شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: العدالة والمصالحة الوطنية… كيف تداوي الأمم جراحها؟

مصر الممكنة 2030 (39)

العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (10)

بقلم د. أيمن نور

تمر الأوطان، كما يمر البشر، بلحظات قوة وضعف، وانتصار وانكسار، ورضا وغضب. لكن الفرق بين الأمم الحية والأمم المتعبة لا يكمن في وقوع الأخطاء، بل في قدرتها على الاعتراف بها، وفهمها، ثم تجاوزها دون أن تتحول إلى أسرى لها. فالتاريخ لا يرحم من ينسى دروسه، كما لا يكافئ من يبقى سجينًا لها.

خلال أكثر من نصف قرن من الحياة العامة المصرية تعاقبت أجيال من الصراعات السياسية، وتبدلت حكومات ورؤساء وأحزاب، ودخلت البلاد مراحل من الانفتاح والانغلاق، ومن التعددية والتضييق، ومن الحوار والاستقطاب. وفي كل مرحلة كانت هناك جراح تترك آثارها في النفوس وفي المؤسسات وفي الذاكرة الوطنية.

لا أكتب هنا بوصفي مؤرخًا، ولا بوصفي قاضيًا يصدر حكمًا على الماضي. أكتب بوصفي شاهدًا على جزء من هذا التاريخ، ومشاركًا في بعض فصوله، ومتأثرًا بكثير من نتائجه. وقد تعلمت من التجربة أن الأمم لا تنهض بالإنكار، كما لا تنهض بالانتقام.

لسنوات طويلة اعتقدت أن أخطر ما يمكن أن يصيب الدولة هو غياب الديمقراطية. ثم اكتشفت مع الزمن أن هناك خطرًا لا يقل أهمية: غياب القدرة على المصالحة مع الذات. فالدولة التي تعجز عن معالجة آثار أزماتها القديمة تحملها معها إلى المستقبل، فتتكرر الأسماء وتتغير الوجوه وتبقى الجروح ذاتها.

العدالة الانتقالية ليست تعبيرًا قانونيًا معقدًا كما يتصور البعض، بل هي ببساطة محاولة للإجابة عن سؤال شديد الصعوبة: كيف نبني المستقبل دون أن نهرب من الماضي؟

هذا السؤال واجه دولًا كثيرة قبلنا. واجه جنوب أفريقيا بعد عقود من الفصل العنصري، وواجه إسبانيا بعد حكم فرانكو، وواجه دول أمريكا اللاتينية بعد فترات الحكم العسكري، وواجه دول أوروبا الشرقية بعد انهيار الأنظمة الشمولية.

لم تكن الإجابات متشابهة. فلكل مجتمع ظروفه وتاريخه وأولوياته. لكن القاسم المشترك بين التجارب الناجحة كان الاعتراف بأن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على النسيان، بل على الفهم. وأن المصالحة لا تعني محو الذاكرة، بل تعني تحرير المستقبل من أسرها.

التجربة الجنوب أفريقية تظل الأكثر حضورًا في هذا المجال. فبعد عقود من التمييز والقهر والعنف، كان من السهل أن تنزلق البلاد إلى موجة واسعة من الانتقام المتبادل. لكن القيادة السياسية آنذاك اختارت طريقًا أكثر صعوبة وأكثر حكمة: طريق الحقيقة أولًا.

لم يكن الهدف معاقبة الجميع، ولا تبرئة الجميع، بل كشف الحقيقة أمام المجتمع. لأن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، أقل خطرًا من الكذب الرسمي أو الإنكار الجماعي.

في مصر، لسنا بحاجة إلى استيراد التجارب كما هي، لكننا بحاجة إلى فهم دروسها. فالمجتمع المصري شهد خلال العقود الأخيرة موجات متلاحقة من الانقسام السياسي والاستقطاب الحاد والاعتقالات والمحاكمات والصدامات. وبعض هذه الملفات ما زال مفتوحًا حتى اليوم بصورة أو بأخرى.

كل طرف يمتلك روايته الخاصة. وكل فريق يرى نفسه ضحية لما جرى. لكن الدولة لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد داخل روايات متصارعة لا يلتقي أصحابها على أرض مشتركة.

العدالة هنا تصبح أكثر من مجرد حكم قضائي. تصبح عملية مجتمعية واسعة لإعادة بناء الثقة. والثقة هي المادة الخام التي تُصنع منها الدول المستقرة.

