موريتانيا تفتح أبواب الحوار الوطني بعد تسوية الخلاف حول المأموريات الرئاسية

اتخذت القوى السياسية الفاعلة في موريتانيا خطوة استراتيجية مساء الثلاثاء، حيث وقعت وثيقة توافقية تنهي حالة الجمود السياسي وتفتح الطريق واسعاً أمام استئناف جلسات الحوار الوطني الشامل. ويأتي هذا التطور النوعي عقب تجاوز نقطة التوتر الرئيسية التي تسببت في تعليق المسار التحضيري منذ مارس الماضي، وتحديداً بند المأموريات الرئاسية. وتمثل هذه الخطوة انفراجة في المشهد السياسي المتأزم، مما يفتح آفاقاً جديدة للتفاهمات الوطنية بعيداً عن الصراعات التي عطلت العمل السياسي المشترك لفترة طويلة.
خارطة طريق توافقية لإنهاء الأزمة السياسية
اعتمدت الأطراف المعنية وثيقة “الدليل المرجعي لتنظيم الحوار الوطني” كإطار عملي ملزم، وهي الوثيقة التي صاغها منسق الحوار موسى افال في يونيو الماضي لضمان انسيابية المسار. وتضمنت الوثيقة 8 محاور استراتيجية تشكل خارطة طريق لإنقاذ العمل السياسي الوطني. وجاء هذا الاتفاق تتويجاً لتوافقات جرت في نواكشوط، حيث وقع عن صف المعارضة كل من حمادي ولد سيدي المختار رئيس حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية، ومحمد ولد مولود رئيس حزب اتحاد قوى التقدم، بينما وقع عن أحزاب الأغلبية محمد ولد بلال رئيس حزب الإنصاف الحاكم.
تجاوزت الأطراف السياسية عقبة كبيرة تمثلت في حذف بند المدد والمأموريات الرئاسية من مسودة الحوار، بعد أن كانت نقطة خلاف جوهرية. وتخوفت المعارضة سابقاً من أن يكون إدراج هذا البند ذريعة لتعديلات دستورية تتيح ولاية ثالثة، وهو ما يعارض الدستور الذي يحدد الرئاسة بعهدتين فقط. وبناءً على ذلك، تراجع حزب الإنصاف الحاكم عن إصراره السابق، مما أدى إلى نزع فتيل الأزمة وإعادة بناء الثقة بين الفرقاء الموريتانيين. ويسعى هذا التوافق إلى توجيه بوصلة العمل نحو قضايا المنظومة الانتخابية وتطوير المؤسسات بعيداً عن التجاذبات التي أعاقت المسار سابقاً.
سياق الأحداث والرهانات المستقبلية
أكد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في دعوته السابقة على ضرورة عقد حوار جامع يتسم بالمسؤولية والترفع عن المكاسب الشخصية والحزبية الضيقة. وتأتي هذه التطورات في ظل ذاكرة سياسية مشحونة، حيث شهدت البلاد في يوليو 2024 انتخابات رئاسية أسفرت عن فوز الغزواني بولاية ثانية مدتها 5 أعوام. ورغم وقوع احتجاجات أسفرت عن مقتل 3 متظاهرين آنذاك نتيجة التشكيك في نزاهة الاقتراع، إلا أن هذا الحوار يمثل محاولة جادة لترميم الشرخ السياسي وضمان شفافية الاستحقاقات القادمة. وتتطلع القوى الوطنية إلى أن تفضي هذه التوافقات إلى استقرار دائم يعزز من الممارسة الديمقراطية.
تتجه الأنظار الآن نحو الجلسات القادمة التي ستترجم هذه الوثيقة إلى إجراءات عملية ملموسة، وسط ترقب لما ستسفر عنه من نتائج تخدم الصالح العام. وتعد هذه الخطوة مؤشراً على رغبة جميع الأطراف في تجنب المآلات التي أدت إلى تعثر الحوار منذ أبريل الماضي. ومع توقيع الوثيقة، تبدأ مرحلة جديدة تتطلب من الموالاة والمعارضة تكثيف جهودها لترسيخ هذا التوافق وحمايته من أي هزات مستقبلية. إن نجاح موريتانيا في تجاوز هذه الأزمة يعكس قدرة النخب السياسية على تقديم التنازلات الضرورية لمصلحة الوطن، مما يمهد لعهد جديد من التفاهم السياسي الذي يضمن استدامة السلم الأهلي وتطوير النظام الديمقراطي.







