
في خطوة غير مسبوقة، قامت جمعية المحامين في أونتاريو، يوم الخميس 16 يوليو 2026، بتعليق رخصة محامية لمدة ستة أشهر، بعد أن تم اكتشاف استخدامها لمواد مولدة بالذكاء الاصطناعي خلال جلسة قضائية تتعلق بقضايا الأسرة والميراث. هذا القرار يمثل المرة الأولى التي تتجاوز فيها جمعية قانونية كندية التوبيخ لتصل إلى تعليق رخصة محامٍ بسبب سوء استخدام الذكاء الاصطناعي في المرافعات القضائية، ويعكس حالة من القلق المتزايد حول استخدام التكنولوجيا في مهنة القانون.
خلفية الحادثة
تدور أحداث القضية حول المحامية ماري هيون-سووك لي، التي عُرفت باسم جي سوه لي، والتي واجهت مشكلة في محكمة أونتاريو العليا. أثناء تقديمها لطلب يتعلق بميراث رجل متوفى، استخدمت لي معلومات مضللة تم توليدها بواسطة الذكاء الاصطناعي، والتي عُرفت لاحقًا بأنها غير موجودة أو غير ذات صلة بالقضية. وقد أشار القاضي فريد مايرز إلى هذه المعلومات الخاطئة، حيث لم تتمكن لي من تقديم مراجع قانونية حقيقية تدعم ادعاءاتها.
الآثار القانونية
سوء استخدام التكنولوجيا، حيث تعكس هذه الحالة المخاطر القانونية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في المرافعات القانونية. فبدلًا من تعزيز دقة المرافعات، يمكن أن يؤدي الاعتماد على المعلومات المولدة بالذكاء الاصطناعي إلى فقدان المصداقية، وحتى تعرض المحامين لعقوبات تأديبية.
وهناك تحديات جديدة تواجه مهنة القانون تتعلق بالتوازن بين استخدام التكنولوجيا والالتزام بالمعايير الأخلاقية. يجب على المحامين أن يكونوا واعين للمسؤولية الملقاة على عاتقهم في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، والتأكد من صحة وموثوقية المعلومات المقدمة.
وبلا شك سيكون هناك تأثير على المحاكمات المستقبلية، إذ قد تؤدي هذه القضية إلى مزيد من التشديد على اللوائح القانونية المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في المحاكم. سيكون من الضروري تطوير معايير جديدة لتقييم ما إذا كانت الأدوات المستخدمة في المحاكمات القانونية موثوقة.
ولكن نتساءل عن الذكاء الاصطناعي ومستقبل المحاماة؟
مع تقدم التكنولوجيا، يزداد الحديث عن إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات القانونية. في هذا السياق، يمكن أن يكون للفيلم الأمريكي بعنوان «الرحمة: حرب الغد»، الذي يضم كريس برات وربيكا فيرجسون، دور في تسليط الضوء على هذا الموضوع. يتناول الفيلم فكرة محاكمة شخص بتهمة القتل، حيث يتعين عليه إثبات براءته خلال 99 دقيقة أو مواجهة عقوبة الإعدام بواسطة الذكاء الاصطناعي.
التحديات الأخلاقية التي يطرحها الفيلم تثير تساؤلات حول مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على اتخاذ قرارات قانونية عادلة، خاصة عندما تكون حياة الأفراد على المحك. هل يمكن لنظام يعتمد على الخوارزميات أن يوفر العدالة؟ وما المخاطر المحتملة؟
لذلك، فإن مهنة المحاماة أمام مرحلة جديدة يجب على المحامين فيها أن يتكيفوا مع هذه التغيرات التكنولوجية. ينبغي أن يتم تعزيز التعليم والتدريب حول كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل أخلاقي وفعال في الممارسات القانونية.
ولكن التساؤل هو: كيفية الاستمرار في عالم المحاماة الحديث؟ وأود مشاركة نقابات المحامين ووزارات العدل في العالم العربي عمومًا، والأردن خاصة، ضرورة ما يلي:
أولًا: التدريب والتأهيل، حيث يجب على المحامين أن يتلقوا تدريبًا شاملًا حول استخدام الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك فهم كيفية عمله وكيفية التحقق من موثوقية المعلومات المقدمة.
ثانيًا: تطوير القوانين، بحيث ينبغي على الهيئات القانونية وضع قوانين واضحة تنظم كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في المحاكم، مما يضمن حماية حقوق الأفراد وحقوق المتهمين.
ثالثًا: تعزيز الأخلاقيات، لأنه من الضروري أن تظل الأخلاقيات مركزية في ممارسة القانون. يجب على المحامين الالتزام بالمعايير الأخلاقية في استخدام التكنولوجيا، لضمان عدم التضحية بالعدالة من أجل الكفاءة.
رابعًا: تجريم الاستخدام الخاطئ والتحايل والتلاعب باستخدام التكنولوجيا.
وأقصد أن حالة المحامية ماري هيون-سووك لي تمثل تحذيرًا للمحامين حول المخاطر المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسات القانونية. في الوقت الذي يسعى فيه العالم نحو دمج التكنولوجيا في الحياة اليومية، يجب أن نتأكد من أن العدالة والمصداقية تظلان محور عملنا. يجب على مهنة المحاماة أن تتبنى الابتكار بحذر، مع الالتزام بالمبادئ الأخلاقية التي تضمن حقوق الأفراد وتحافظ على نزاهة النظام القانوني.
ولعل من المفيد عقد ندوات وحوارات حول هذا الموضوع، خصوصًا أنه على الرغم من الفوائد المحتملة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين الكفاءة وتقليل التكاليف في الممارسات القانونية، فإن المخاطر القانونية المرتبطة به تتطلب تقييمًا دقيقًا وتنظيمًا مناسبًا. من الضروري أن تتبنى مهنة القانون معايير أخلاقية صارمة، وتطوير قوانين واضحة لضمان استخدام هذه التكنولوجيا بشكل آمن وموثوق.







