
الرياضة، في عالم اليوم، ليست مجرد منافسة على لقب أو كأس، وإنما أصبحت إحدى أكثر لغات وأدوات الأمم تأثيرًا، كقوة ناعمة، قادرة على إعادة رسم صورة الدول في وعي الشعوب الأخرى .
باتت مباراة واحدة يمكن أن تفتح أبوابًا تعجز عنها سنوات من الدبلوماسية، وقد ينجح لاعب شاب مثل مصطفى شوبير، أو إمام عاشور أو اللاعب المبدع هيثم حسن (النوبي الجميل) مواليد (٢٠٠٢) في تغيير الصورة الذهنية لبلده مصر التي رفض أن يمثل غيرها في المونديال. فمثل هؤلاء الشباب، كان لهم دور أكثر مما تفعله عشرات الحملات الإعلامية الرسمية.
أقولها بوضوح ويقين أن مشاركة مصر “الموحية” في مونديال 2026 منحت المصريين شعورًا مشروعًا بالفخر فلم يكن المشهد مجرد نتائج غير متوقعة أو أهداف مبكرة ، بل كان إعلانًا جديدًا عن قدرة الإنسان المصري على المنافسة متى توافرت له الإدارة ، والتخطيط، والثقة، والإعداد ولو بحده الأدنى.
وأحسب أن أعظم ما يمكن أن نفعله بعد هذا المونديال ألا نكتفي بالاحتفاء بما تحقق، أو الحزن على ما لم يتحقق، بل أن نسأل أنفسنا:-
<<كيف نحول هذا النجاح إلى بداية جديدة؟>>
وكيف نجعل الرياضة أحد أعمدة مشروع النهضة المصرية “الممكنة”، إلى جوار أعمدة أخرى، في مقدمتها، الثقافة والفنون والتعليم والبحث العلمي؟
قد يتساءل بعض القراء والأصدقاء و”الأعدقاء” -وبحق-: –
ما الذي يدفع سياسيًا مثلك، أن يكتب في الرياضة؟ والإجابة عندي بسيطة:-
<<أنا لا أكتب، ولا أعلق على خطط لعب، ولا عن تكتيكات المدربين في الملعب، ولا عن تفاصيل الاختيارات، أو التغيرات، وإنما أكتب عن معنى “الإدارة”، وعن السياسات بشكل عام.>>
فالرياضة الحديثة، بصورها الاحترافية، لم تعد تُدار من مقاعد المدرجات، ولا دكة الاحتياط، بل من مراكز دراسات، ومجالس إدارات، وقواعد بيانات، ومن معاهد وجامعات، وتنظمها التشريعات، و يوثر فيها، حُسن اختيار القيادات.
ولذلك فإن إدارة الرياضة أصبحت، في تقديري، فرعًا من علم الإدارة، أكثر مما هي فرع من علوم الرياضة.
فربما قانوني متميز قد ينجح في إدارة نادي أو مؤسسة رياضية من مدرب أو لاعب لا يتجاوز فكره وخبرته، المستطيل الأخضر.
وأعترف بأن هذه الرؤية لم تكن رؤيتي منذ 30 عامًا!
اسمحوا لي أن أعود بالذاكرة إلى منتصف تسعينيات القرن الماضي، يوم تلقيت اتصالًا هاتفيًا كريمًا من رئيس مجلس الوزراء آنذاك، الدكتور كمال الجنزوري.
كنت وقتها نائبًا برلمانيًا، وفي بداية الثلاثينيات من العمر، وما زلت أخطو خطواتي الأولى في العمل البرلماني.
فاتحني الدكتور كمال، في فكرة كان يعمل عليها، وهي تحويل المجلس الأعلى للشباب والرياضة إلى وزارة مستقلة للشباب والرياضة، ثم سألني -فجأة-
عن موقفي، إذا وقع عليَّ الاختيار لتحمل مسؤولية الوزارة الجديدة؟!
أدركت في لحظتها أن الاتصال، لم يكن عابرًا، ولم يكن عارضًا، بل كان كما قال لي الدكتور كمال:-
نقاشًا جادًا حول مستقبل مؤسسة هامة أراد لها أن تدخل مرحلة جديدة، استعدادًا للمنافسة على استضافة مصر لكأس العالم.
غير أنني، بعد تفكير هادئ للحظات ، وجدت أن الاعتذار هو القرار الأقرب إلى قلبي و قناعتي وقتها.
لم أصارح الدكتور كمال الجنزوري بموقفي في ذات المكالمة، التي طلبت فيها، مهلة لمراجعة فؤاد باشا سراج الدين، الذي كان رده علي، داعماً لأسبابي في الاعتذار.
كان أول هذه الأسباب:-
أنني كنت أكن، -ومازلت-، كل التقدير والود للدكتور عبد المنعم عمارة، الذي كان يتولى رئاسة المجلس الأعلى للشباب والرياضة آنذاك، وكنا نتبادل اللقاءات والزيارات، (كما يظهر بالصور المرفقة بالمقال)
وكنت أشعر أن تفكير الدكتور الجنزوري في إنشاء الوزارة ارتبط أكثر، بخلاف بينه وبين د.عمارة، وبالرغبة في إنهاء مهمته لهذا السبب.
ولم أكن أريد أن أبدأ أي مسؤولية عامة على حساب رجل أقدره إنسانيًا. ولم أحب أن أُستخدم، كأداة في لعبة تصفية حسابات الكبار.
أما السبب الثاني:-
فكان أن الدكتور الجنزوري ألمح، خلال حديثه، عندما قلت له أني سأعرض الأمر علي فؤاد باشا، فقال بحسم: أن تولي المسؤولية سيكون بصفتي مستقلًا،
بينما كنت يومها منتميًا قلبا وقالبا للوفد،
ولم يكن يخطر ببالي أن أغادره، أو أتنازل عن انتمائي السياسي من أجل أي سبب، مهما بلغت أهميته.
وبقي السبب الثالث:-
وهو الذي بدا لي آنذاك أكثر ارتباطًا بطبيعة المسؤولية نفسها. فلم أكن من أبناء الوسط الرياضي، ولم أكن متابعًا شغوفًا لكرة القدم، أو غيرها من الألعاب، وكنت أعتقد أن احترام المنصب يبدأ باحترام متطلباته، وأن الإنسان لا ينبغي أن يقبل مسؤولية لا يشعر أنه يمتلك أدواتها كاملة.
ومضت اسابيع قليلة ، وأُنشئت بالفعل الوزارة، وتولى مسؤوليتها الدكتور علي الدين هلال، الذي احترمت اختياره، كما احترمت حق رئيس الوزراء في أن يمضي في رؤيته .
إلا أن الدكتور كمال الجنزوري، الذي كان يؤمن إلى حد بعيد بنظرية المؤامرة، لم يفهم علي وجه صحيح موقفي، وفسر الاعتذار بأنه انحياز إلى المعسكر المعادي له، الذي كان يضم يوسف والي، وصفوت الشريف، وكمال الشاذلي، وعبد المنعم عمارة، وعمر سليمان، ومحمد إبراهيم سليمان، وزكريا عزمي، وجمال مبارك ويوسف بطرس غالي…وآخرين… (وأشار إلى ذلك في كتاب عن مذكراته الشخصية).
أما أنا، فلم أشعر بالندم على اعتذاري، ولا لخصومة احتدمت، مع الرجل القوي، لأن القناعة التي حكمت قراري في ذلك الوقت كانت صادقة، ولأنني كنت مؤمنًا بأن المواقع العامة لا تُطلب، وإنما تُقبل حين يلتقي الواجب مع الاستعداد، ومع البيئة السياسية المساعدة.
اليوم، أروي هذه الواقعة، ربما لأول مرة، وبعد أكثر من ثلاثة عقود وما ذكرني بها فيديو شاهدته علي السوشيال ميديا يقول فيه الدكتور عماره ان معاشه ١٦ الف جنيه مصري!
و أعود ثانيا إلى موضوع المقال، نفسه، لكن من زاوية مختلفة تمامًا. فلم يعد السؤال: من يتولى وزارة الثقافة او الرياضة؟
بل أصبح: كيف نبني منظومة رياضية قادرة، على صناعة الأبطال؟ وكيف نجعل الرياضة أحد أعمدة مشروع الدولة المصرية؟ وكيف نستثمر ملايين الأطفال الذين يملكون الموهبة، لكنهم لا يجدون الطريق إليها؟
وكيف نحول النادي إلى مؤسسة تربوية، والمدرسة إلى حاضنة للمواهب، والجامعة إلى شريك في صناعة الإنجاز الرياضي، والقطاع الخاص إلى مستثمر في الإنسان قبل أن يكون مستثمرًا في اللعبة؟
ما يدفعني إلى كتابة هذه الصفحات ليس إعجابًا عابرًا بكرة القدم، ولا انفعالًا بنتيجة بطولة، وإنما إيمان راسخ بأن الأمم التي تريد أن تتقدم لا تفصل بين السياسة والاقتصاد والرياضة، ولا بين الثقافة والرياضة، ولا بين التعليم والرياضة، ولا بين الصحة والرياضة. فهذه كلها خيوط في نسيج واحد اسمه بناء الإنسان. وإذا نجحنا في بناء الإنسان، فإن رفع علم مصر في الملاعب سيصبح نتيجة طبيعية، لا معجزة ننتظرها بالصدفة كل عدة سنوات.
من هنا تبدأ هذه الرحلة. ليست رحلة للبحث عن بطل يسجل هدفًا في الدقيقة الأخيرة، وإنما رحلة للبحث عن وطن يعرف كيف يصنع ألف بطل،
وكيف يحول كل موهبة صغيرة إلى قصة نجاح كبيرة، وكيف يجعل من الرياضة أحد الأبواب الواسعة التي تعود منها مصر إلى مكانتها التي تستحقها بين الأمم.
وإذا كان ذلك الاتصال الهاتفي قد أعادني إلى سؤال قديم عن المنصب، فإن مونديال 2026 أعادني إلى سؤال أكبر بكثير عن الوطن. فالقضية لم تعد: من يجلس على مقعد الوزير؟ بل كيف نجعل كل مقعد في المدرسة، وكل ملعب في قرية، وكل مركز شباب، وكل جامعة، جزءًا من مشروع وطني لصناعة الإنسان.
أخطأت مصر طويلًا حين تعاملت مع الرياضة باعتبارها نشاطًا ترفيهيًا أو ملفًا خدميًا، بينما كانت دول كثيرة حول العالم تعيد تعريفها باعتبارها استثمارًا اقتصاديًا، وأداة دبلوماسية، وجسرًا ثقافيًا، ومدخلًا لتحسين الصحة العامة، ووسيلة لتعزيز الانتماء الوطني. ولهذا لم يكن غريبًا أن تتحول الرياضة في بعض الدول إلى صناعة تدر مليارات الدولارات، وأن تصبح إحدى أهم وسائل بناء الصورة الذهنية للدولة في الخارج.
تكفي نظرة سريعة إلى تجارب العالم لندرك أن الميداليات لا تُصنع في يوم البطولة، وإنما تُصنع قبلها بعشر سنوات أو عشرين. فخلف كل منصة تتويج منظومة تعليم، ومراكز اكتشاف مواهب، ومدربون مؤهلون، وإدارة محترفة، وتمويل مستقر، وقوانين واضحة، وثقافة مجتمعية تؤمن بأن الرياضة ليست مضيعة للوقت، وإنما استثمار في الإنسان.
المشكلة في مصر ليست نقص المواهب. بل ربما كانت مصر من أكثر دول العالم ثراءً بالمواهب الرياضية. المشكلة الحقيقية أن آلاف المواهب تولد كل عام، ثم تضيع قبل أن يجدها أحد، أو تُكتشف متأخرة، أو تُهمل حتى تنطفئ جذوتها، أو تصطدم بمنظومة إدارية تعاقب الموهوب أكثر مما تكافئه.
لا أظن أن أحدًا يستطيع أن يحصي عدد الأطفال الذين مارسوا كرة القدم حفاة في الشوارع، أو لعبوا الكرة الطائرة في ساحات المدارس، أو أظهروا موهبة فطرية في السباحة أو المصارعة أو ألعاب القوى، ثم انتهى بهم الأمر بعيدًا عن الرياضة؛ لأن الدولة لم تكن تمتلك منظومة حقيقية لاكتشافهم، أو لأن الأسرة لم تجد من يحتضن أبناءها، أو لأن الفقر انتصر على الموهبة.
لهذا فإن الحديث عن كرة القدم وحدها، على أهميتها، يظلم الرياضة المصرية. فالأمم الكبرى لا تقيس نجاحها بعدد أهداف منتخبها فقط، وإنما بعدد الأبطال الذين تخرجهم في عشرات الألعاب الفردية والجماعية. واللافت أن كثيرًا من الإنجازات المصرية الكبرى جاءت عبر ألعاب لا تحظى إلا بقدر محدود من الاهتمام الإعلامي، بينما تستحوذ كرة القدم على معظم الضوء والموارد والانفعال الجماهيري.
لست ممن يدعون إلى تقليل الاهتمام بكرة القدم، فهي اللعبة الشعبية الأولى بلا منازع، وستظل كذلك. لكنني أدعو إلى تحرير الرياضة المصرية من أسر كرة القدم وحدها. فمن الظلم أن تتحول عشرات الألعاب الأخرى إلى هوامش، بينما تمتلك مصر فيها مواهب قادرة على المنافسة العالمية إذا وجدت الرعاية والتخطيط.
ولعل أول خطوة في أي مشروع للإصلاح هي الاعتراف بأن الإدارة الرياضية في مصر ما زالت، في كثير من جوانبها، أسيرة ردود الأفعال. نحتفل حين نفوز، ونغضب حين نخسر، ثم نعود بعد أيام إلى النقطة نفسها. أما التخطيط طويل المدى، وتقييم الأداء، وربط التمويل بالنتائج، وبناء المؤسسات التي تستمر بغض النظر عن الأشخاص، فما زال يحتاج إلى مراجعة عميقة وشجاعة.
لا توجد دولة رياضية عظيمة قامت على نجم واحد، ولا على وزير ناجح، ولا على رئيس اتحاد موهوب. الدول الناجحة تبني منظومات، والمنظومات تبقى، أما الأشخاص فيرحلون. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نربط نجاح الرياضة المصرية بأسماء، بدلًا من ربطها بمؤسسات وسياسات واستراتيجيات طويلة الأجل.
ما نحتاج إليه اليوم ليس مجرد تطوير وزارة، ولا تعديل قانون، ولا تغيير مجلس إدارة، بل تغيير الفلسفة التي ننظر بها إلى الرياضة. فلسفة ترى في كل طفل مشروع بطل، وفي كل مدرسة بداية لاكتشاف الموهبة، وفي كل مركز شباب مصنعًا للمستقبل، وفي كل نادٍ شريكًا للدولة، لا مجرد مؤسسة تمارس نشاطًا رياضيًا.
من هنا تبدأ “الجمهورية الرياضية” التي أحلم بها. جمهورية لا تقاس فيها قيمة الرياضة بعدد المباريات التي تُبث على الشاشات، وإنما بعدد الأطفال الذين وجدوا فرصة عادلة، وعدد الأبطال الذين صعدوا إلى منصات التتويج، وعدد الأسر التي أصبحت تؤمن أن الرياضة يمكن أن تكون طريقًا لبناء الشخصية، كما يمكن أن تكون طريقًا إلى المستقبل.
وإذا كان تشخيص الأزمة هو البداية الصحيحة، فإن الاكتفاء بالتشخيص لا يبني وطنًا، ولا يصنع بطلًا، ولا يرفع علمًا فوق منصة تتويج. ولهذا فإن الغاية من هذه السلسلة ليست تعداد الأخطاء، وإنما البحث عن طريق مختلف، يستطيع أن ينقل الرياضة المصرية من مرحلة إدارة البطولات إلى مرحلة صناعة الإنجاز.
أول ما تحتاج إليه مصر هو إعلان استراتيجية وطنية للرياضة حتى عام 2035، لا ترتبط باسم وزير، ولا بعمر حكومة، ولا بدورة برلمانية، وإنما تصبح وثيقة دولة تلتزم بها الحكومات المتعاقبة، وتخضع للمراجعة والتقييم بصورة دورية، مثلما يحدث في الدول التي نجحت في بناء نهضتها الرياضية.
وثاني هذه الخطوات أن ننتقل من انتظار الموهبة إلى البحث عنها. فالموهبة لا تأتي إلى الاتحاد الرياضي، وإنما على الاتحاد أن يذهب إليها. في المدارس، والقرى، والنجوع، والأحياء الشعبية، والجامعات، ومراكز الشباب. وكل طفل مصري ينبغي أن يحصل، مرة واحدة على الأقل خلال سنوات الدراسة، على اختبار علمي لقياس قدراته البدنية والحركية، حتى لا تضيع الموهبة قبل أن يراها أحد.
أما المدرسة، فلا يجوز أن تبقى الحلقة الغائبة في المشروع الرياضي. فكل التجارب الناجحة بدأت من المدرسة، لا من النادي. والرياضة المدرسية ليست حصة ترفيه، وإنما أول معمل لاكتشاف الأبطال، وأول مساحة لتعليم الانضباط والعمل الجماعي وقبول المنافسة واحترام القانون.
كما أن الجامعات المصرية مطالبة باستعادة دورها التاريخي في الرياضة. فالجامعة ليست مكانًا لمنح الشهادات فقط، وإنما بيئة لاكتشاف القيادات والمبدعين والرياضيين. وربط الرياضة الجامعية بالمنتخبات الوطنية سيخلق مسارًا واضحًا يربط التعليم بالتفوق الرياضي، ويمنح آلاف الشباب فرصة عادلة لإثبات قدراتهم.
ولا يقل عن ذلك أهمية إعادة الاعتبار إلى مراكز الشباب، التي تمتلك انتشارًا جغرافيًا هائلًا، لكنها ما زالت تعمل، في كثير من الأحيان، بأقل كثيرًا من إمكاناتها. فإذا تحولت هذه المراكز إلى أكاديميات محلية لاكتشاف المواهب، وربطت ببرامج تدريب حديثة، فإنها ستصبح أكبر مشروع وطني لصناعة الرياضيين في تاريخ مصر.
ويبقى المدرب هو حجر الزاوية في أي نهضة رياضية. فلا يمكن أن نطالب بنتائج عالمية، بينما لا نستثمر بما يكفي في إعداد المدرب وتأهيله علميًا وعمليًا. إن المدرب الذي يصنع بطلًا أولمبيًا لا يقل أهمية عن البطل نفسه، وربما كان أثره أبقى وأوسع.
ومن هنا أيضًا تبرز أهمية العلوم الرياضية الحديثة؛ من الطب الرياضي، والتغذية، والإعداد النفسي، وتحليل الأداء، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات. فالرياضة العالمية لم تعد تعتمد على الموهبة وحدها، وإنما على المعرفة. والفارق بين الذهب والفضة قد تصنعه معلومة صحيحة، أو برنامج إعداد دقيق، أو تحليل علمي لم يكن متاحًا قبل سنوات قليلة.
كما أن الإعلام الرياضي مطالب هو الآخر بمراجعة دوره. فالإعلام الذي يحول كل مباراة إلى معركة، وكل اختلاف إلى خصومة، لا يصنع رياضة عظيمة. أما الإعلام الذي ينشر الثقافة الرياضية، ويحتفي بكل الألعاب، ويقدم النماذج الملهمة، ويناقش المشكلات بعقل لا بعصبية، فإنه يصبح شريكًا في صناعة النهضة، لا مجرد ناقل للأخبار.
ولا يقل دور القطاع الخاص أهمية عن دور الدولة. فكل جنيه يُستثمر في الرياضة هو استثمار في الصحة، والتعليم، والاقتصاد، والسياحة، والقوة الناعمة. ولذلك فإن تشجيع الاستثمار الرياضي، وتقديم الحوافز للأندية والأكاديميات والشركات، ينبغي أن يصبح جزءًا من السياسة الاقتصادية للدولة، لا مجرد مبادرات متفرقة.
وأحسب أن التجربة التي عاشها المصريون خلال مونديال 2026 قدمت درسًا لا يجوز أن يضيع. ففي تلك الأيام تراجعت كل الانتماءات الصغيرة أمام اسم واحد هو مصر. احتفل الجميع بالعلم نفسه، وبالنشيد نفسه، وبالفريق نفسه. وذلك يؤكد أن الرياضة ليست مجرد منافسة، بل مساحة نادرة يلتقي فيها المصريون على ما يجمعهم، لا على ما يفرقهم.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي أردت الوصول إليه منذ بداية هذه الحلقة. فالرياضة ليست قضية وزارة، ولا مسؤولية اتحاد، ولا شأن اللاعبين وحدهم، وإنما مشروع وطني تتقاطع عنده التربية، والتعليم، والثقافة، والاقتصاد، والإعلام، والصحة، والإدارة. وكلما نجحنا في بناء هذه المنظومة، اقتربنا من بناء الإنسان الذي هو أساس كل نهضة.
وقد يبدو الحديث عن القوة الناعمة ترفًا في زمن تتزاحم فيه الأزمات الاقتصادية والسياسية، لكنه في الحقيقة جزء من الحل، لا جزء من المشكلة. فالدول التي تحسن تقديم نفسها للعالم، وتنجح في تصدير صورتها الإيجابية، وتجذب احترام الآخرين من خلال ثقافتها وفنونها ورياضتها، تمتلك من أدوات التأثير ما لا تصنعه القوة الخشنة وحدها.
لهذا، فإنني لا أرى مونديال 2026 نهاية قصة، وإنما أراه بداية سؤال كبير: هل نكتفي بذكريات بطولة أسعدتنا، أم نحولها إلى نقطة انطلاق لمشروع رياضي جديد يعيد لمصر مكانتها التي تستحقها؟
هذا هو الرهان الحقيقي. ليس الفوز في مباراة، ولا التأهل إلى بطولة، وإنما أن تصبح الرياضة، كما كانت الثقافة والفن يومًا، إحدى ركائز الشخصية المصرية الحديثة، وأحد الجسور التي تعيد اسم مصر إلى المكان الذي يليق بتاريخها، وقدرات شعبها، وطموح أجيالها.
في الحلقة التالية من هذه الثلاثية (3/2)، فسنغادر حدود التجربة المصرية إلى العالم، لنقرأ كيف صنعت دول لم تكن تملك تاريخًا رياضيًا كبيرًا نهضتها خلال سنوات قليلة، وكيف تحولت من دول تبحث عن المشاركة إلى دول تنافس على الذهب. وسنحاول أن نستخلص من اليابان، وبريطانيا، وأستراليا، وكوريا الجنوبية، والمغرب، وكرواتيا، وقطر، والسعودية، وغيرها، ما يمكن أن يصبح جزءًا من مشروع «مصر الممكنة 2030»، لأن الأمم الذكية لا تستورد تجارب الآخرين، وإنما تتعلم منها، ثم تصوغ تجربتها بنكهتها الخاصة.







