حوادث وقضايامصرملفات وتقارير

تفاصيل تورط رئيس هيئة قضايا الدولة في قضايا فساد ومخالفات مالية جسيمة

شهدت الأوساط القضائية تطورات لافتة في شهر يوليو خلال العام الحالي، حيث اتسم مشهد أداء رؤساء الهيئات القضائية الجدد لليمين الدستورية بغياب المستشار حسين مدكور، رئيس هيئة قضايا الدولة، عن مراسم التكريم التي شملت نظرائه الذين بلغوا سن التقاعد. وتكشف المعطيات أن هذا الغياب جاء نتيجة ارتباط اسمه بتحقيقات تتعلق بمخالفات مالية جسيمة قدرت بنحو 75 مليون جنيه. وتفيد التقارير الموثقة بأن هذه المبالغ تم استقطاعها من مستحقات ورواتب المستشارين الحاليين والسابقين بالهيئة تحت مبررات تمويل مشروعات وحفلات تكريم، مما دفع مجلس إدارة نادي مستشاري الهيئة لإصدار بيان داخلي يندد بتجاوز تلك الممارسات لحدود الإدارة الرشيدة للكيانات القضائية.

ويشير نواب حاليون وسابقون لرئيس الهيئة في بلاغات رسمية قدموها للنائب العام وجهات رقابية معنية إلى وجود عمليات خصم مالي ممنهجة طالت ما يقارب 4800 مستشار ومستشارة. وتؤكد الوقائع استقطاع مبالغ تتراوح بين 10 آلاف و16 ألف جنيه من المستحقات المالية خلال العام المنصرم، بالإضافة إلى خصومات إضافية بلغت 5 آلاف جنيه، مع غياب كامل لأي أوراق رسمية تبرر هذه الاقتطاعات. وتتركز الشكاوى حول حفل الذكرى المائة والخمسين لتأسيس الهيئة، حيث تشير التقديرات إلى تضارب كبير في إعلان التكاليف الفعلية للحفل، إذ روج مقربون من مدكور أن التكلفة بلغت 50 مليون جنيه، بينما تؤكد تقارير داخلية أن المبلغ لم يتجاوز 7 ملايين جنيه، مما يضع علامات استفهام كبرى حول أوجه إنفاق باقي الأموال المخصصة للحفلات والفعاليات.

وتشير تحقيقات إدارة الموازنة إلى مسؤولية مباشرة للمستشار المذكور عن هذه المخالفات، وهي القضية التي تزامنت مع إقدام المستشار على إجراءات عقابية ضد أعضاء مجلس إدارة نادي الهيئة الذين طالبوا بالشفافية وكشف المستندات. وشملت هذه الإجراءات إحالة المعترضين إلى التفتيش الفني والتهديد بحل مجلس الإدارة، بل والقيام بتحويل اشتراكات الأعضاء لحسابات مالية أخرى، وهو ما اعتبره المتابعون محاولة لطمس الحقائق وتجاوز الصلاحيات القانونية. وتطرح هذه الواقعة تساؤلات ملحة حول معايير اختيار المسؤولين عن حماية المال العام في المؤسسات القضائية، خاصة وأن هيئة قضايا الدولة هي الجهة المنوط بها قانوناً تمثيل الدولة في النزاعات القضائية والحفاظ على مواردها المالية.

وفي سياق موازٍ، لا يمكن عزل هذه الوقائع عن ملفات أخرى لفساد داخل الجهاز الإداري، حيث تبرز تساؤلات حول استمرار وجود مسؤولين في مناصب وزارية رغم اتهامهم بقضايا مماثلة. وتتضح هذه الحالة في ملف وزيرة الثقافة جيهان زكي، التي رصدت لجان رسمية مخالفات مالية منسوبة إليها بقيمة 5 ملايين يورو خلال فترة عملها بالأكاديمية المصرية للفنون في روما، فضلاً عن قضايا تتعلق باختلاس مقتنيات أثرية كتمثال أوزوريس وأحكام قضائية في قضايا سرقة أدبية. وبالمثل، تظل قضايا الفساد المالي المرتبطة براندا المنشاوي، وزيرة الإسكان، حاضرة في الأذهان، بعد خضوعها لتحقيقات مباحث الأموال العامة في 2017، والتي انتهت بتسويات مالية ضخمة لرد مستحقات خزانة الدولة.

وتشير وقائع مشابهة إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في غياب الشفافية، كما ظهر في ملف النائب العام الأسبق حمادة الصاوي ونجله، حيث كشفت الرقابة الإدارية في يوليو 2024 عن خضوعهما للتحقيق في قضايا فساد ارتكبت خلال فترة توليه المنصب بين عامي 2019 و2023. وتتواصل التساؤلات بشأن مآلات تلك القضايا، لا سيما في ظل تجميد تعيين الصاوي في المحكمة الدستورية بعد اتهامات بالاستيلاء على 9 ملايين جنيه. وتظل الحاجة ملحة للرأي العام لمعرفة تفاصيل تلك القضايا التي تمس نزاهة المؤسسات القضائية والإدارية، خاصة مع تزايد الشبهات حول الإسناد المباشر في المشروعات القومية الكبرى، بدءاً من العاصمة الإدارية وصولاً إلى أبسط المرافق الخدمية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى