شباك نور

د. أيمن نور يكتب: العدالة الرقمية… هل تستطيع التكنولوجيا إنقاذ القضاء؟ مصر الممكنة 2030 (40) العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (11)

لم يكن أكثر المتفائلين من أبناء جيلي يتصور أن يأتي يوم يحمل فيه المحامي مكتبته القانونية كلها داخل هاتف صغير في جيبه، أو أن تصبح أحكام محاكم العالم متاحة بضغطة زر، أو أن تتحول آلاف الصفحات التي كانت تملأ خزائن المحاكم إلى ملفات رقمية تنتقل عبر الألياف الضوئية بسرعة الضوء. ومع ذلك، فإن المفارقة الكبرى التي نعيشها اليوم أن العالم تغير جذريًا، بينما بقيت أجزاء واسعة من منظومة العدالة تتحرك بإيقاع عصر آخر.

أكتب هذه السطور وأنا أستعيد سنوات طويلة من العمل داخل المحاكم المصرية. أستعيد وجوه الموظفين الذين كانوا يحفظون أماكن الملفات أكثر مما تحفظها الخرائط، وأستعيد طوابير المحامين أمام الأقلام المختلفة، وأستعيد رحلات كاملة كانت تبدأ أحيانًا مع شروق الشمس ولا تنتهي إلا بعد غروبها، للحصول على صورة رسمية من مستند، أو للتأكد من تحديد جلسة، أو لمعرفة مصير ملف ضاع بين مكتب وآخر. لم تكن المشكلة يومها في نقص الجهد أو الإخلاص، بل في أن المنظومة كلها كانت تعمل بأدوات صُممت لعصر مختلف تمامًا.

العدالة المصرية لم تكن وحدها في هذا الطريق. فالقضاء بطبيعته مؤسسة محافظة، لا تتحرك بالسرعة التي تتحرك بها الأسواق أو التكنولوجيا أو الإعلام. وهذا أمر مفهوم إلى حد بعيد، لأن العدالة تتعامل مع حقوق الناس وحرياتهم وأموالهم، ولا يجوز أن تصبح حقل تجارب لكل فكرة جديدة. لكن ما كان مقبولًا قبل ثلاثين عامًا لم يعد مقبولًا اليوم، وما كان يمكن احتماله في زمن الورق أصبح عبئًا ثقيلًا في زمن البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي.

المشكلة لا تكمن في أن المحاكم تستخدم الورق، بل في أن الفلسفة الإدارية التي تحكم العمل القضائي ما زالت في كثير من جوانبها ابنة عصر الورق. والفرق بين الأمرين كبير. فقد نستبدل الملفات الورقية بأجهزة حاسوب، لكننا نبقي الإجراءات نفسها، والتعقيدات نفسها، والرحلات نفسها، والبيروقراطية نفسها. عندها نكون قد رقمنّا الأزمة لا العدالة.

لهذا فإن العدالة الرقمية ليست مشروعًا تقنيًا، بل مشروع إصلاح مؤسسي كامل. إنها إعادة نظر في الطريقة التي تتحرك بها الدعوى القضائية من لحظة ميلادها وحتى تنفيذ الحكم. وهي إعادة تعريف للعلاقة بين المواطن والمحكمة، وبين المحامي والملف، وبين القاضي والمعلومة.

التجارب الدولية التي نجحت في هذا المجال لم تبدأ بشراء الأجهزة، بل بدأت بطرح سؤال مختلف: كيف يمكن أن نجعل الوصول إلى العدالة أسهل وأسرع وأكثر شفافية؟ ومن هنا انطلقت التجربة الإستونية التي تحولت خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أكثر التجارب الرقمية تطورًا في العالم. لم تكن إستونيا دولة غنية بالموارد الطبيعية، لكنها كانت غنية بالإرادة السياسية والرؤية المؤسسية. فاختارت أن تبني دولة رقمية من الأساس، وأن تجعل المواطن قادرًا على إنجاز معظم معاملاته من منزله، بما في ذلك جزء مهم من علاقته بالقضاء والإدارة العامة.

وفي سنغافورة، التي تحولت من دولة صغيرة محدودة الموارد إلى مركز اقتصادي عالمي، كان إصلاح القضاء جزءًا من مشروع التنمية نفسه. لم تنظر الدولة إلى المحاكم باعتبارها عبئًا إداريًا، بل باعتبارها أحد أهم عناصر الثقة الاقتصادية. ولذلك جرى الاستثمار في التكنولوجيا القضائية كما جرى الاستثمار في الموانئ والمطارات والبنية التحتية.

أما كوريا الجنوبية فقد أدركت أن العدالة الرقمية ليست رفاهية، بل ضرورة لحماية مجتمع شديد التعقيد وسريع الحركة. ولهذا توسعت في استخدام المنصات الإلكترونية والأرشفة الذكية وإدارة القضايا رقميًا، بصورة جعلت الزمن القضائي أكثر كفاءة وأقل إهدارًا للموارد.

حين ننظر إلى هذه التجارب لا ينبغي أن نكتفي بالإعجاب بها أو استنساخها. فلكل دولة ظروفها وتاريخها ومشكلاتها. لكن الدرس المشترك بينها جميعًا هو أن التكنولوجيا لم تكن هدفًا في ذاتها، بل وسيلة لخدمة العدالة وتحسين كفاءتها وتعزيز الثقة فيها.

مصر تمتلك اليوم فرصة حقيقية للانتقال إلى مرحلة مختلفة. فمشروعات التحول الرقمي التي أُطلقت خلال السنوات الأخيرة وفرت بنية أساسية مهمة يمكن البناء عليها. لكن النجاح لن يقاس بعدد المنصات الإلكترونية أو الأجهزة الحديثة، بل بمدى شعور المواطن بأن حياته أصبحت أسهل، وأن طريقه إلى العدالة أصبح أقصر.

المتقاضي البسيط لا يعنيه كثيرًا اسم البرنامج المستخدم داخل المحكمة، ولا نوع الخادم الإلكتروني الذي تُحفظ عليه البيانات. ما يعنيه أن يعرف موعد جلسته دون رحلة طويلة، وأن يحصل على مستنداته دون أسابيع من الانتظار، وأن يتمكن من متابعة دعواه دون أن يصبح أسيرًا للمكاتب والأختام والإجراءات المتشابكة.

هنا تحديدًا تبدأ القيمة الإنسانية للعدالة الرقمية. فالموضوع ليس أجهزة وشاشات، بل وقت الناس وأعمارهم. وكل ساعة يوفرها النظام القضائي على المواطن هي جزء من العدالة نفسها؛ لأن الزمن ليس موردًا إداريًا فقط، بل جزء من الكرامة الإنسانية.

غير أن الوجه الآخر للقصة لا يقل أهمية. فكما تحمل التكنولوجيا فرصًا هائلة، تحمل أيضًا مخاطر حقيقية. وأخطر هذه المخاطر يتمثل في الوهم القائل إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحل محل القاضي. هذه الفكرة تزداد انتشارًا في بعض الدوائر التقنية، لكنها تثير، في رأيي، أسئلة قانونية وأخلاقية عميقة.

القاضي لا يطبق النصوص فقط. القاضي يزن الوقائع، ويقرأ البشر، ويستمع إلى النبرات، ويلاحظ التردد، ويوازن بين المصالح، ويستحضر روح القانون لا حروفه وحدها. وهذه كلها أمور لا تستطيع الخوارزميات، مهما بلغت دقتها، أن تقوم بها بالمعنى الإنساني الكامل.

صحيح أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في البحث القانوني، وتحليل السوابق القضائية، وتنظيم الملفات، واكتشاف التناقضات، وتسريع الوصول إلى المعلومات. لكنه يجب أن يبقى أداة في يد العدالة لا بديلًا عنها. فالقاضي الذي يستعين بالتكنولوجيا يظل قاضيًا، أما التكنولوجيا التي تحاول أن تصبح قاضيًا، فذلك أمر مختلف تمامًا.

هناك أيضًا قضية أخرى لا تقل خطورة، وهي قضية البيانات. فالمحاكم لا تحتفظ بوثائق عادية، بل تحتفظ بأسرار الناس وحياتهم الخاصة ومنازعاتهم وأموالهم وحقوقهم. وكلما توسعت الرقمنة ازدادت أهمية حماية هذه البيانات من الاختراق أو التسريب أو سوء الاستخدام. ولهذا فإن العدالة الرقمية تحتاج إلى تشريعات حديثة للأمن السيبراني وحماية الخصوصية، بقدر حاجتها إلى البرمجيات والمنصات.

ومن التحديات التي ينبغي ألا نتجاهلها كذلك ما يعرف بالفجوة الرقمية. فليس كل المواطنين يملكون القدرات التقنية نفسها، وليس كل المناطق تمتلك البنية التحتية ذاتها، وليس كل المتقاضين قادرين على التعامل مع الخدمات الرقمية بسهولة. ولذلك فإن التحول الرقمي الناجح لا يلغي الإنسان، بل يراعي احتياجاته وقدراته المختلفة.

أتصور أن العدالة المصرية في عام 2030 يجب أن تكون مختلفة جذريًا عما عرفناه لعقود طويلة. يجب أن يكون هناك ملف قضائي رقمي موحد، ومنصة واحدة للخدمات القضائية، وإعلان إلكتروني فعال، وأرشيف وطني للأحكام، وقواعد بيانات متطورة، وربط كامل بين المحاكم والنيابة وأجهزة تنفيذ الأحكام. كما يجب أن تصبح الإحصاءات القضائية متاحة بصورة دورية، وأن يتحول تحليل البيانات إلى أداة لتحسين الأداء، لا مجرد وسيلة للتوثيق.

لكن كل ذلك لن يكون كافيًا إذا لم يصاحبه إصلاح أعمق. فالتكنولوجيا لا تستطيع أن تعالج ضعف الاستقلال، ولا أن تحل محل التشريع الجيد، ولا أن تعوض غياب الثقة العامة. ولهذا فإن العدالة الرقمية يجب أن تكون جزءًا من مشروع إصلاح العدالة كله، لا مشروعًا منفصلًا عنه.

مصر الممكنة التي نحلم بها في عام 2030 ليست مصر التي تضع أجهزة حديثة داخل مبانٍ قديمة فحسب، بل مصر التي تعيد التفكير في العدالة نفسها. عدالة تحترم وقت المواطن كما تحترم حقه، وتستخدم التكنولوجيا لخدمته لا لإرهاقه، وتجعل من الثورة الرقمية وسيلة لتقريب العدالة من الناس لا لإبعادها عنهم.

فالقضية في النهاية ليست قضية حاسوب أو منصة إلكترونية أو ذكاء اصطناعي. القضية هي كيف نجعل العدالة أكثر إنسانية، وأكثر كفاءة، وأكثر قدرة على الوصول إلى الناس. وإذا نجحنا في ذلك، تكون التكنولوجيا قد أدت دورها الحقيقي: أن تساعد العدالة على أن تصبح أقرب إلى رسالتها الأصلية.

الحلقة القادمة:

مصر الممكنة 2030 (41)

العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (12)

إصلاح مرفق العدالة… خريطة طريق 2030
:::

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى