقيقية لكل مشروع رياضي. ولم أجد تجربة واحدة نجحت في العالم كانت قد بدأت من الأندية قبل المدارس. المدرسة هي المكان الذي يلتقي فيه كل أطفال الوطن، وهي وحدها القادرة على تحقيق العدالة في اكتشاف المواهب، بعيدًا عن الفوارق الاجتماعية والجغرافية والاقتصادية. ولهذا لم يكن الاستثمار في الرياضة المدرسية ترفًا عند تلك الدول، وإنما كان حجر الأساس الذي بُنيت عليه بقية المنظومة.
ربما نكون قد أنفقنا، خلال العقود الماضية، مليارات الجنيهات على إنشاء ملاعب ومنشآت رياضية، وهذا أمر مهم، لكن التجارب العالمية تقول بوضوح إن المنشأة وحدها لا تصنع بطلًا، كما أن الاستاد الجميل لا يضمن منتخبًا قويًا. الإنسان هو الاستثمار الحقيقي، وكل جنيه يُنفق على اكتشاف طفل موهوب، أو إعداد مدرب كفء، أو تطوير معلم تربية رياضية، يعود على الدولة أضعافًا مضاعفة.
هنا بدأت أفهم لماذا لم يكن النجاح الرياضي في تلك الدول ضربة حظ، ولماذا لم يكن التراجع فيها يعني الانهيار الكامل. فالمنظومة التي تنتج بطلًا اليوم مثل محمد صلاح، تكون قد بدأت بالفعل في إعداد بطل الغد، وربما بطل ما بعد الغد أيضًا. ولهذا تبدو تلك الدول وكأنها لا تتوقف عن الإنجاب الرياضي، بينما نعيش نحن، في كثير من الأحيان، على أمل ظهور لاعب استثنائي مثل صلاح كل عدة سنوات، بينما نملك أن نصنع ألف محمد صلاح في مختلف المجالات والألعاب الرياضية.
:::







