مقالات وآراء

د. عبدالفتاح طوقان يكتب: ذكرى وفاة الملك طلال: ٥٤ عامًا من الإرث الوطني والقومي

في السادس من يوليو عام ١٩٧٢ رحل الملك طلال بن عبد الله، ملك الأردن، بعد حياة حافلة بالتحديات والإنجازات. يُعد الملك طلال رمزًا من رموز الوطنية والقومية العربية، حيث سعى جاهدًا لتوحيد الصفوف وتعزيز الهوية العربية.

قصة تلفيق المرض المؤلم

تدور حول وفاة الملك طلال قصة مثيرة تتعلق بمرضه العصبي، الذي زُعم تلفيقًا وزورًا أنه أصابه، مما أدى إلى نقله إلى إسطنبول. يُعتقد أن هذه الخطوة كانت مؤامرة دبرها الشريف ناصر بن جميل وزوجته الملكة زين، بالتعاون مع السفير البريطاني في عمّان، والذي كان في ذلك الوقت هو السير إدوارد سميث. كان الهدف من هذه المؤامرة إزاحة الملك طلال عن العرش واستبداله بشخصية أكثر ولاءً للنفوذ البريطاني.

لقد حان الأوان للكشف والإفصاح عما حدث للملك طلال، من خلال الوثائق البريطانية والأردنية، وكيف تم تلفيق المرض له بعد مرور خمسين عامًا على وفاته.

وأشير هنا إلى محاولة العودة إلى العرش، حيث في خضم هذه الأوقات العصيبة، كان صبحي طوقان، مرافق الملك طلال الخاص وأمين أسراره المؤتمن، يسعى جاهدًا لإعادته إلى الأردن ليعود ملكًا. خريج سكوتلاند يارد وويلفيلد كولدج، عمل صبحي طوقان بجد على تنسيق الجهود مع الزعيم جمال عبد الناصر، الذي كان من أبرز الزعماء العرب في تلك الفترة.

كانت تلك المحاولة، التي أشرف عليها ورتب لها اللواء عبد الفتاح أبو الفضل، وكتب عنها في مذكراته «كنت نائبًا لمدير المخابرات المصرية»، تمثل تحديًا كبيرًا للنفوذ البريطاني في المنطقة، حيث كان الملك طلال يمثل رمزًا لمقاومة التوجهات الاستعمارية. لكن هذه الخطوة لم تكن لتجذب رضا بريطانيا أو الملكة زين، اللذين كانا يرغبان في استمرار الوضع القائم.

وأقصد أن الملك طلال كان ويبقى رمز الوطنية.

وللأجيال التي أغمضت عيونها عن طريق الوطنية ومكافحة الاستعمار وتأسيس الأردن القومي العربي في عهد الملك طلال، وحُجبت عنها المعلومات، ورُفعت صور الملك طلال من كل الأمكنة في تعتيم كامل على أهم حقبات الأردن، نقول لهم إنه كان الملك طلال ملكًا وطنيًا قوميًّا عربيًّا، حيث سعى إلى توحيد السعودية والأردن، وعمل على وضع الدستور الأردني وتطوير المؤسسات الوطنية، مما ساهم في تعزيز الهوية الوطنية الأردنية. كما دعم الضباط الأردنيين الأحرار، ووقف موقفًا قويًا ضد الحاكم العسكري البريطاني للأردن، حيث لم يتردد في مواجهة التعليمات التي أُعطيت له، وخصوصًا تعليمات جلوب باشا، الذي كان يُعرف بأبي حنيك، مما اعتبره الكثيرون بمثابة صفعة لبريطانيا العظمى.

إرث الملك طلال

تبقى ذكرى الملك طلال حية في قلوب الأردنيين، إذ يُعتبر رمزًا للكرامة والتحدي. لقد ترك إرثًا من الوطنية والعزيمة، حيث سعى لتحقيق الاستقلال الوطني وتعزيز الوحدة العربية. وفي ذكرى وفاته، نجدد العهد بمواصلة السير على نهجه في تعزيز الهوية الوطنية الأردنية والعمل من أجل مستقبل أفضل للأردن والأمة العربية.

تظل قصة الملك طلال شاهدًا على التحديات التي واجهها الأردن في فترة من أصعب الفترات، وتذكيرًا بأهمية القيادة الوطنية والشجاعة في مواجهة القوى الاستعمارية.

إن الكشف عن الحقائق حول أكذوبة مرضه وتلفيقه يمثل خطوة ضرورية لفهم التاريخ الأردني بشكل أعمق، ولتقدير الدور البطولي الذي لعبه صبحي طوقان في محاولة إعادة الملك إلى عرشه.

الإفصاح عن هذه الفترة من خلال الوثائق البريطانية والأردنية مهمة بعد خمسين عامًا على وفاته، وهي من مسؤوليات وزارة الخارجية لمتابعتها في لندن من خلال الأرشيف البريطاني، ومن إسطنبول، حيث وُضع في مستشفى للأمراض العقلية وهو كامل العقل والإرادة، مثلما تحدث صبحي طوقان للملكة زين عندما حضرت لزيارته في المشفى، ولم يعجبها حديث طوقان.

وللتاريخ هنا أذكر أن الملكة زين عرضت على صبحي طوقان أن يعود ويتولى منصب وزير الداخلية، ولكن بعد استشارته لعمه سليمان طوقان، الوصي على العرش، نصحه بعدم العودة، وهو ما تكرر عند صدور العفو عن اللاجئين السياسيين في مصر، فعادوا إلا صبحي طوقان، الذي نصحه جمال عبد الناصر بعدم العودة، وبقي هناك في الإسكندرية إلى وفاته عام ١٩٧٦.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى