احتجاز جثامين الفلسطينيين استراتيجية إسرائيلية لفرض الضغط وممارسة العقاب الجماعي

كشفت وثيقة صادرة عن منظمة “جيشا” الحقوقية تفاصيل صادمة حول تعمد سلطات إسرائيل احتجاز جثامين ما يزيد عن 100 فلسطيني ممن قضوا داخل معتقلاتها منذ شهر أكتوبر من عام 2023، وذلك في إطار توظيف تلك الجثامين كأداة ضغط مستقبلية. ويؤكد التقرير أن هذه الممارسات التي تتنافى مع القيم الإنسانية والقوانين الدولية تعكس نهجاً ممنهجاً يهدف إلى حرمان العائلات من حقها في وداع ذويها ومعرفة الأسباب الحقيقية وراء وفاتهم، مما يضاعف من معاناة الأهالي في ظل غياب المعلومات الدقيقة.
أوضح التقرير المترجم أن من بين 104 حالات وفاة موثقة داخل السجون، ينحدر 68 ضحية على الأقل من قطاع غزة، وهي أرقام تثير تساؤلات جدية حول ظروف الاعتقال والتعامل مع الموقوفين. وتؤكد المنظمة الحقوقية أن هذا السلوك لا يعدو كونه شكلاً من أشكال العقاب الجماعي المرفوض دولياً، لا سيما في ظل تذرع السلطات الإسرائيلية باستخدام الجثامين كأوراق تفاوضية رغم انتفاء أي مبرر منطقي لذلك في الوقت الراهن وفق المعطيات الميدانية المتوفرة.
تتوسع سلطات إسرائيل في ممارساتها غير القانونية عبر احتجاز جثامين الفلسطينيين، وهو ما وثقه تقرير “انتهاك حرمة الموتى” الذي كشف عن اعترافات صريحة باحتجاز جثامين معتقلين بانتظار صياغة سياسات جديدة تتعلق بالمفقودين والرهائن. وتعتبر هذه الإجراءات عقاباً تعسفياً يستهدف العائلات الثكلى، حيث تفتقر سياسة احتجاز جثامين الفلسطينيين إلى أي غطاء قانوني معترف به، مما يحول الموت ذاته إلى مادة للمساومة السياسية التي تتجاوز كافة الأعراف الدولية والأخلاقية المتعارف عليها.
تشير الإحصائيات المسجلة حتى شهر يوليو من عام 2026 إلى أن إسرائيل تحتجز حالياً أكثر من 9000 فلسطيني تحت ذريعة الحفاظ على الأمن، يتركز غالبيتهم في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتكشف البيانات أن نحو 8 من كل 10 معتقلين محتجزون دون محاكمة فعلية، ودون إدانتهم بأي جريمة قانونية، وهو ما يجسد حالة من التغول الإداري والأمني الذي لا يستند إلى مسوغات قضائية عادلة، بل يعتمد على سياسات الاعتقال المفتوح وتغييب العدالة.
يستعرض التقرير التاريخ الطويل لجيش إسرائيل في تبني سياسة احتجاز جثامين الفلسطينيين، التي شهدت تصعيداً قانونياً في عام 2018 حين أقرت السلطات تشريعاً يمنح الشرطة صلاحيات واسعة للاحتفاظ بجثامين المواطنين من الضفة الغربية والقدس المحتلة. وتُعد “مقابر الأرقام” شاهداً على هذا التاريخ، حيث دُفنت مئات الجثامين في مناطق عسكرية مغلقة، بدلاً من أسمائهم الحقيقية، وبعض تلك الجثامين ما زال محتجزاً منذ عام 1967، مما يمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الموتى وكرامتهم.
تستمر السلطات الإسرائيلية في استغلال أجساد الموتى كأداة للضغط، وهو ما يُعد انتهاكاً جسيماً يضاف إلى سجل طويل من التجاوزات بحق المعتقلين الفلسطينيين. وتؤكد المنظمات الحقوقية أن سياسة احتجاز جثامين الفلسطينيين تتطلب ضغطاً دولياً عاجلاً لوضع حد لهذه الانتهاكات المستمرة التي تمس كرامة الإنسان حياً وميتاً، وتناشد المجتمع الدولي بالتدخل لضمان استعادة الجثامين وتوفير الحقوق الأساسية للأسرى والمعتقلين في كافة السجون الإسرائيلية المنتشرة.
تظل قضية احتجاز جثامين الفلسطينيين جرحاً مفتوحاً يضاف إلى ملفات حقوق الإنسان التي تتجاهلها السلطات الإسرائيلية بشكل متواصل. وتؤكد المعطيات أن الاستمرار في احتجاز جثامين الفلسطينيين لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان وتعميق المعاناة الإنسانية، وهو ما يستوجب تحركاً قانونياً دولياً لإجبار السلطات المعنية على تسليم كافة الجثامين إلى ذويهم لدفنهم بطريقة لائقة وفق التعاليم والقيم الإنسانية والدينية التي تحترم حرمة الموتى في مختلف الظروف والأحداث السياسية والعسكرية.







