د. أيمن نور يكتب: الدولة التي تخاف من مواطنيها لا عدل فيها . مصر الممكنة 2030 (44) العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (15)

قليل من الكلمات تعرّضت في تاريخ السياسة العربية لما تعرّضت له كلمة «الحرية». فقد استُخدمت أحيانًا كشعار، وأحيانًا كاتهام، وأحيانًا كترف فكري، وأحيانًا كخطر يجب التحوط منه. لكن الحقيقة التي تعلمتها من دراسة القانون، ومن العمل السياسي، ومن التجربة الإنسانية المباشرة، هي أن الحرية ليست شعارًا سياسيًا، بل هي المعيار الحقيقي الذي يمكن من خلاله قياس ثقة الدولة في نفسها وثقة المجتمع في دولته.
الدولة القوية لا تخاف من الحرية، لأنها تعرف أن شرعيتها لا تقوم على الخوف بل على الرضا. أما الدولة القلقة فتتعامل مع الحرية باعتبارها تهديدًا محتملًا، ومع الرأي المختلف باعتباره أزمة، ومع النقد باعتباره خصومة. ومن هنا تبدأ العلاقة المضطربة بين السلطة والمجتمع، وهي العلاقة التي تدفع العدالة غالبًا ثمنها الأكبر.
خلال سنوات طويلة من العمل العام، كنت أراقب كيف يتحول الخلاف السياسي في بعض الأحيان إلى ملف أمني، وكيف يتحول الرأي إلى شبهة، وكيف تتحول المعارضة إلى اتهام يحتاج إلى دفاع. وفي كل مرة كنت أعود إلى السؤال ذاته: ما الذي يجعل دولة ما مطمئنة إلى تعدد الأصوات، بينما تنظر دولة أخرى إلى التنوع نفسه باعتباره مصدر قلق؟
الإجابة في جوهرها ليست سياسية فقط، بل قانونية ودستورية أيضًا. فالدولة التي تثق في مؤسساتها وفي شعبها وفي دستورها لا تحتاج إلى تضييق مساحات الحرية، لأنها تدرك أن القانون وحده كفيل بضبط المجال العام. أما حين تتراجع هذه الثقة، تبدأ الرغبة في إدارة المجتمع بالأدوات الاستثنائية بدلًا من الأدوات الطبيعية.
العدالة هنا تصبح أكثر من مجرد محاكم وأحكام. تصبح الضمانة التي تجعل الحرية ممكنة. فالمواطن لا يشعر بالأمان لأنه يملك حقًا مكتوبًا في الدستور فقط، بل لأنه يعرف أن هناك قاضيًا يستطيع أن يحمي هذا الحق إذا تعرض للانتهاك. ولهذا فإن الحرية والعدالة توأمان لا يعيش أحدهما طويلًا دون الآخر.
التجارب الإنسانية الكبرى تؤكد هذه الحقيقة. فالديمقراطيات المستقرة لم تصل إلى ما وصلت إليه لأنها ألغت الخلاف أو منعت المعارضة أو أخضعت المجال العام بالكامل، بل لأنها بنت مؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف داخل إطار القانون. وكلما ازدادت قوة المؤسسات، ازدادت مساحة الحرية. وكلما ضعفت المؤسسات، ارتفعت الأصوات التي تطالب بالقيود والاستثناءات.
من المفارقات التي تستحق التأمل أن كثيرًا من الدول التي توسعت في تقييد الحريات باسم الاستقرار انتهت إلى فقدان الاستقرار نفسه. فالحرية ليست نقيض الأمن كما يتصور البعض، بل أحد شروطه الأساسية. والمجتمع الذي يملك وسائل التعبير والتنظيم والاحتجاج السلمي أقل ميلًا إلى العنف من مجتمع تغلق أمامه كل المنافذ المشروعة.
ولهذا كانت العدالة هي الجسر الذي يربط الحرية بالاستقرار. فالقضاء المستقل لا يحمي الأفراد فقط، بل يحمي الدولة أيضًا من أخطاء السلطة ومن اندفاعاتها ومن إغراءات الحلول السهلة. والقاضي الذي ينحاز إلى القانون لا يقف ضد الدولة، بل يحميها من نفسها حين تقترب من تجاوز الحدود التي رسمها الدستور.
لا أخفي أن سنوات السجن والاعتقال والمحاكمات والخصومات السياسية تركت أثرها في رؤيتي لهذه العلاقة. فقد عرفت عن قرب قيمة الحرية حين تُنتزع، وقيمة القانون حين يغيب، وقيمة القاضي المستقل حين يقرر أن يطبق النص كما هو، لا كما يريده أصحاب النفوذ أو السلطة. ولهذا فإن حديثي عن الحرية ليس تنظيرًا سياسيًا، بل جزء من تجربة شخصية عشت بعض فصولها بأثمان لم تكن بسيطة.
أكثر ما تعلمته من تلك التجارب أن الحرية لا تحميها النوايا الطيبة، بل المؤسسات القوية. وأن النصوص الدستورية، مهما كانت جميلة، تظل بحاجة إلى قضاء يحرسها، ومحاماة تدافع عنها، ورأي عام يدرك قيمتها. فالحقوق التي لا تجد من يدافع عنها تتحول مع الوقت إلى نصوص مهملة مهما كانت عظيمة.
ولهذا فإن إصلاح مرفق العدالة لا يمكن أن يقتصر على تحديث المحاكم أو تطوير القوانين أو رقمنة الإجراءات. الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة الاعتبار لفكرة الحرية نفسها، بوصفها قيمة دستورية وإنسانية ووطنية. فالدولة التي تريد أن تدخل المستقبل بثقة يجب أن تتعلم كيف تتعايش مع الاختلاف، وكيف تسمح بالنقد، وكيف تميز بين المعارض والمجرم، وبين الرأي والتحريض، وبين السياسة والجريمة.
مصر الممكنة التي نحلم بها في عام 2030 ليست مصر المتشابهين، بل مصر المختلفين الذين يجمعهم احترام القانون. ليست مصر الصوت الواحد، بل مصر الأصوات المتعددة التي يحميها الدستور. ليست مصر الخوف المتبادل بين الدولة والمجتمع، بل مصر الثقة المتبادلة التي تجعل الحرية جزءًا من الاستقرار لا خصمًا له.
ولهذا فإن العدالة التي نبحث عنها ليست عدالة تعاقب فقط، بل عدالة تحمي. تحمي الحرية قبل أن تحمي السلطة، وتحمي المواطن قبل أن تحمي القرار، وتحمي الدستور قبل أن تحمي التوازنات المؤقتة. فالعدالة في جوهرها ليست قوة الدولة على الناس، بل قدرة القانون على حماية الناس والدولة معًا.
الدولة التي لا تخاف من مواطنيها لا تحتاج إلى أن تراقب كل كلمة، ولا أن تفسر كل اختلاف باعتباره تهديدًا، ولا أن ترى في كل معارضة خصومة وجودية. إنها دولة تعرف أن قوتها الحقيقية تنبع من شرعيتها، وأن الشرعية لا تُبنى بالخوف بل بالثقة، ولا تترسخ بالقوة وحدها بل بالعدل.
لذلك أؤمن أن الطريق إلى مصر الممكنة يمر عبر الحرية كما يمر عبر العدالة، وأن إصلاح مرفق العدالة ليس مشروعًا قانونيًا فقط، بل مشروع لتحرير العلاقة بين المواطن والدولة من ميراث طويل من الشك والخوف وسوء الفهم. وعندما تنجح الدولة في بناء هذه العلاقة الجديدة، تصبح الحرية أكثر أمانًا، وتصبح العدالة أكثر رسوخًا، ويصبح المستقبل أكثر استحقاقًا للأمل.
الحلقة التالية:
مصر الممكنة 2030 (45)
العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (16)
العدالة الممكنة… مصر 2030 كما يجب أن تكون
:::