أعرف من تجربتي الشخصية أن الإنسان يستطيع أن يغفر أكثر مما يظن. لكنه لا يستطيع أن يتصالح مع الإنكار. فالمظلمة التي يعترف بها المجتمع تصبح قابلة للعلاج، أما المظلمة التي يُطلب من أصحابها نسيانها وكأنها لم تحدث أصلًا، فإنها تتحول إلى جرح مزمن.

لهذا فإن الحديث عن المصالحة الوطنية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره دعوة للنسيان، ولا دعوة لإغلاق الملفات بالقوة، ولا دعوة لتجاوز القانون. بل على العكس، هو دعوة إلى استخدام القانون نفسه كأداة لإعادة بناء الثقة.

كثير من المجتمعات التي خرجت من أزمات عميقة أدركت أن العدالة ليست فقط معاقبة من أخطأ، بل أيضًا جبر ضرر من تضرر، وكشف الحقيقة، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

في بعض الأحيان تكون الحقيقة أكثر أهمية من العقوبة نفسها. فالأمم تحتاج إلى أن تعرف ماذا حدث، وكيف حدث، ولماذا حدث، حتى تستطيع أن تمنع تكراره.

ومن هنا تبرز العلاقة الوثيقة بين المصالحة الوطنية وإصلاح مرفق العدالة. فالقضاء المستقل، والنيابة العامة المهنية، والمحاكم العادلة، ليست فقط أدوات لحسم النزاعات اليومية، بل هي أيضًا أدوات لحماية الذاكرة الوطنية من التشويه.

لا يمكن بناء مصالحة حقيقية في ظل غياب الثقة في العدالة. كما لا يمكن بناء عدالة مستقرة في ظل مجتمع منقسم على نفسه بصورة دائمة.

مصر الممكنة التي نتحدث عنها في هذا الكتاب ليست مصر المتفقة بالكامل، فذلك مستحيل. وليست مصر الخالية من المعارضة أو الخلاف أو التنوع. بل هي مصر القادرة على إدارة خلافاتها داخل إطار القانون لا خارجه.

وقد علمتني سنوات العمل السياسي أن المشكلة ليست في الاختلاف، بل في طريقة إدارة الاختلاف. فالدول الديمقراطية تختلف كل يوم، لكنها لا تتفكك. بينما تتعرض بعض الدول لأزمات عميقة لأنها تحاول إلغاء الخلاف بدلًا من تنظيمه.

العدالة والمصالحة الوطنية تلتقيان عند نقطة واحدة: الإيمان بأن كل مواطن له مكان في الوطن، حتى لو اختلف مع السلطة، أو مع الأغلبية، أو مع السائد. فالدولة القوية ليست التي تملك عددًا أكبر من المؤيدين، بل التي تملك مؤسسات قادرة على حماية حقوق المختلفين معها أيضًا.

ومن هنا فإن أحد أهم أهداف إصلاح العدالة في مصر يجب أن يكون استعادة الثقة العامة في أن القانون يتسع للجميع، وأن المواطنة لا تُقاس بدرجة الاتفاق السياسي، وأن الحقوق لا تُمنح كمكافأة ولا تُسحب كعقوبة.

المصالحة الوطنية ليست حدثًا واحدًا، ولا مؤتمرًا، ولا بيانًا سياسيًا. إنها مسار طويل يبدأ بالاعتراف، ويمر بالحقيقة، وينتهي ببناء مؤسسات تمنع تكرار الأخطاء.

وإذا كان لكل أمة جرحها الخاص، فإن لكل أمة أيضًا فرصة للشفاء. والسؤال ليس هل أخطأنا في الماضي؟ فكل الأمم أخطأت. السؤال الحقيقي هو: هل نملك الشجاعة الكافية لنتعلم من أخطائنا؟

مصر الممكنة في عام 2030 تحتاج إلى اقتصاد أقوى، وتعليم أفضل، وإدارة أكثر كفاءة، لكنها تحتاج أيضًا إلى سلام مجتمعي قائم على العدالة لا على الصمت، وعلى الثقة لا على الخوف، وعلى القانون لا على الغلبة.

فالأوطان لا تتماسك بالقوة وحدها.

ولا تبقى بالذاكرة وحدها.

وإنما تبقى حين تستطيع أن تحول آلامها إلى دروس، وخلافاتها إلى قواعد، وتجاربها الصعبة إلى حكمة جماعية تحمي المستقبل.

تلك هي المصالحة التي تستحقها مصر.

وتلك هي العدالة التي لا تكتفي بالنظر إلى الماضي، بل تفتح الباب أمام الغد.

حلقتنا القادمة:

من مصر الممكنة 2030 (40)

العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (11)

العدالة الرقمية… هل تستطيع التكنولوجيا إنقاذ القضاء؟
:::

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى