أحزاب وبياناتمصرملفات وتقارير

حزب التحالف الشعبي الاشتراكي يصدر ورقة بحثية تحلل أولويات التنمية والعدالة الاجتماعية بمصر

في قراءة تحليلية معمقة ورؤية نقدية مغايرة، أصدر حزب التحالف الشعبي الاشتراكي وثيقة سياسية واقتصادية هامة تحت عنوان “قراءة في خطاب الرئيس والتنمية من منظور العدالة الاجتماعية.. لِمَنْ تُبنى مصر؟”. يأتي هذا المنشور ليقدم تفكيكاً شاملاً لطبيعة النموذج الاقتصادي الحالي في البلاد، واضعاً الخطاب الرسمي المرتكز على التوسع العمراني والمشروعات القومية الكبرى في ميزان التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية؛ ويهدف التقرير إلى التساؤل بشكل مباشر حول العوائد الحقيقية لسياسات البناء والتشييد، ومدى انعكاسها على حياة الأغلبية من المواطنين في ظل التحديات المعيشية الراهنة، معيداً تعريف التنمية من منظور الانحياز للفئات الشعبية والطبقة الوسطى.

حزب التحالف الشعبي الاشتراكي يطرح ورقة نقدية: لمن تبنى مصر في ظل الأزمات؟

قراءة في خطاب الرئيس والتنمية من منظور العدالة الاجتماعية.. لِمَنْ تُبنى مصر؟

افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي “القيادة الاستراتيجية للدولة” باعتبارها أحد رموز الجمهورية الجديدة، وربط بين الأمن والتنمية، وبين مكافحة الإرهاب واستمرار البناء، مؤكدًا أن الدولة لم توقف مشروعاتها رغم الأزمات، وأنها تمضي نحو دولة حديثة صناعية وزراعية

ولا يمكن إنكار أن مصر منذ عام 2014 شهدت تنفيذ عدد ضخم من المشروعات القومية، من طرق وكباري ومدن جديدة ومحطات كهرباء وموانئ وشبكات غاز، وصولًا إلى العاصمة الإدارية الجديدة ومحطة الضبعة النووية وغيرها. لكن يبقى السؤال مطروحًا: لمن تُبنى هذه المشروعات؟

هذا السؤال لا يتعلق بحجم الإنفاق أو عدد المشروعات، وإنما بمن يستفيد منها، ومن يتحمل تكلفتها، وهل انعكس كل ذلك على حياة الأغلبية أم لا؟

التنمية ليست خرسانة فقط

يقدم الخطاب الرسمي الحديث عن التنمية باعتبارها توسعًا في البناء والتشييد والبنية الأساسية، لكن التنمية، في العلوم الاقتصادية والاجتماعية، ليست مجرد إنشاء طرق أو مبانٍ؛ فالتنمية الحقيقية تعني زيادة دخول المواطنين، وخلق فرص عمل مستقرة، وخفض الفقر، وتقليل التفاوت الطبقي، وتحسين التعليم والصحة، وضمان السكن اللائق، وتوسيع الحقوق الاجتماعية، بالإضافة إلى تمكين المواطنين من المشاركة في اتخاذ القرار.

أما إذا ارتفعت معدلات الفقر والدين والتضخم بالتوازي مع توسع البناء، فإن السؤال يصبح مشروعًا: هل نحن أمام تنمية للمجتمع أم توسع عمراني لا تصل ثماره إلى أغلبية المواطنين؟

ولا يمكن فهم هذه المفارقة بمعزل عن طبيعة النموذج الاقتصادي الذي يوجه عملية التنمية. فليست كل الاستثمارات متساوية في آثارها الاجتماعية؛ إذ تختلف نتائجها باختلاف القطاعات التي تتجه إليها، وطبيعة النشاط الاقتصادي الذي تدعمه، والجهات التي تؤول إليها عوائدها.

عندما تتركز الاستثمارات في الأنشطة الأعلى ربحية، لا الأكثر قدرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل مستقرة، يصبح من الطبيعي أن يتسع العمران بوتيرة أسرع من تحسن مستويات المعيشة. ومن هنا لا يعود السؤال متعلقًا بوجود المشروعات من عدمه، بل بالنموذج الاقتصادي الذي يحدد أولوياتها وكيفية توزيع ثمارها.

ماذا حدث منذ 2013؟

منذ تولي السلطة الحالية الحكم، يمكن رصد صورتين، الأولى تتمثل في التسارع غير مسبوق في الطرق والمحاور، والمدن الجديدة، والعاصمة الإدارية، ومشروعات الطاقة، وتطوير بعض الموانئ، والقضاء على أزمة الكهرباء التي بلغت ذروتها قبل ذلك، والتوسع في شبكات الغاز الطبيعي، ومشروعات مثل محطة الضبعة النووية، ومترو الأنفاق، والقطار الكهربائي، وغيرها.

بالتوازي، تكشف الصورة الثانية تراجعًا كبيرًا في القوة الشرائية للأجور، وارتفاعًا غير مسبوق للأسعار، وتضاعف الدين العام الداخلي والخارجي، وانخفاض قيمة الجنيه عدة مرات، وتوسعًا في الفقر والهشاشة الاجتماعية، وزيادة الاعتماد على القروض، واتساع الهجرة الداخلية والخارجية، وارتفاع معدلات البطالة المقنعة والعمل غير المنتظم، وتراجع نصيب الصناعة والزراعة مقارنة بالأنشطة العقارية والإنشائية، بالإضافة إلى زيادة أعباء المعيشة على الطبقة الوسطى والطبقات الشعبية.

وهنا تظهر المفارقة.

ولا تعني هذه المفارقة أن المشروعات القومية في حد ذاتها بلا جدوى، وإنما أن الحكم عليها لا ينفصل عن طبيعة الاقتصاد الذي تُبنى في إطاره. فالتنمية لا تُقاس فقط بحجم ما يُنفذ من مشروعات، بل أيضًا بقدرتها على توسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد، وزيادة مساهمة الصناعة والزراعة والأنشطة المنتجة في خلق الدخل وفرص العمل، بدلاً من الاعتماد المتزايد على الأنشطة العقارية والإنشائية والخدمية وحدها.

هل يكفي بناء العاصمة الإدارية؟

لا يُقاس نجاح أي مشروع بارتفاع أبراجه، وإنما بما يضيفه إلى حياة الناس، فالمدينة الحديثة ليست غاية في ذاتها.
والسؤال هو: هل خففت العاصمة الجديدة أزمة السكن للفقراء؟ هل خلقت ملايين الوظائف الدائمة؟ هل خفضت أسعار الغذاء؟ هل زادت دخول العمال والفلاحين؟ هل حسنت الخدمات في القرى القديمة؟
إذا كانت الإجابة محدودة، فإن المشكلة ليست في المشروع نفسه، وإنما في ترتيب الأولويات، وفي النموذج الاقتصادي الذي يحدد أين تتجه الموارد العامة، وما القطاعات التي تحظى بالأولوية، ولصالح من.

الدولة.. لمن تعمل؟

يربط الخطاب الرسمي التطوير غالبًا بالتكنولوجيا والإدارة والتحول الرقمي، لكن التطوير الحقيقي يشمل أيضًا: تطوير علاقات الإنتاج، ورفع إنتاجية العمل، وتوزيعًا أكثر عدالة لثمار النمو، وتوسيع الملكية الإنتاجية للمجتمع، ودعم التعاونيات، وتمكين صغار المنتجين، وحماية العمال والفلاحين.

ويؤكد الرئيس أن الدولة تعمل لتحسين حياة المواطنين، لكن تقييم أي سياسة لا يكون بالنوايا، وإنما بالنتائج، فالنتيجة النهائية هي المعيار، فإذا كانت معدلات الفقر مرتفعة، والدخول الحقيقية تتراجع، والأسعار تتصاعد، والبطالة والعمل الهش يتوسعان، فإن من حق المواطنين التساؤل: أين ذهبت ثمار النمو؟

القطاع الخاص ومكافحة الفساد… كيف ولصالح من؟

أعلن الرئيس استمرار تخارج الدولة من الأنشطة الاقتصادية لصالح القطاع الخاص، لكن السؤال هنا أيضًا: أي قطاع خاص؟ هل هو القطاع المنتج الذي يبني المصانع ويوفر وظائف مستقرة؟ أم القطاع الريعي الذي يحقق أرباحه من العقارات والاحتكار والاستيراد؟

إن الاقتصاد لا يُقاس بعدد المستثمرين أو بحجم رؤوس الأموال وحدهما، وإنما بطبيعة النشاط الاقتصادي الذي تُوجَّه إليه هذه الاستثمارات. فالاستثمار المنتج الذي يضيف قيمة حقيقية، ويوسع القاعدة الصناعية والزراعية، ويخلق وظائف مستقرة، يختلف جذريًا عن الاستثمار الريعي القائم على المضاربة أو الاحتكار أو الأنشطة العقارية وحدها. ولذلك، فإن القضية ليست في القطاع الخاص في حد ذاته، وإنما في أي قطاع خاص يجري تشجيعه، ولصالح أي نموذج اقتصادي.

الخطاب أكد ضرورة مكافحة الفساد، وهو هدف لا يختلف عليه أحد، لكن مكافحة الفساد لا تعني فقط القبض على موظف مرتشٍ، بل تعني أيضًا الشفافية، وتداول المعلومات، ورقابة البرلمان، واستقلال القضاء، وحرية الصحافة، وتمكين المجتمع المدني، والرقابة الشعبية على المال العام. فالفساد ليس مجرد سلوك فردي، بل قد يكون نتيجة غياب الرقابة والمساءلة.

خطاب الأمن والتنمية

يربط الخطاب بين الأمن والتنمية، وهذا صحيح إلى حد كبير، لكن الأمن لا يتحقق فقط بالمؤسسات الأمنية، بل يتحقق أيضًا عندما يشعر المواطن بالأمان الاقتصادي، وبالأمان الوظيفي، وبالأمان الصحي، وبالأمان الغذائي، وبالأمان الاجتماعي، فالمواطن الذي يخشى البطالة أو المرض أو الغلاء يعيش حالة من انعدام الأمن، حتى وإن كانت الحدود آمنة.

هذا هو السؤال الذي تطرحه حملتنا. لسنا ضد البناء، ولسنا ضد الطرق، ولسنا ضد المدن الجديدة، بل على العكس، نؤمن أن مصر تحتاج إلى تنمية حقيقية.

لكن التنمية ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لبناء اقتصاد منتج وتحسين حياة المواطنين، وقيمتها الحقيقية تُقاس بمدى انعكاسها على حياة الأغلبية، لا بحجم ما يُنفذ من مشروعات فقط.

مصر التي نحلم بها

ليست القضية في رفض التنمية، وإنما في إعادة تعريفها. فجوهر أي نموذج تنموي لا يكمن فقط في حجم ما ينتجه من ثروة، وإنما في الكيفية التي تُنتج بها هذه الثروة، والقطاعات التي تقودها، والفئات الاجتماعية التي تستفيد منها. ولذلك فإن العدالة الاجتماعية ليست مجرد إعادة توزيع لجزء من عوائد النمو بعد تحققه، بل تبدأ من اختيار نموذج اقتصادي يجعل الإنتاج الحقيقي والعمل المنتج في قلب عملية التنمية.

فالتنمية التي ننحاز إليها هي التي تجعل الإنسان غايتها الأولى، وتضع التشغيل الكامل هدفًا مركزيًا، وتعطي الأولوية للصناعة والزراعة والإنتاج الحقيقي، وتضمن الحد الأدنى اللائق للدخل، وتعيد توزيع ثمار النمو بعدالة، وتدعم التعاونيات وصغار المنتجين، وتوسع الخدمات العامة المجانية والجيدة، وتجعل المواطن شريكًا في صنع القرار، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.

لذلك يبقى سؤال حملتنا مفتوحًا: لمن تبنى مصر؟ الإجابة لا تُقاس بعدد الكيلومترات من الطرق أو ارتفاع الأبراج، وإنما بطبيعة النموذج الاقتصادي الذي تُوجَّه إليه هذه الاستثمارات، وبمدى قدرتها على بناء اقتصاد منتج يخلق فرص عمل مستقرة، ويزيد القيمة المضافة، ويعزز الصناعة والزراعة، ويضمن توزيعًا أكثر عدالة لثمار العمل والإنتاج.

عندما تصبح التنمية أداة لتوسيع القاعدة الإنتاجية وتحسين حياة الأغلبية، لا مجرد زيادة في الأصول والمشروعات، يمكن عندها القول إن مصر تُبنى بالفعل لكل المصريين.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى