مصر

صراع القيم في المونديال.. مباراة مصر والأرجنتين بمونديال 2026

دعونا نتساءل، ونحاول الإجابة: ما الذي يعنيه خروج الأرجنتين وليونيل ميسي من دور الستة عشر في مونديال 2026، وقد سبق ذلك خروج البرتغال وكريستيانو رونالدو من الدور نفسه؟ فميسي يمثل العلامة التجارية الأبرز في الرياضة العالمية حاليًا، وبقاؤه في البطولة يعني ضمان تدفق مئات الملايين من الدولارات عبر الإعلانات، وحقوق البث التلفزيوني، وحضور الجماهير الغفيرة في الملاعب الأمريكية التي صُممت خصيصًا للاستفادة من هذه المشهدية الاستعراضية.

وفي المقابل، ماذا يمثل منتخب مصر، بالرغم من تاريخه العريق وشعبيته الجارفة في أفريقيا والشرق الأوسط، في حسابات الشركات العابرة للقارات، والمستثمرين في حقوق البث الكبرى، ومنصات اليانصيب؟

خروج مصر وتأهل الأرجنتين هو المعادلة الاقتصادية المثالية لضمان استمرار «مهرجان الأرباح» في الأدوار المتقدمة. فماذا يساوي كل ذلك أمام ما يسمى «النزاهة الرياضية»، علانيةً، تحت ذريعة «القرارات التقديرية للحكام» و«تقنية الفيديو»؟!

وهذا ما عبّر عنه بحزن المدير الفني لمنتخب مصر، الكابتن حسام حسن، عندما أطلق تصريحاته الغاضبة في مؤتمره الصحفي عقب اللقاء، حيث قال: «لقد تعرضنا للظلم والسرقة اليوم… لم نجد أي احترام أو لعب نظيف». وأعلن مقاطعته لمتابعة بقية مباريات المونديال احتجاجًا على هذه المهزلة. فإنه لم يكن يبرر هزيمة تكتيكية، بل كان يصرخ في وجه منظومة غير عادلة، وأشار بوضوح إلى أن هناك «اعتبارات تسويقية» ومحاباة واضحة لحامل اللقب وأبطال العالم.

هذا الطرح يأخذنا مباشرة إلى التأمل فيما طرحه الفيلسوف الفرنسي غي ديبور وأسماه «المجتمع المشهدي»، حيث تتحول الحياة برمتها، بما فيها الأنشطة الإنسانية الأصيلة كالرياضة، إلى سلسلة من المشاهد المصممة للاستهلاك الرأسمالي.

لم تعد كرة القدم منافسة شريفة بين أحد عشر رجلًا ضد أحد عشر رجلًا آخرين فوق رقعة خضراء يسودها قانون واحد يُطبق بصرامة ومساواة، بل تحولت إلى «سيناريو استعراضي هوليوودي» محكم الصنع، تكون فيه البطولة المطلقة للنجوم الكبار الذين يدرّون الأموال، بينما يُحكم على المنتخبات الأخرى بلعب دور «الكومبارس» الذي يقدم أداءً بطوليًا مؤقتًا لإضفاء مسحة من الإثارة والدراما على المشهد، لكن لا يُسمح له، بأي حال من الأحوال، بتجاوز الحدود المرسومة وتخريب الحفلة الكبرى للقوى المهيمنة.

وهنا يتجلى البعد الجيوسياسي والثقافي لبطولة عالمية مثل كأس العالم لكرة القدم، حيث يتضح كيف يُنظر إلى العلاقة بين «المركز»، المتمثل في المنظومة السياسية والرأسمالية المتحكمة والاتحاد الدولي المهيمن على كافة مجريات كرة القدم الفنية والتجارية، وبين باقي «الأطراف» المتمثلة في منتخبات أقل حظًا من أفريقيا والعالم العربي وغيرها من الجغرافيا الأقل حظًا.

وتبدو هذه العلاقة، من رؤيتهم، علاقة قائمة على الهيمنة والاستعلاء، وهذا ما أظهره المونديال الحالي، وكيف يُعامل المنتخب المصري أو المغربي أو أي منتخب أفريقي بـ«الاستعلاء التحكيمي الأبيض».

وأكبر مثال صارخ يعكس هذه الروح الاستعلائية كان اختيار حكم فرنسي، كفرانسوا ليتكسيه، لإدارة مباراة حساسة للأرجنتين ضد مصر، رغم الحساسية التاريخية والثقافية، وطريقة تعامله المتعجرفة مع مطالبات اللاعبين المصريين وحقهم المشروع في مراجعة الفيديو.

لقد أصبح الآن من الواضحات، بل ومن الفضيحة التي سوف يُوسم بها الفيفا إلى الأبد، ما حدث من حكم مباراة مصر والأرجنتين، مهما حاولوا بعد ذلك، غسلًا لماء الوجه، أن تضطر لجنة الفيفا التحكيمية برئاسة كولينا إلى اتخاذ خطوة مراجعة الأداء الفني والتحكيمي للحكم الفرنسي ليتكسيه في تلك المباراة.

أليس هذا اعترافًا بالظلم الذي حصل، حتى إنه تسربت أنباء مؤكدة لوسائل إعلام فرنسية كبرى، مثل صحيفة «ليكيب»، تشير إلى إمكانية استبعاد ليتكسيه وطاقمه من إدارة أي مباريات أخرى في الأدوار المتبقية من البطولة؟

ولكنني لا أرى جدوى من كل هذا، فالفيفا فقد آخر أوراقه التبريرية. ففي السابق، كانت الأخطاء تُعزى إلى «محدودية العين البشرية للحكم» و«سرعة اللعبة الرهيبة»، وكان الجميع يتقبل تلك الأخطاء كجزء من سحر اللعبة وعفويتها وتراجيديتها البشرية.

أما اليوم، ومع وجود عشرات الكاميرات، وغرف حكام الفيديو، والخطوط الرقمية ثنائية وثلاثية الأبعاد، والتعليمات الصارمة المنبثقة من لجان التطوير، فإن تكرار مثل هذه الأخطاء الفاضحة والانتقائية الصارخة يحرم الفيفا من أي غطاء تبريري.

ولنتأمل معًا الأرقام المالية المترتبة على هذا التأهل للمنتخب المصري، فهي تكشف الوجه المالي البحت لهذه اللعبة، وهي أرقام تكشف لنا عن لغة المصالح والمال التي تدير المشهد من وراء الستار.

إن تأهل مصر إلى دور الثمانية للمرة الأولى في تاريخها كان سيعني حصول الاتحاد المصري لكرة القدم على مكافأة مالية ضخمة تبلغ 21.5 مليون دولار، بما يعادل أكثر من مليار جنيه مصري.

ولكن بعد هذا الخروج الجائر، تجمدت المكافأة المصرية عند حدود 17.5 مليون دولار.

هذا الفارق المالي الضخم الذي خسره المنتخب المصري يبين أن كرة القدم لم تعد مجرد تسلية، بل هي قطاع اقتصادي حيوي واستراتيجي، والظلم التحكيمي فيه يعادل تمامًا عمليات السطو الاقتصادي في العالم المعاصر.

هذا التصنيع الممنهج للمشهد الرياضي يمثل اغتيالًا رمزيًا للروح الرياضية الحرة، وتحويلًا للعبة الشعبية الأولى في العالم إلى منتج استهلاكي خاضع لقوانين السوق الرأسمالية الصارمة التي لا ترحم الضعفاء، ولا تعترف بالعدالة الأخلاقية.

ولا عجب أن نرى هذا الإحباط النفسي والاجتماعي من الجماهير لا يتوقف عند حدود المستطيل الأخضر، بل يمتد ليغذي مشاعر عدم الثقة في المؤسسات الدولية والمنظومة القانونية العالمية برمتها، والتي يُنظر إليها كأدوات بيد الأقوياء لشرعنة عدم التكافؤ، وعدم المساواة، وعدم الاكتراث لتطلعات الضعفاء والنامين.

إن ما حدث لمصر أمام الأرجنتين في مونديال 2026 يجب أن يُقرأ كصيحة تحذير لكافة عشاق ومحبي هذه اللعبة في كل بقاع العالم. إنها دعوة للتفكير والعمل من أجل استعادة روح الأمل والقيم الأخلاقية والرياضية والإنسانية لكرة القدم، وإنقاذها من براثن الشركات الاحتكارية والمنظومات الدولية التي جردتها من قيمها النبيلة.

إن مباراة مصر والأرجنتين في أتلانتا، في دور الـ16 لكأس العالم 2026، بالرغم من نهايتها التراجيدية المؤلمة بفعل فاعل، ستظل محفورة في الذاكرة، ليس فقط في ذاكرة عشاق كرة القدم، بل في ذاكرة الإنسانية التي تعي معنى الظلم وتتأثر به.

ستبقى هذه المباراة واحدة من أعظم المعارك الرياضية التي كشفت عورة المنظومة الرياضية الدولية، وأعادت طرح الأسئلة الجوهرية حول النزاهة، والعدالة، والأخلاق في عصر العولمة الرياضية.

لقد خسر منتخب مصر بطاقة التأهل لربع النهائي، لكنهم كسبوا احترام العالم وفضحوا ازدواجية المعايير الدولية. وستبقى هذه الواقعة مرجعًا مهمًا لكل الباحثين والمحللين المهتمين بدراسة العلاقة المعقدة بين الرياضة، والسياسة، والقانون، والاقتصاد، والتكنولوجيا.

إن النضال من أجل عدالة رياضية حقيقية ونزاهة حقيقية للمنافسات الدولية هو جزء لا يتجزأ من النضال الإنساني العام، من أجل عالم أكثر عدلًا، ومساواة، وتحررًا من علاقات الهيمنة والاستلاب.
:::

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى