تزييف صور المختفين قسرا في السودان استراتيجية أمنية لضرب استقرار العائلات

تتوسع رقعة الانتهاكات الحقوقية في السودان لتتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً في تزييف صور المختفين قسراً، حيث كشفت تقارير حديثة عن ممارسات أمنية ممنهجة تستهدف تضليل أسر الضحايا وإخفاء الحقيقة. وأكدت مجموعة محامو الطوارئ أن هذه الممارسات لا تكتفي بكونها أداة للخداع، بل تمثل امتداداً مباشراً لجريمة الإخفاء القسري ذاتها، مما يضاعف من وطأة المعاناة النفسية والمعيشية التي تعيشها العائلات، ويهدف بالأساس إلى عرقلة مسارات المساءلة القانونية والتنصل من المسؤولية عن مصير آلاف المفقودين منذ اندلاع النزاع المسلح في منتصف أبريل نيسان 2023.
أساليب التضليل وتفاقم الأزمة
تتبع الجهات الأمنية أساليب ملتوية بإرسال صور مفبركة لأشخاص مختفين قسراً إلى ذويهم، مع إرفاق مزاعم تفيد بوجودهم في مناطق احتجاز بديلة، في محاولة لطمس معالم الجريمة الأصلية. وتترجم هذه التصرفات رغبة واضحة في عرقلة جهود التوثيق وتقويض حق الضحايا وأسرهم في الوصول إلى المعلومات الدقيقة، مما يفتح الباب واسعاً أمام التلاعب بالأدلة وإطالة أمد الإفلات من العقاب. ورصدت الجهات الحقوقية هذه السلوكيات في حالات متعددة، مما يعقد المشهد الإنساني ويزيد من حالة عدم اليقين التي تخيم على أسر المفقودين.
تطالب المجموعات الحقوقية بالكشف الفوري عن أماكن وجود جميع المحتجزين قسراً وضمان تواصلهم مع ذويهم ومحاميهم، مع ضرورة الإفصاح عن الأساس القانوني لأي احتجاز. وتتصدر هذه المطالبات قضية المواطن علي محمد صالح بريمة، الذي تعتقل السلطات الأمنية في مدينة عطبرة منذ 13 أبريل نيسان 2024، حيث تم توقيفه أثناء محاولته مغادرة البلاد برفقة أسرته. وتؤكد التقارير أن اعتقاله بني على اشتباه إثني محض رغم امتلاكه وثائق رسمية، ليتم نقله لاحقاً إلى مقر الفرقة 19 مشاة في مدينة مروي، دون توجيه تهمة واضحة أو عرضه على جهة قضائية.
الانتهاكات الممنهجة وتداعيات الغموض
تستمر معاناة أسرة بريمة، التي تعيش أوضاعاً معيشية قاسية في ظل غياب معيلها المحتجز منذ أكثر من عامين دون إجراءات قانونية، وهو ما يجسد حالة التعسف في الممارسة الأمنية الحالية. وتؤكد المتابعات أن استمرار هذا الاحتجاز يمثل انتهاكاً صارخاً للضمانات الأساسية في القانون الدولي، خاصة وأن المعتقل لم يمثل أمام محكمة أو توجه إليه تهم جنائية تستند إلى أدلة كافية، مما يفرض على السلطات المعنية ضرورة الإفراج الفوري عنه أو تقديم محاكمة عادلة وشفافة.
تتصاعد معدلات الاختفاء القسري في السودان بشكل مقلق، حيث تشير التقديرات إلى وجود نحو 2309 حالة موثقة منذ أبريل نيسان 2023، مع ترجيحات حقوقية بأن الأعداد الحقيقية تتجاوز ذلك بكثير نتيجة لصعوبات التوثيق الميداني. وتتبادل أطراف النزاع الاتهامات بشأن إدارة مراكز احتجاز تفتقر لأدنى المعايير الإنسانية، مثل سجن دقريس في مدينة نيالا، الذي بات رمزاً للاكتظاظ وسوء المعاملة وغياب الرعاية الصحية، وسط تقارير دولية تربط هذه الانتهاكات بجرائم قد ترقى إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية.
تشدد القوانين الدولية على أن حجب المعلومات عن مصير المختفين أو تقديم بيانات مضللة يمثل جوهر جريمة الإخفاء القسري، وليس مجرد إجراء إداري عابر. وتلزم الاتفاقيات الدولية أطراف النزاع، سواء كانت جيوشاً نظامية أو جماعات مسلحة، بمسؤولية تسجيل المحتجزين وضمان سلامتهم، وهو ما يظل غائباً في السياق السوداني الراهن، مما يزيد من تعقيد جهود تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا في ظل واقع أمني غير مستقر يستبيح كرامة الأفراد وحرياتهم.





