كواليس اغتيال محمود فهمي النقراشي باشا وقصة رئاسته لوزراء البلاد قديما

يستعرض موقع “أخبار الغد” في هذا التقرير تفاصيل مسيرة محمود فهمي النقراشي باشا أحد أبرز الشخصيات السياسية التي تقلدت رئاسة الوزراء في فترات عصيبة من تاريخ البلاد المعاصر. ولد محمود فهمي النقراشي في 26 أبريل 1888 بمدينة الإسكندرية، حيث بدأ رحلته المهنية كمسؤول إداري كبير وتدرج في المناصب حتى شغل مقعد سكرتير عام وزارة المعارف ومن ثم وكيلاً لمحافظة القاهرة، قبل أن يبرز دوره القيادي داخل حزب الوفد العريق الذي ساهم في رسم خارطة الطريق السياسي في تلك الحقبة الزمنية.
تأثرت حياة محمود فهمي النقراشي باشا بالأحداث الوطنية الكبرى، حيث تعرض لحكم بالإعدام من قبل سلطات الاحتلال الإنجليزي نتيجة مشاركته الفعالة في ثورة 1919 التي هزت أركان الاستعمار، كما نال الاعتقال عام 1924 ضمن حملات التضييق على قيادات الحركة الوطنية. واصل مسيرته السياسية بتقلد وزارة المواصلات عام 1930، ليثبت جدارته في إدارة الملفات الخدمية، مما مهد الطريق أمام صعوده نحو مقعد رئاسة الوزراء في منعطفات سياسية بالغة الحساسية والتعقيد.
تولى محمود فهمي النقراشي باشا رئاسة الوزراء في ظروف مضطربة تلت اغتيال أحمد ماهر باشا في 24 فبراير 1945، حيث اتسمت فترة حكمه بتوترات شعبية ومظاهرات واسعة سعت الحكومة لاحتوائها بكل صرامة. شهدت تلك المرحلة وقوع واقعة كوبري عباس الشهيرة عندما حاصرت قوات البوليس مسيرة طلابية خرجت من جامعة فؤاد الأول متجهة إلى قصر عابدين، بينما عاد لتشكيل الوزارة مرة أخرى في 9 ديسمبر 1946 عقب استقالة حكومة إسماعيل صدقي باشا، وهي الفترة التي شهدت اتخاذ قرار تاريخي بالمشاركة في الحرب داخل فلسطين.
اتخذ محمود فهمي النقراشي باشا قراراً حاسماً بحل جماعة الإخوان المسلمين في 8 ديسمبر 1948، وهو القرار الذي غير مجرى الأحداث تماماً وأدى إلى تداعيات أمنية مباشرة. أقدم الجاني عبد المجيد أحمد حسن المنتمي إلى النظام الخاص للجماعة على اغتيال رئيس الوزراء يوم 28 ديسمبر في القاهرة، حيث تنكر القاتل في زي ضابط شرطة وأطلق ثلاث رصاصات في ظهر النقراشي أثناء استعداده لاستخدام المصعد، مما أدى إلى وفاته على الفور في عملية كشفت التحقيقات عن تورط شركاء آخرين فيها.
أصدر حسن البنا عقب هذا الحادث بياناً شديد اللهجة تبرأ فيه من القاتلين تحت عنوان “ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين”، بينما سلكت المحاكم مسارها القضائي الحازم ليصدر حكم الإعدام شنقاً على المتهم الرئيسي عبد المجيد أحمد حسن، بينما نال شركاؤه أحكاماً بالسجن المؤبد. ظلت شخصية محمود فهمي النقراشي باشا نموذجاً للسياسي الذي واجه تحديات وجودية داخلية وخارجية، وظلت تفاصيل اغتياله علامة فارقة في سجل تاريخ الحكم الوطني، حيث بقيت سيرته محفورة كرمز من رموز العمل الإداري والسياسي رغم قسوة النهاية التي واجهها في نهاية عام 1948.
تعد محطات محمود فهمي النقراشي باشا دروساً في تقلبات السلطة وصراعاتها، إذ نجح في قيادة البلاد خلال فترات حرجة رغم ضراوة المظاهرات وتحديات الاحتلال والصدام مع التيارات المتطرفة التي بلغت ذروتها في حادثة اغتياله. استحق محمود فهمي النقراشي باشا أن يظل في ذاكرة التاريخ كشخصية محورية واجهت المحن، فقد تركت قراراته السياسية بصمات واضحة على طبيعة الصراع السياسي في تلك الحقبة التي شهدت تغييرات جذرية على كافة الأصعدة الوطنية والسياسية والاجتماعية.







