تداعيات استخدام الكلور في النزاع المسلح: ثغرات التقرير السوداني تثير غضب واشنطن

تواجه سلطة بورتسودان مأزقاً دولياً متصاعداً بعد تقديمها تقريراً أولياً مشوباً بالتناقضات إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، حول الاتهامات الموجهة للجيش باستخدام مواد محظورة دولياً خلال النزاع المسلح المستمر. وتُشير التقييمات الفنية إلى أن الادعاءات الواردة في التقرير تفتقر إلى المنهجية العلمية والشفافية المطلوبة، مما يفتح باب التساؤلات على مصراعيه حول مدى مصداقية اللجان المشكلة للتحقيق في هذه الانتهاكات الجسيمة، خاصة بعد أن حددت الولايات المتحدة نوع المادة المستخدمة بوضوح لا يقبل التأويل.
تناقضات جوهرية في تقرير بورتسودان
تُثير المعطيات الواردة في التقرير، الذي أعدته “اللجنة الوطنية” المشكلة بقرار من عبدالفتاح البرهان في يونيو/حزيران 2025، شكوكاً بالغة حول نزاهة الإجراءات المتخذة. وتدعي هذه اللجنة عدم العثور على أدلة مادية أو فنية تثبت استخدام السلاح الكيميائي، رغم مضي أكثر من عام على تشكيلها. وتتذرع اللجنة بعقبات لوجستية وتأخر في تبادل المعلومات كأسباب لعدم اكتمال التحقيقات، وهو مبرر يراه مراقبون مراوغة غير مقبولة في قضية ذات طابع جنائي دولي خطير، تتطلب سرعة فائقة في جمع الأدلة والحفاظ على مسرح الأحداث قبل تلوثه أو طمس معالمه.
تتضح الفجوة الكبيرة بين الإعلان الرسمي للجنة وبين الواقع الميداني؛ إذ لم يحدد التقرير تواريخ بدء العمليات الميدانية أو طبيعة الفرق الفنية التي شاركت في الفحص. كما انتقد خبراء حقوقيون غياب التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والامتناع عن طلب أي دعم فني دولي، مما يعزز فرضية تعمد إخفاء الحقائق بدلاً من كشفها. وتُؤكد رحاب المبارك سيد أحمد أن التقرير جاء في حالة من الضعف المفرط، وينطوي على تضارب صارخ بين نفيه لوجود أدلة وبين إقراره باستمرار التحقيقات، وهو ما يضع سلطة بورتسودان في مواجهة مباشرة مع التزاماتها بموجب الاتفاقيات الدولية، ويفتح الباب لمسؤوليات جنائية قد تترتب على القائمين على هذا الملف.
واشنطن تكشف نوع السلاح وتهدد بعضوية المجلس التنفيذي
تتخذ الولايات المتحدة موقفاً حازماً يتجاوز لغة الدبلوماسية المعتادة، حيث أعلنت نيكول شامبين، السفيرة الأمريكية لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، أن التحليلات الفنية المستقلة أثبتت استخدام غاز الكلور كسلاح كيميائي خلال عام 2024. وتعتبر واشنطن أن هذا الفعل يمثل خرقاً صريحاً للمادة الأولى من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، التي تفرض حظراً مطلقاً وغير قابل للتفاوض على هذه الممارسات. وبناءً على ذلك، لوّحت الولايات المتحدة بعدم أهلية سلطة بورتسودان للاستمرار في عضوية المجلس التنفيذي للمنظمة، نظراً لعدم امتثالها الصريح للالتزامات الدولية المفروضة عليها.
تستند الاتهامات الأمريكية إلى قاعدة بيانات واسعة وتقارير فنية دقيقة رصدت وقائع محددة، من بينها حادثة سبتمبر/أيلول 2024 التي وثقتها تحقيقات دولية، حيث تم رصد إلقاء برميلين من غاز الكلور على محيط مصفاة الجيلي النفطية شمال الخرطوم. وتؤكد بيانات مفتوحة المصدر ولقطات مصورة ومصادر فنية متخصصة أن غاز الكلور استخدم بشكل متعمد لإحداث أضرار بشرية وميدانية، مما يُعد سابقة خطيرة في مسار النزاع الدائر منذ أبريل/نيسان 2023. وتؤكد منظمة “هيومن رايتس ووتش” في هذا السياق أن تحويل المواد الكيميائية الصناعية إلى أسلحة حربية يمثل تهديداً مباشراً للسلم والأمن، ويستوجب تحركاً دولياً لضمان عدم إفلات المتورطين من العقاب.
يتضح جلياً أن محاولات سلطة بورتسودان للالتفاف على التزاماتها الدولية عبر تقارير تفتقر إلى الحد الأدنى من المهنية لن تجدي نفعاً في ظل وجود أدلة دولية متماسكة. ومع استمرار الضغوط، تجد سلطة بورتسودان نفسها في عزلة متزايدة، حيث أصبحت مسألة امتثالها للاتفاقية الدولية اختباراً حقيقياً لمستقبل وجودها ضمن المؤسسات الدولية المعنية بحظر انتشار الأسلحة الفتاكة. إن غياب الشفافية في تقريرها الأخير لا يغلق ملف الاتهامات، بل يفتح آفاقاً أوسع لمساءلة دولية قد تُغير من مسار التعامل مع هذه القضية في الشهور القادمة.






