مقالات وآراء

أمل رمزي تكتب: نظره أمل.. العدالة الاجتماعية تبدأ من رغيف الخبز

ليس من الحكمة أن تتحول قضية الدعم التمويني إلى معركة بين الحكومة والمواطن، فالدعم في جوهره ليس منحة، وإنما أحد أدوات الدولة لتحقيق العدالة الاجتماعية وحماية الفئات الأكثر احتياجا ، ومن هنا، فإن الإعلان عن استبعاد نحو 850 ألف مواطن من منظومة الدعم التمويني يفرض على الحكومة مسؤولية سياسية وأخلاقية قبل أن يفرض عليها واجبا إداريا، وهو أن تشرح للرأي العام كيف اتُخذ هذا القرار وعلى أي أسس استند، وما الضمانات التي تحول دون المساس بحقوق المستحقين

لا أحد يجادل في أن تنقية بطاقات التموين ضرورة لا تحتمل التأجيل ، فالدولة تتحمل أعباءً مالية ضخمة ومن غير المقبول أن يستفيد من الدعم من لا يستحقه، بينما توجد أسر بسيطة تعتمد على هذا الدعم لمواجهة أعباء الحياة اليومية. لذلك فإن ترشيد الدعم يمثل هدفا وطنيا يتفق عليه الجميع، لكنه لا ينجح إلا إذا اقترن بالعدالة والشفافية والدقة

غير أن ما يثير القلق ليس مبدأ التنقية وإنما آليات تنفيذها ، فالمواطن الذي فوجئ باستبعاده من منظومة الدعم لا يبحث فقط عن إعادة بطاقته، بل يبحث أولا عن إجابة واضحة ، لماذا تم استبعادي؟ وما المعيار الذي على أساسه تم استبعادي ؟ وهل أتيحت لي فرصة مراجعة بياناتي قبل صدور القرار؟ هذه الأسئلة مشروعة والإجابة عنها ليست ترفا إداريا، بل حق أصيل لكل مواطن

الاعتماد على قواعد البيانات أصبح أمرا لا غنى عنه في الإدارة الحديثة، لكن هذه القواعد تظل وسيلة للمساعدة في اتخاذ القرار، وليست بديلا عن التحقق من الواقع ، فقد يمتلك المواطن سيارة يستخدمها في كسب رزقه، أو يظهر دخله في الأوراق بصورة لا تعكس حقيقة أعبائه المعيشية، أو تتغير ظروفه الاقتصادية دون أن تنعكس فورًا في قواعد البيانات. لذلك فإن العدالة تقتضي أن تكون هناك مراجعة دقيقة للحالات التي يثور بشأنها الشك، وأن تُراعى الظروف الإنسانية والاجتماعية عند اتخاذ القرار

ومن هنا فإن الحكومة مطالبة اليوم بإعلان العدد النهائي للمواطنين الذين تم استبعادهم وكشف الأسباب والمعايير التي استندت إليها في ذلك، مع إتاحة هذه المعايير للرأي العام حتى تكون الصورة واضحة للجميع ، كما أن من الضروري تطبيق نظام إنذار مسبق يمنح المواطن فرصة لتحديث بياناته أو تصحيح أي معلومات غير دقيقة قبل وقف الدعم، بدلا من أن يفاجأ بقرار الاستبعاد ثم يبدأ رحلة طويلة لإثبات أحقيته

ولا يقل أهمية عن ذلك تطوير منظومة التظلمات، بحيث تكون سريعة وفعالة، تنتهي إلى قرار واضح خلال فترة زمنية محددة، مع إعادة صرف المستحقات بأثر رجعي لكل من يثبت استحقاقه ، فالعدالة لا تتحقق بمجرد فتح باب التظلم، وإنما بسرعة إنصاف من وقع عليه الضرر نتيجة خطأ في البيانات أو قصور في إجراءات المراجعة ،

لقد أكدت القيادة السياسية في أكثر من مناسبة، أن المواطن البسيط يظل في مقدمة أولويات الدولة، وأن برامج الحماية الاجتماعية تستهدف صون كرامته وتخفيف الأعباء عنه ، ومن هذا المنطلق، فإن نجاح عملية تنقية الدعم لن يُقاس بعدد البطاقات التي تم استبعادها، وإنما بقدرة الدولة على ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، دون أن يُحرم منه مواطن واحد بسبب خطأ إداري أو خلل في قاعدة بيانات.

إن الحكومة مدعوة اليوم إلى مزيد من الشفافية، لأن الشفافية هي الطريق الأقصر إلى بناء الثقة، والثقة هي الضمان الحقيقي لنجاح أي برنامج إصلاحي. أما المواطن، فمن حقه أن يعرف وأن يتظلم، وأن يحصل على حقه كاملا إذا ثبت استحقاقه ، فالعدالة في منظومة الدعم لا تعني فقط استبعاد غير المستحق ، بل تعني قبل كل شيء ألا يُستبعد مستحق واحد دون وجه حق …

حفظ الله مصر

  • المصدر: بوابة الوفد الإليكترونية

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى