
نجحت الصين في استعادة صاروخ إطلاق فضائي قابل لإعادة الاستخدام للمرة الأولى، وفق ما أعلنت وكالتها الفضائية، في خطوة كبيرة نحو تحقيق طموحاتها في هذا المجال، وتهدف أساسًا إلى خفض تكاليف الإطلاق واستخدام الصواريخ الفضائية والأقمار الصناعية بشكل كبير.
ويقرّب هذا النجاح من تحدي الهيمنة الأميركية في مجال صواريخ الإطلاق القابلة لإعادة الاستخدام، وهو مجال تحتكره أساسًا شركة «سبايس إكس SpaceX» التابعة لإيلون ماسك، وبدرجة أقل شركة «بلو أوريغن» المملوكة لجيف بيزوس.
وأفادت وكالة الفضاء الصينية أن صاروخًا من طراز «لونغ مارش-10 بي» انطلق في الساعة 12:15 ظهرًا (16:15 ت غ) من موقع الإطلاق في جزيرة هاينان الكبيرة الواقعة في جنوب البلاد، قبل أن يضع قمرًا اصطناعيًا في المدار الأرضي المنخفض (LEO).
وأوضحت أنه جرى بعد ذلك استعادة القسم الأول من الصاروخ، أي الجزء السفلي الذي يوفر قوة الدفع الأولية اللازمة لرفعه عن الأرض، «على منصة بحرية باستخدام نظام التقاط بالشبكة». وبثت قناة «سي سي تي في» العامة لقطات جوية تُظهر مركبة الإطلاق وهي تهبط عموديًا وبشكل مُحكم، قبل أن تستقر برفق داخل إطار مكعّب الشكل على المنصة.
وقالت وكالة الفضاء الصينية إن «هذه المهمة تمثل أول عملية استعادة ناجحة ومُتحكَّم فيها للمرحلة الأولى من صاروخ إطلاق في الصين، فضلًا عن كونها أول عملية استعادة في العالم تتم في عرض البحر باستخدام شبكة». وأضافت أن ذلك يمثل «اختراقًا كبيرًا في تقنيات الصواريخ الصينية القابلة لإعادة الاستخدام».
على عكس صاروخ «فالكون 9» التابع لشركة سبايس إكس، لا يستخدم صاروخ «لونغ مارش-10 بي» قوائم هبوط، بل يعتمد على خطافات للتشبث بشبكة مثبتة على المنصة.
وصُممت معظم صواريخ الإطلاق للاستخدام مرة واحدة، إذ تسقط أجزاؤها عادة في البحر، أو تحترق في الغلاف الجوي، أو يظل حطامها في المدار. ويُعد قسمها السفلي المكوّن الأكثر تكلفة، ولذلك فإن إعادة استخدامه تتيح خفض تكلفة إطلاق الأقمار الاصطناعية والمركبات الفضائية. صُممت صواريخ «لونغ مارش 10» خصيصًا للمهمات المأهولة التي تعتزم الصين إرسالها مستقبلًا إلى القمر.
قراءة استراتيجية
يشهد سباق الفضاء العالمي تحولًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة، لم يعد يقتصر على استعراض القدرات العلمية أو تحقيق الإنجازات التقنية، بل أصبح أحد أهم ميادين التنافس العسكري والاستراتيجي بين القوى الكبرى. وفي هذا السياق، يمثل نجاح الصين في استعادة أحد صواريخها الفضائية القابلة لإعادة الاستخدام خطوة تتجاوز قيمتها التقنية، لتكشف عن تطور نوعي في البرنامج الفضائي الصيني، وعن مسار طويل يهدف إلى تقليص الفجوة مع الولايات المتحدة في أحد أكثر المجالات حساسية خلال العقود المقبلة. فإعادة استخدام الصواريخ لا تعني فقط نجاحًا هندسيًا، وإنما تعني قبل كل شيء خفض تكلفة إطلاق الأقمار الصناعية بصورة كبيرة، وهو العامل الذي غيّر طبيعة سباق الفضاء خلال العقد الأخير. فكلما انخفضت تكلفة الإطلاق، زادت القدرة على إرسال أعداد أكبر من الأقمار الصناعية إلى المدار، وهو ما يمنح الدولة قدرة أكبر على بناء شبكات فضائية متكاملة تخدم الأغراض العسكرية والاقتصادية والاستخباراتية.
وقد كانت الولايات المتحدة أول من أحدث هذا التحول من خلال شركة SpaceX، التي استطاعت عبر الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام خفض تكاليف الإطلاق بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي مكّنها من نشر آلاف الأقمار الصناعية ضمن مشروع Starlink، والذي لم يعد مجرد مشروع للإنترنت الفضائي، بل تحول إلى بنية تحتية استراتيجية أثبتت أهميتها العسكرية في النزاعات الحديثة، وعلى رأسها الحرب الأوكرانية.
واليوم، تسير الصين في الاتجاه نفسه، ولكن بوتيرة متسارعة، إذ تعمل على تطوير صواريخها القابلة لإعادة الاستخدام، بالتوازي مع تنفيذ مشروعات ضخمة لإطلاق آلاف الأقمار الصناعية ضمن شبكات فضائية وطنية، أبرزها مشروع Guowang، في محاولة لبناء منظومة اتصالات فضائية مستقلة قادرة على منافسة الهيمنة الأميركية في المدار الأرضي المنخفض.
ومن الناحية العسكرية، فإن السيطرة على المدار الأرضي المنخفض (LEO) أصبحت تمثل أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين. فهذه الأقمار لا توفر خدمات الإنترنت فقط، وإنما تؤدي أدوارًا عسكرية بالغة الأهمية تشمل الاتصالات العسكرية المشفرة، ونقل البيانات في الزمن الحقيقي، والاستطلاع والمراقبة، والاستخبارات، ودعم أنظمة القيادة والسيطرة، وتوجيه الطائرات المسيّرة والأسلحة بعيدة المدى، بالإضافة إلى توفير بدائل للبنية التحتية الأرضية التي يمكن استهدافها أثناء الحروب. ولهذا، فإن الحديث عن «إغراق المدار المنخفض بآلاف الأقمار الصناعية» لا يمثل مجرد سباق عددي، وإنما يعكس صراعًا على امتلاك البنية الأساسية للحروب المستقبلية. فمن يمتلك الشبكة الفضائية الأكبر والأكثر كفاءة سيكون قادرًا على الحفاظ على تدفق المعلومات والاتصالات حتى في ظل تعرض البنية التحتية الأرضية للتدمير أو التشويش، وهو ما يمنحه أفضلية عملياتية كبيرة في أي صراع واسع.
لكن، هل يعني ذلك أن الصين أصبحت على وشك تجاوز الولايات المتحدة؟ الإجابة العسكرية الأكثر دقة هي: ليس بعد، ولكنها تقلص الفجوة بوتيرة متسارعة. فالولايات المتحدة ما زالت تتصدر العالم في معظم مؤشرات القوة الفضائية؛ فهي تمتلك أكبر عدد من الأقمار الصناعية العاملة، وأكبر شركات الإطلاق التجاري، وأقوى الصناعات الفضائية، كما تحتفظ بتفوق واضح في التكنولوجيا العسكرية المرتبطة بالفضاء، وفي الذكاء الاصطناعي المستخدم لإدارة الشبكات الفضائية، فضلًا عن خبرتها الطويلة في دمج القدرات الفضائية ضمن منظومة العمليات المشتركة للقوات المسلحة.
ومع ذلك، فإن الصين لا تحاول منافسة الولايات المتحدة في مشروع واحد أو برنامج بعينه، وإنما تنفذ استراتيجية شاملة تقوم على الاستثمار طويل الأجل في الصناعة والتكنولوجيا والفضاء والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، وهي قطاعات تُعد الركائز الأساسية للقوة العسكرية خلال العقود القادمة.
ومن اللافت أن هذا الصعود الصيني يتزامن مع انشغال الولايات المتحدة بعدد كبير من الصراعات الدولية. فقد أنفقت واشنطن خلال العقدين الماضيين تريليونات الدولارات في العراق وأفغانستان، ثم دخلت في مرحلة جديدة من الإنفاق العسكري عبر دعم أوكرانيا وإسرائيل، وتعزيز انتشارها العسكري في مناطق متعددة حول العالم، ودخولها في حروب ومواجهات مباشرة مع إيران قد تتجدد في مرحلة لاحقة، وتلك المواجهات تأخذ من الولايات المتحدة جهدًا عسكريًا وماليًا كبيرًا، في حين ركزت الصين بدرجة أكبر على بناء قدراتها الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية والعسكرية بصورة هادئة ومستدامة.
ومن منظور استراتيجي، فإن هذا التباين في الأولويات يمنح بكين فرصة لتقليص الفجوة تدريجيًا، وبسرعة؛ فبينما تُستهلك موارد الولايات المتحدة في إدارة الأزمات والصراعات، توجه الصين نسبة كبيرة من استثماراتها إلى القطاعات التي ستحدد شكل ميزان القوى العالمي خلال العقود المقبلة.
إلا أن الحديث عن اقتراب الصين من «إزاحة» الولايات المتحدة عن موقعها كالقوة المهيمنة عالميًا يحتاج إلى قدر كبير من التحفظ. فالقوة الدولية لا تُقاس بالتفوق في مجال واحد، حتى وإن كان بالغ الأهمية كالفضاء، وإنما هي حصيلة مجموعة متكاملة من عناصر القوة تشمل الاقتصاد، والتكنولوجيا، والقدرات العسكرية، والبحرية، والقواعد العسكرية الخارجية، والنفوذ المالي، والتحالفات الدولية، والقوة الناعمة، والابتكار العلمي.
وفي معظم هذه المجالات، لا تزال الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا نسبيًا ومرتفعًا، وإن كانت الفجوة بينها وبين الصين تتراجع بصورة تدريجية في عدد متزايد من المؤشرات.
ولا يمكن فصل هذا السباق عن الدور المتنامي الذي تلعبه الشركات الخاصة في تعزيز القوة الأميركية، وعلى رأسها شركة SpaceX المملوكة لإيلون ماسك، أحد أبرز الداعمين للرئيس دونالد ترامب خلال الانتخابات الأخيرة. فقد جعل ماسك من الصناعات الفضائية محورًا رئيسيًا لاستثماراته، وأكد في أكثر من مناسبة أن السيطرة على الفضاء، وتطوير الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، ونشر شبكات الأقمار الصناعية الضخمة، تمثل ركائز أساسية للحفاظ على التفوق الأميركي خلال العقود المقبلة. وقد أثبتت الحرب في أوكرانيا، ويقال أيضًا في الحرب الأخيرة على إيران، أن شبكات Starlink لم تعد مجرد مشروع تجاري لتوفير الإنترنت، بل أصبحت جزءًا من البنية التحتية العسكرية الحديثة، الأمر الذي يفسر سعي الصين إلى بناء منظومات فضائية مماثلة لتقليص الفجوة مع الولايات المتحدة في هذا المجال الاستراتيجي.
التقدير العسكري
ما يجري اليوم لا يعني أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة، وإنما يشير إلى انتقال النظام الدولي من مرحلة التفوق الأميركي شبه المطلق إلى مرحلة المنافسة بين قوتين عظميين. وإذا واصلت الصين تحقيق معدلات التطور الحالية في الفضاء والذكاء الاصطناعي والصناعة العسكرية، مع استمرار انشغال الولايات المتحدة بأزمات متعددة، فإن ميزان القوى العالمي قد يصبح أكثر توازنًا خلال العقد المقبل. لكن الحديث عن «إزاحة» الولايات المتحدة أو انتهاء هيمنتها ما زال سابقًا لأوانه؛ فواشنطن لا تزال تمتلك قاعدة تكنولوجية وعسكرية واقتصادية واسعة تجعل المنافسة طويلة ومعقدة، وليست مسألة تُحسم بإنجاز فضائي واحد، مهما كانت أهميته.







