تصاعد مؤشرات فرض السيطرة للاحتلال وضم الضفة الغربية عبر توسع استيطاني غير مسبوق

تتسارع وتيرة فرض السيادة وضم الضفة الغربية في ظل تصعيد غير مسبوق في الاعتداءات المنظمة التي ينفذها المستوطنون، مدعومين بغطاء رسمي يهدف إلى إعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية وفرض واقع جديد على الأرض. تشير المعطيات الميدانية إلى تحول نوعي يتجاوز الممارسات التقليدية، حيث وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أكثر من 16 ألف اعتداء خلال النصف الأول من عام 2026، مع إنشاء 42 بؤرة استيطانية رعوية جديدة لتعزيز السيطرة على المناطق الحيوية.
يمثل هذا التصعيد الاستيطاني جوهر التوجه الرسمي الذي يسعى إلى إفراغ المناطق المصنفة “ج” من سكانها الأصليين قسراً. يعكس الواقع الميداني استراتيجية مدروسة لتقطيع أوصال الأرض وفصل التجمعات السكانية عن بعضها البعض، مع تركيز خاص على بادية القدس والأغوار. تهدف هذه الخطط بعيدة المدى إلى خلق كتل جغرافية معزولة تخدم المشروع الاستيطاني الكبير، مما يضع مستقبل التواصل الجغرافي الفلسطيني أمام تحديات وجودية تتطلب تدخلاً عاجلاً يتجاوز التصريحات الدولية التقليدية والمواقف الشكليّة.
هندسة السيطرة والتهجير القسري
تتعدد أدوات السيطرة في المناطق المصنفة “ج” التي تشكل نحو 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، بدءاً من حرق المنازل وسرقة المواشي وصولاً إلى منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم. يوضح المشرف العام على منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو، حسن مليحات، أن الاعتداءات لم تعد عشوائية، بل أصبحت أداة ضغط ممنهجة لدفع السكان نحو الهجرة القسرية. يؤكد مليحات أن المشروع الاستيطاني يسير وفق مخططات دقيقة تحظى بدعم حكومي متكامل، مما جعل الحياة اليومية للفلسطينيين في هذه المناطق جحيماً لا يطاق في ظل غياب أي مساءلة للمعتدين.
يتجاوز المشهد الحالي مجرد التوسع الاستيطاني التقليدي ليدخل في صلب مرحلة “هندسة الضم”، حيث يسعى الائتلاف الحاكم إلى ترسيخ وجوده قانونياً وميدانياً. يشير الخبير في الشأن الإسرائيلي أحمد أبو الهيجاء إلى أن الخلافات الداخلية داخل المؤسسة السياسية في إسرائيل تتركز فقط على آليات التنفيذ وليس على الهدف الاستراتيجي. يعتبر أبو الهيجاء أن كافة الممارسات الراهنة، بما فيها تسجيل الأراضي كأملاك إسرائيلية، تأتي في سياق حسم الصراع وتغيير الحقائق الجغرافية بشكل لا رجعة فيه، مما يضع المنطقة أمام واقع جديد يتطلب استراتيجيات مواجهة شاملة.
الحسم السياسي والواقع الميداني
تكرس القرارات الحكومية الرسمية الصادرة في 8 فبراير/ شباط الماضي حالة الضم الفعلي، حيث سُمح بالاستيلاء على أراضٍ فلسطينية واسعة وتسجيلها تحت مسمى “أملاك إسرائيل”. يأتي هذا القرار تتويجاً لضغوط مكثفة مارسها 14 وزيراً إسرائيلياً ورئيس الكنيست أمير أوحانا في يوليو/ تموز 2025، مطالبين بفرض السيادة فوراً. يثبت هذا الحراك أن ما يجري ليس أحداثاً عرضية، بل استراتيجية دولة تهدف إلى استباق أي حلول سياسية عبر فرض أمر واقع يصعب تفكيكه، وسط انشغال المجتمع الدولي بالأزمات الإقليمية الأخرى.
تؤكد البيانات الميدانية أن الضفة الغربية تشهد منعطفاً خطيراً منذ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حيث سقط 1179 ضحية وإصابة 12 ألفا و666 آخرين، مع استمرار الاعتقالات التي طالت نحو 24 ألف مواطن. تعكس هذه الأرقام تصاعد وتيرة الإرهاب المنظم الذي يستخدمه المستوطنون والجيش معاً لتهيئة الظروف لإعلان الضم الكامل. وبينما تتجاهل القوى الدولية الضغوط اللازمة لوقف هذه العمليات، يستمر المشروع في النمو بوتيرة متسارعة، مما يجعل فرض السيادة وضم الضفة الغربية خياراً استراتيجياً تسعى السلطات هناك إلى استكماله في أقرب وقت ممكن.





