د. أيمن نور يكتب: إصلاح مرفق العدالة… خريطة طريق . مصر الممكنة 2030 (41) العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (12)

كل إصلاح حقيقي يبدأ من لحظة صدق. لحظة نكفّ فيها عن طمأنة أنفسنا بالكلمات الكبيرة، وننظر إلى الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. ومرفق العدالة في مصر لا يحتاج اليوم إلى عبارات مديح جديدة، ولا إلى احتفالات شكلية بهيبة القضاء، ولا إلى خطب مطولة عن تاريخ عريق نعرفه ونعتز به. يحتاج قبل ذلك كله إلى شجاعة الاعتراف بأن هذا المرفق العظيم أصابه من الإنهاك ما لا يجوز إنكاره، وأن إنقاذه لم يعد مطلبًا مهنيًا للقضاة والمحامين، بل أصبح قضية وطنية تمس مستقبل الدولة كلها.
العدالة ليست مرفقًا عاديًا بين مرافق الدولة. المدرسة يمكن أن تتعثر ثم تُصلح، والمستشفى يمكن أن يمرض ثم يتعافى، والطريق يمكن أن يتآكل ثم يعاد رصفه. أما العدالة، فإذا اهتزت الثقة فيها، امتد الاهتزاز إلى كل شيء: الاقتصاد، والسياسة، والاستثمار، والإدارة، والحقوق، والسلم الأهلي، وصورة الدولة في عيون مواطنيها قبل عيون العالم. لذلك فإن إصلاح العدالة ليس فصلًا قانونيًا في مشروع وطني، بل هو العمود الذي تستند إليه بقية الفصول.
أكتب هذه الخريطة لا من موقع الواعظ القانوني، ولا من موقع الباحث الذي ينظر إلى المرفق من بعيد. أكتبها من موقع رجل قانون ولد في بيت يعرف قيمة المحاكم، وعمل بالمحاماة، وشارك في التشريع داخل البرلمان، وخاض معارك سياسية وقانونية طويلة، وعرف العدالة من أبوابها العالية كما عرف غيابها من أبواب السجون الضيقة. ولهذا فإن كل اقتراح في هذه الورقة لا يخرج من رف أكاديمي بارد، بل من خبرة عاشت النصوص وهي تتحول أحيانًا إلى حماية، وأحيانًا إلى قيد، وأحيانًا إلى مجرد حبر ينتظر من يوقظه.
مصر تملك رصيدًا هائلًا في مجال العدالة. لدينا قضاة كبار صنعوا تراثًا يستحق الاحترام، ومحكمة دستورية عليا شهدت فترات مضيئة، ومجلس دولة كان في لحظات كثيرة قلعة حقيقية للمشروعية، ومحاماة لعبت أدوارًا كبرى في الدفاع عن الحقوق والحريات، ومدرسة قانونية مصرية أثرت في العالم العربي لعقود. لكن الرصيد التاريخي لا يغني عن الإصلاح، بل يفرضه. فالمؤسسات العريقة لا تحمي نفسها بالذاكرة وحدها، وإنما بالتجدد الدائم.
العقد الأخير كشف عن اختلالات لا يجوز التعامل معها باعتبارها حوادث متفرقة. تضخم تشريعي، توسع في الاستثناءات، إرهاق للقضاة، بطء في التقاضي، ضعف في ضمانات الدفاع، اتساع في استخدام الحبس الاحتياطي، التباس في وظيفة النيابة العامة، قوائم وإجراءات تمس حقوقًا دستورية قبل صدور أحكام نهائية، وبيئة اقتصادية واجتماعية جعلت العدالة نفسها تدفع ثمن اضطراب عام أكبر من المحاكم وحدها. لذلك لا يكفي أن نعالج عرضًا هنا أو نصًا هناك. المطلوب خريطة كاملة.
أول مدخل لهذه الخريطة هو استعادة استقلال القضاء بوصفه حقًا للمواطن قبل أن يكون ضمانة للقاضي. فالقاضي المستقل لا يحمي نفسه، بل يحمي الضعيف حين يقف أمام القوي، ويحمي المواطن حين يختصم الدولة، ويحمي الدولة نفسها من أن تنزلق إلى تغول يضعف شرعيتها. وهذا يقتضي مراجعة شاملة لكل ما يمس استقلال القضاء إداريًا وماليًا ومهنيًا، وتحصين موازنة السلطة القضائية، وضمان شفافية قواعد الاختيار والترقي والانتداب، وإبعاد القاضي عن أي وضع قد يجعله مدينًا لسلطة تنفيذية أو إدارية خارج منصة العدالة.
