مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب: لم يعد السؤال عن العقوبات… بل عن الدولة بعد العقوبات… ماذا بقي على سوريا

لعل أكثر الأسئلة التي ترددت خلال الأيام الماضية، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، هو: هل انتهت العقوبات الأميركية على سوريا؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولًا من التمييز بين نوعين من العقوبات، كثيرًا ما جرى الخلط بينهما خلال السنوات الماضية: العقوبات التي تستهدف الدولة، والعقوبات التي تستهدف الأشخاص.

ما شهدته الأشهر الأخيرة يمثل تحولًا قانونيًا وسياسيًا غير مسبوق. فالعقوبات الاقتصادية التي كانت تستهدف الدولة السورية ومؤسساتها، وما تبعها من إلغاء قانون قيصر، ثم قرار إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، تعني أن الإطار القانوني الذي فرض عزلة على الدولة السورية لعقود يقترب من نهايته. وما إن تنقضي مهلة المراجعة القانونية في الكونغرس، والبالغة خمسة وأربعين يومًا، حتى تزول الآثار القانونية المرتبطة بهذا التصنيف، لتبدأ مرحلة مختلفة تمامًا في علاقة سوريا بالولايات المتحدة وبالاقتصاد العالمي.

لكن هذا لا يعني أن قوائم العقوبات ستصبح فارغة، ولا أن كل اسم أُدرج عليها سيُرفع تلقائيًا. فما يبقى هو ما يُعرف بالعقوبات الموجهة، وهي عقوبات لا تستهدف الدولة ولا الاقتصاد الوطني، وإنما تطاول أفرادًا وكيانات محددة لأسباب تتعلق بالإرهاب أو انتهاكات حقوق الإنسان أو الاتجار بالمخدرات أو غيرها من الأسباب التي تعتمدها وزارة الخزانة الأميركية في برامج العقوبات حول العالم.

والفرق بين النموذجين جوهري. فعندما تكون الدولة نفسها محل عقوبات، تصبح المصارف والشركات والمستثمرون مترددين في التعامل معها، حتى لو كان النشاط مشروعًا. أما عندما تقتصر العقوبات على أفراد بعينهم، فإن التعامل يكون مع الأسماء المدرجة لا مع الدولة ذاتها، وهو النموذج المعمول به في عشرات الدول التي تخضع فيها شخصيات أو شركات لعقوبات، بينما تستمر العلاقات الاقتصادية والاستثمارية مع حكوماتها بصورة طبيعية.

لذلك، فإن الحديث اليوم لم يعد يدور حول ما إذا كانت سوريا ستخرج من العزلة القانونية، بل حول مدى قدرتها على استثمار هذه اللحظة. فرفع القيود القانونية يفتح الباب، لكنه لا يضمن عبور أحد. والاقتصاد لا ينتعش بمجرد إزالة العقوبات، بل يحتاج إلى بيئة قانونية مستقرة، وقضاء مستقل، وإدارة كفوءة، ومؤسسات مالية قادرة على استعادة ثقة العالم.

لقد أُزيلت العوائق القانونية الكبرى، لكن التحدي الحقيقي يبدأ الآن. فإعادة بناء الثقة أصعب من إزالة العقوبات، وجذب الاستثمار يحتاج إلى ما هو أكثر من قرار سياسي، لأنه يقوم في النهاية على استقرار المؤسسات وسيادة القانون وقدرة الدولة على تقديم نموذج حكم يطمئن الداخل والخارج معًا.

لهذا، فإن السؤال لم يعد: ماذا بقي من العقوبات؟ بل ربما أصبح: ماذا ستفعل سوريا بالفرصة التي أصبحت متاحة أمامها؟
:::

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى