
هناك حياةٌ لا نعيشها أبدًا. ليست حياةً أخرى في مدينةٍ أخرى، ولا زمنًا آخر، بل حياةٌ تمضي معنا كل يوم دون أن تولد: شركةٌ كان يمكن أن نؤسسها، كتابٌ كان يمكن أن نكتبه، مدينةٌ كنا نحلم أن ننتقل إليها، رحلةٌ أرجأناها حتى فات أوانها، وحديثٌ احتفظنا به في صدورنا سنوات، لأننا لم نجد الشجاعة الكافية لنقوله.
يمضي العمر، وتمضي معه تلك الحياة الموازية، حتى نكاد ننسى أنها كانت موجودة أصلًا.
والغريب أن كثيرًا منها لم يمت بسبب قلة المال، أو ضيق الوقت، أو نقص الموهبة.
بل مات بسبب سؤالٍ صغير ظل يتكرر في اللحظة الأخيرة:
ماذا لو فشلت؟
ذلك السؤال الذي يبدو بسيطًا، استطاع أن يهزم أحلامًا لم تستطع الظروف نفسها أن تهزمها.
اعتدنا أن نتعامل مع الفشل كما لو كان النهاية الوحيدة التي لا يجوز الوصول إليها. نربي أبناءنا على تجنبه، ونخشى أن يُذكر في سيرتنا، ونعدّه دليلًا على نقصٍ في الذكاء أو الكفاءة أو حتى في القيمة الإنسانية.
حتى أصبح الإنسان يعتذر عن محاولاته أكثر مما يعتذر عن استسلامه.
والنتيجة أن كثيرين لم يعودوا يبحثون عن النجاح، بل عن حياةٍ لا يُهزمون فيها أمام الآخرين.
ولهذا أصبحت الوظيفة التي لا يحبها أكثر إغراءً من المشروع الذي يؤمن به، وأصبح الطريق المألوف أكثر راحةً من الطريق الجديد، لا لأنه أفضل، بل لأنه أقل احتمالًا لأن ينتهي بإخفاقٍ يراه الناس.
لكن المشكلة أن الحياة لا تكافئ من يتجنب السقوط.
إنها تكافئ من يواصل السير رغم أنه يعرف أن الطريق قد ينتهي بالسقوط.
ولعلنا ارتكبنا خطأً كبيرًا حين تصورنا أن النجاح نقيض الفشل.
فالحقيقة أن نقيض النجاح ليس الفشل…
بل الجمود.
لأن الفشل يعني أنك تحركت.
أنك حاولت.
أنك غادرت المكان الآمن ولو مرةً واحدة، أما الجمود فلا يمنحك حتى فرصة الفشل. إنه يَعِدُك بحياةٍ مستقرة، ثم يكتشف الإنسان بعد سنوات أنه لم يخسر مشروعًا واحدًا، لكنه خسر العمر الذي كان يمكن أن يصنع فيه شيئًا مختلفًا.
ولو تأملنا تاريخ البشر، لوجدنا أن الحضارة نفسها لم تتقدم لأن الناس كانوا يصيبون دائمًا، بل لأنها كانت تسمح لهم بأن يخطئوا.
لم تولد الجامعات من فكرةٍ كاملة، ولم تتقدم العلوم من تجربةٍ واحدة ناجحة، ولم تُبنَ الدول المستقرة لأنها تجنبت كل الأخطاء، بل لأنها تعلمت كيف تحول الإخفاق إلى خبرة، والخبرة إلى نظام، والنظام إلى مستقبل.
أما المجتمعات التي تخاف من الخطأ، فإنها لا تنتج أفرادًا أكثر نجاحًا، بل أفرادًا أكثر حذرًا. يصبح التقليد فيها فضيلة، لا لأنه الطريق الأفضل، بل لأنه الطريق الأقل مخاطرة. وحين يخاف الناس من الخطأ، يتوقفون عن الابتكار، لأن كل فكرة جديدة تحمل في داخلها احتمال الفشل.
وربما لهذا السبب لا يخيفني الفشل بقدر ما يخيفني الإنسان الذي لم يسمح لنفسه بأن يفشل مرةً واحدة.
ليس لأنه نجح دائمًا…
بل لأنه لم يقترب أصلًا من شيءٍ يستحق المغامرة.
هناك فرقٌ كبير بين من خسر معركة، وبين من قضى حياته يتجنب خوض أي معركة. الأول قد يخسر، لكنه يكتشف نفسه، أما الثاني، فقد يربح هدوءه، لكنه يخسر الاحتمالات كلها.
لهذا لا أظن أن الفشل يستحق المدح لأنه جميل، ولا لأنه غايةٌ يسعى إليها العقلاء.
لكنه يستحق أن ننصفه.
لأن كثيرًا من الأشياء التي نفخر بها اليوم، لم تبدأ بالنجاح، بل بدأت بإنسانٍ قَبِلَ أن يتحمل كلفة المحاولة.
وربما كانت الحياة التي تستحق أن تُعاش، ليست تلك التي لا تعرف الفشل، بل تلك التي لا يسمح فيها الخوف من الفشل بأن يسرق منا حياةً كاملة، قبل أن تبدأ.
https://twitter.com/KhaledMBK/article/2075303289738932603