إصلاح أوضاع القضاة ليس امتيازًا فئويًا. إنه شرط من شروط العدالة. فقد أظهرت السنوات الأخيرة أن الضغوط الاقتصادية والمعيشية لا تقف عند أبواب المحاكم. والقاضي الذي نطالبه بأن يكون شامخًا ومستقلًا ومطمئن الضمير، يجب أن يجد من الدولة والمجتمع ما يحمي كرامته واستقراره. لذلك لا بد من مراجعة جادة للأوضاع المالية والصحية والاجتماعية للقضاة وأعضاء الهيئات القضائية، لا بوصفها مكافأة، بل بوصفها جزءًا من ضمانات استقلالهم.
المدخل الثاني يتعلق بالنيابة العامة. وقد قلت في الحلقات السابقة إن النيابة كانت في وجدان القانون المصري «الخصم الشريف»، ثم وجدت نفسها، بفعل التراكمات والضغوط، طرفًا في أزمة أوسع. ولا يمكن إصلاح العدالة الجنائية دون إعادة النيابة إلى موقعها الطبيعي: حارسًا للشرعية لا مجرد جهة اتهام. ويبدأ ذلك من إعادة تعريف وظيفتها، وتدريب أعضائها على ثقافة الحقوق والحريات، وتعزيز استقلال عضو النيابة أثناء التحقيق، ومراجعة علاقتها بمحاضر التحريات، وتفعيل رقابتها على أماكن الاحتجاز، وتوسيع ضمانات الدفاع أمامها منذ اللحظة الأولى.
من هنا تأتي ضرورة العودة الجادة إلى مناقشة نظام قاضي التحقيق في القضايا الكبرى أو المرتبطة بالحريات العامة أو التي يكون طرفها سلطة من سلطات الدولة. ليس لأن قاضي التحقيق عصا سحرية، بل لأن توزيع السلطة داخل الدعوى الجنائية يقلل احتمالات الخطأ والانحراف. فالجهة التي تحقق لا ينبغي أن تكون دائمًا هي الجهة التي تتبنى الاتهام وتدافع عنه. وكلما اقتربت الإجراءات من الحرية الشخصية، احتجنا إلى ضمانات أكثر لا أقل.
المدخل الثالث هو معالجة ملف الحبس الاحتياطي معالجة جذرية. فالحرية أصل دستوري، والحبس قبل الحكم استثناء خطر لا يجوز أن يتحول إلى عقوبة مقنعة. لذلك يجب وضع سقوف زمنية أكثر صرامة، والتوسع في بدائل الحبس الاحتياطي، وتفعيل الكفالة والتدابير الاحترازية والمراقبة الإلكترونية في الجرائم غير العنيفة، وتجريم أي التفاف يؤدي إلى إطالة الحبس خارج حدوده الطبيعية، وإلزام جهات التحقيق بتسبيب قرارات الحبس بصورة مفصلة قابلة للمراجعة القضائية الجادة.
المدخل الرابع هو مراجعة التشريعات الاستثنائية، وفي مقدمتها قوانين الكيانات الإرهابية وما ترتب عليها من آثار تمس الملكية والتنقل والحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية. الدولة من حقها أن تواجه الإرهاب بكل حزم، لكن الحزم لا يعني تعليق المواطنة أو إضعاف قرينة البراءة أو تحويل التدبير الاحترازي إلى عقوبة ممتدة قبل الحكم النهائي. لذلك يجب إعادة النظر في معايير الإدراج، وضمان حق الدفاع، وتحديد الآثار بدقة، وتوسيع رقابة القضاء، ووضع آليات فعالة للتعويض وجبر الضرر عند الخطأ.
المدخل الخامس هو إصلاح قانون الإجراءات الجنائية. فهذا القانون ليس قانونًا فنيًا يخص المحامين والقضاة وحدهم، بل هو دستور الحرية اليومية للمواطن. من خلاله تعرف الدولة متى تقبض، ومتى تفتش، ومتى تحبس، ومتى تحقق، ومتى تحاكم. لذلك يجب أن يقوم أي تعديل مستقبلي على توسيع ضمانات الدفاع، وحماية حضور المحامي، وتقييد الاستثناءات، وضمان علانية المحاكمات، وتنظيم الأدلة الرقمية، وتحصين الحق في الطعن، وإعادة التوازن بين سلطة الاتهام وحقوق المتهم.
المدخل السادس هو مواجهة بطء التقاضي بوصفه إنكارًا مؤجلًا للعدالة. لا يكفي أن يكون الحكم عادلًا إذا وصل بعد أن يكون الحق قد مات عمليًا في حياة صاحبه. لذلك نحتاج إلى مشروع وطني لتقليص الزمن القضائي، يبدأ من تحديث قانون المرافعات، ويمر بتبسيط الإجراءات، وينتهي بتطوير منظومة تنفيذ الأحكام. كما يجب التوسع في الوساطة والتحكيم والتسويات البديلة، لا لإضعاف القضاء، بل لحمايته من الغرق في منازعات يمكن حلها بطرق أسرع وأقل كلفة.
المدخل السابع هو العدالة الاقتصادية. فالدولة التي تريد جذب الاستثمار لا تكفيها الحوافز الضريبية ولا الطرق الجديدة ولا المدن الحديثة. المستثمر يسأل أولًا: ماذا يحدث إذا نشأ نزاع؟ فإذا وجد قضاءً بطيئًا أو تنفيذًا متعثرًا أو تشريعات متقلبة، تراجع مهما كانت الفرصة مغرية. لذلك يجب تطوير المحاكم الاقتصادية، وإنشاء دوائر متخصصة للاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا المالية، وتسريع المنازعات الاستثمارية، ونشر الأحكام الاقتصادية المهمة، وربط العدالة الاقتصادية بخطة التنمية الوطنية.
المدخل الثامن هو العدالة الرقمية، لا باعتبارها شاشة جديدة فوق مكتب قديم، بل باعتبارها فلسفة إدارة كاملة. يجب أن ننتقل من رقمنة الأوراق إلى رقمنة دورة العدالة ذاتها: قيد الدعوى، الإعلان، تداول المذكرات، متابعة الجلسات، الأرشفة، البحث في السوابق، وتنفيذ الأحكام. لكن هذا التحول يجب أن يحترم استقلال القاضي وخصوصية البيانات، وأن يستخدم الذكاء الاصطناعي في الدعم الإداري والبحث القانوني لا في إصدار الأحكام أو استبدال الضمير القضائي بالخوارزمية.
المدخل التاسع هو حماية المحاماة. فالمحامي ليس زائرًا في ساحة العدالة، بل أحد أركانها. ولا معنى لمحاكمة عادلة إذا كان الدفاع مقيدًا أو مرهقًا أو محاصرًا في الوصول إلى موكله أو ملفه أو حقه في المرافعة. لذلك يجب تعزيز حصانات المحامي المهنية، وتسهيل عمله أمام جهات التحقيق والمحاكم، وضمان حقه في الاطلاع والتواصل، وإعادة الاعتبار لدوره بوصفه شريكًا أصيلًا في كشف الحقيقة لا عائقًا أمامها.
المدخل العاشر هو تطوير التعليم القانوني والتكوين القضائي. فلا يمكن أن نبني عدالة حديثة بخريجين تعلموا القانون بوصفه نصوصًا محفوظة لا فلسفة حية. كليات الحقوق تحتاج إلى تحديث عميق في المناهج، واللغات، والقانون المقارن، والتكنولوجيا، وحقوق الإنسان، والاقتصاد، والبحث القانوني. كما تحتاج المعاهد القضائية إلى برامج تدريب مستمر للقضاة وأعضاء النيابة والمحامين، لأن القانون اليوم يتغير بسرعة لم تعرفها الأجيال السابقة.
المدخل الحادي عشر هو استعادة مكانة المحكمة الدستورية العليا ومجلس الدولة بوصفهما حصنين من حصون المشروعية. فالمحكمة الدستورية ليست محكمة نصوص فقط، بل حارسة للعقد الأعلى بين الدولة والمجتمع. ومجلس الدولة ليس جهة منازعات إدارية فحسب، بل الضمانة التي تمنع الإدارة من التحول إلى سلطة بلا رقيب. لذلك يجب تعزيز استقلالهما، وتطوير آليات الوصول إلى العدالة الدستورية والإدارية، وضمان تنفيذ الأحكام الإدارية والدستورية بروحها لا بحروفها فقط.
المدخل الثاني عشر هو الشفافية والبيانات. لا يمكن إصلاح ما لا نعرفه بدقة. نحتاج إلى نشر مؤشرات دورية عن أعداد القضايا، ومتوسط زمن الفصل، وأعداد المحبوسين احتياطيًا، ومعدلات تنفيذ الأحكام، وحجم القضايا الاقتصادية، ونتائج الرقابة على أماكن الاحتجاز. هذه الأرقام لا تضعف الدولة، بل تقويها، لأنها تنقل النقاش من الانطباع إلى المعرفة، ومن الشكوى العامة إلى الإصلاح القابل للقياس.
المدخل الثالث عشر هو العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية. فإصلاح العدالة لا ينفصل عن علاج آثار سنوات طويلة من الاستقطاب والتضييق والمظالم السياسية والحقوقية. لا أدعو إلى فتح أبواب الثأر، ولا إلى نسيان سهل يطلب من الضحايا الصمت. أدعو إلى مسار وطني عاقل يقوم على الحقيقة، وجبر الضرر، ومراجعة ملفات الحبس والقيود السياسية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. فالأوطان لا تتصالح بالإنكار، بل بالعدل.
هذه الخريطة لا تكتمل دون إرادة سياسية واضحة. فالقوانين وحدها لا تصلح المؤسسات إذا غابت الإرادة التي تحميها. والإرادة هنا لا تعني بيانًا رسميًا أو لجنة عابرة، بل تعني إعلانًا وطنيًا بأن إصلاح العدالة أولوية من أولويات الدولة حتى 2030، وأنه جزء من الأمن القومي والتنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي لا مجرد ملف قانوني متخصص.
أقترح في هذا السياق إنشاء مجلس وطني مستقل لإصلاح العدالة، يضم قضاة سابقين وحاليين، ومحامين، وأساتذة قانون، وخبراء إدارة قضائية، وممثلين للمجتمع المدني، ويعمل وفق جدول زمني واضح ومؤشرات معلنة، على أن يقدم تقريرًا سنويًا للرأي العام والبرلمان عن تقدم الإصلاح. فالعدالة لا تصلح في الغرف المغلقة وحدها، ولا بالقرارات المفاجئة، بل بالحوار المؤسسي والمعرفة والمساءلة.
كما ينبغي وضع برنامج زمني للإصلاح يمتد حتى عام 2030، يبدأ بملفات عاجلة لا تحتمل التأجيل: الحبس الاحتياطي، ضمانات الدفاع، مراجعة التشريعات الاستثنائية، أوضاع القضاة، رقمنة الإجراءات، وتنفيذ الأحكام. ثم ينتقل إلى الملفات الهيكلية الأعمق: التعليم القانوني، العدالة الاقتصادية، قاضي التحقيق، تطوير النيابة العامة، ومؤشرات الأداء القضائي.
أعرف أن بعض الناس سيقولون إن هذه الخريطة طموحة أكثر مما يسمح به الواقع. وربما قال آخرون إن إصلاح العدالة يحتاج إلى وقت طويل. وهذا صحيح. لكنه سبب للبدء لا للتأجيل. فكل مشروع وطني كبير يبدأ بما يبدو صعبًا، ثم يصبح ممكنًا حين تتوافر الإرادة والرؤية والتراكم. وما لا نبدأه اليوم سنورث أعباءه مضاعفة لمن يأتون بعدنا.
مصر الممكنة التي نتحدث عنها في هذا الكتاب لن تولد من اقتصاد قوي وحده، ولا من إدارة حديثة وحدها، ولا من بنية تحتية واسعة وحدها. ستولد حين يشعر المواطن أن حقه ليس أضعف من نفوذ خصمه، وأن حريته ليست رهينة إجراء استثنائي، وأن كرامته لا تضيع في دهاليز البيروقراطية، وأن المحكمة ليست مكانًا بعيدًا يرهبه، بل بابًا يطمئن إليه.
إصلاح مرفق العدالة هو في النهاية إصلاح للعلاقة بين الدولة والإنسان. فإذا صلحت هذه العلاقة، أصبح القانون لغة مشتركة لا عصا، وأصبحت الدولة قوة حماية لا مصدر خوف، وأصبح المواطن شريكًا في الوطن لا تابعًا له. وهذا، في جوهره، هو معنى مصر الممكنة.
قد لا نملك أن نغير الماضي، لكننا نملك أن نتعلم منه. وقد لا نملك أن نمحو كل ما جرى من إنهاك وعدالة مؤجلة ومظالم معلقة، لكننا نملك أن نفتح طريقًا مختلفًا. طريقًا يعيد للعدالة معناها، وللقضاء هيبته، وللنيابة دورها، وللمحاماة مكانتها، وللمواطن ثقته.
هناك فقط تصبح العدالة مشروعًا وطنيًا لا شعارًا قضائيًا. وهناك فقط نستطيع أن نقول إن مصر لم تكتف بأن تتحدث عن دولة القانون، بل بدأت بالفعل في بنائها.
الحلقة القادمة:
مصر الممكنة 2030 (42)
العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (13)
العدالة والدستور… من النص الميت للضمانة الحية







