دراسة: أزمة مضيق هرمز تكشف هشاشة أمن الطاقة في دول آسيان

كشفت دراسة حديثة أن إغلاق مضيق هرمز خلال التصعيد العسكري في المنطقة عرّض دول جنوب شرق آسيا لأزمة طاقة واسعة، وأظهر اعتمادها الهيكلي على واردات النفط والغاز من الخليج، إلى جانب محدودية الاحتياطيات الاستراتيجية وضعف قدرات التكرير في عدد من دول رابطة آسيان.
وأوضحت الدراسة أن نحو 20% من إمدادات النفط العالمية وما يصل إلى 30% من تجارة الغاز الطبيعي المسال تمر عادة عبر مضيق هرمز، ما جعل تعطيل الملاحة فيه أحد أكبر اضطرابات الإمدادات التي شهدها سوق الطاقة العالمي.
وبحسب الدراسة، تراجع متوسط حركة السفن التجارية عبر المضيق إلى نحو 27 رحلة يوميًا مطلع يوليو 2026، مقارنة بنحو 84 رحلة قبل اندلاع الأزمة، بما يعادل نحو 32% فقط من المعدلات الطبيعية.
ورغم التوصل إلى مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في 17 يونيو الماضي لإعادة فتح الممر المائي، فإن حركة الملاحة لم تعد إلى مستوياتها السابقة، في ظل استمرار المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين على السفن إلى نحو ثمانية أضعاف مستويات ما قبل الأزمة.
فاتورة إضافية بالمليارات
تشير التقديرات إلى أن دول آسيان تحتاج إلى نحو 5 ملايين برميل من النفط يوميًا، بينما لا يتجاوز إنتاجها المحلي مليوني برميل، ما يترك فجوة استيرادية تقدر بنحو 3 ملايين برميل يوميًا.
وتسببت الأزمة في ارتفاع تكلفة واردات النفط والغاز لدول الرابطة بنحو 3.36 مليارات دولار شهريًا فوق التقديرات الموضوعة لعام 2026.
وكانت واردات النفط الخام من الشرق الأوسط تمثل نحو 56% من إجمالي واردات دول آسيان خلال عام 2025، فيما بلغ اعتماد المنطقة على واردات النفط نحو 66% في عام 2024.
وتزداد خطورة الأزمة مع اعتماد قطاع النقل في دول الرابطة على النفط لتغطية نحو 90% من احتياجاته، بينما يمثل النفط نحو 42% من إجمالي استهلاك الطاقة النهائي في المنطقة.
تفاوت كبير بين دول آسيان
قسمت الدراسة دول آسيان إلى أربع مجموعات وفق قدرتها الإنتاجية ومصافي التكرير وحجم اعتمادها على الواردات.
وضمت المجموعة الأولى بروناي وماليزيا وإندونيسيا، باعتبارها دولًا تمتلك إنتاجًا محليًا من النفط والغاز، ما منحها قدرًا من الحماية من نقص الإمدادات، لكنها واجهت ضغوطًا مالية بسبب دعم الوقود وارتفاع تكلفة الاستيراد.
وتنتج إندونيسيا نحو 840 ألف برميل يوميًا، إلا أن الاستهلاك المحلي يتجاوز الإنتاج، فيما يغطي احتياطيها الاستراتيجي نحو 23 يومًا فقط. كما خصصت الحكومة نحو 22.5 مليار دولار لدعم الوقود في موازنة 2026، على أساس سعر 70 دولارًا للبرميل، قبل أن تؤدي الأزمة إلى تجاوز هذه التقديرات.
أما ماليزيا، التي تنتج نحو 570 ألف برميل يوميًا، فقد ارتفعت فاتورة دعم الوقود لديها إلى نحو 990 مليون دولار خلال مارس 2026، ما دفع الحكومة إلى خفض حصة الوقود المدعوم للمستهلك من 300 إلى 200 لتر شهريًا.
سنغافورة الأكثر قدرة على الصمود
وضعت الدراسة سنغافورة وتايلاند ضمن مجموعة الدول التي تمتلك مصافي تكرير وبنية تجارية متطورة، لكنها تظل معرضة بشدة لواردات الطاقة الخليجية.
وتعد سنغافورة من أكبر مراكز تجارة وتكرير النفط عالميًا، بطاقة تكريرية تبلغ نحو 1.5 مليون برميل يوميًا، كما تمتلك احتياطيات قادرة على تغطية الطلب المحلي لأكثر من 200 يوم، وهي المدة الأطول بين دول آسيان.
لكن سنغافورة تعتمد على الغاز الطبيعي المسال في توليد أكثر من 95% من الكهرباء، وتحصل على نحو 60% من هذه الإمدادات من قطر، ما جعلها شديدة التأثر بأي اضطراب في منشآت الغاز الخليجية.
وفي المقابل، تمتلك تايلاند احتياطيات وقود تكفي لنحو 95 يومًا، لكنها تعتمد على الخليج في 59% من واردات النفط الخام و28% من واردات الغاز الطبيعي المسال.
وأدت الأزمة إلى ارتفاع تكلفة دعم الديزل في تايلاند إلى نحو 1.5 مليار بات يوميًا، ما دفع الحكومة إلى فرض قيود على تصدير الوقود وإعادة تشغيل محطة فحم متوقفة وتقليل استهلاك المؤسسات الحكومية.
الفلبين تعلن طوارئ الطاقة
وصنفت الدراسة الفلبين وفيتنام باعتبارهما الأكثر تعرضًا بين الاقتصادات الكبرى في جنوب شرق آسيا.
وتستورد الفلبين نحو 98% من احتياجاتها النفطية من الشرق الأوسط، ولا تمتلك احتياطيًا استراتيجيًا حكوميًا، ما دفع الرئيس فرديناند ماركوس الابن إلى إعلان حالة طوارئ وطنية في قطاع الطاقة في 25 مارس 2026.
وتراجعت مخزونات الوقود في الفلبين إلى نحو 45 يومًا، مقارنة بما بين 55 و57 يومًا في بداية الأزمة، بينما تضاعفت أسعار البنزين والديزل، ووصل سعر لتر الديزل إلى نحو 150 بيزو.
وخصصت الحكومة صندوقًا طارئًا بقيمة 20 مليار بيزو، وطبقت أسبوع عمل حكوميًا من أربعة أيام، وأقرت خفضًا إلزاميًا لاستهلاك الوقود والكهرباء يتراوح بين 10 و20% في المؤسسات الرسمية.
وقدرت الدراسة أن استمرار الأزمة قد يدفع ما بين 1.3 مليون و3.1 ملايين فلبيني إضافي إلى دائرة الفقر.
فيتنام تواجه أزمة مصافي ووقود طائرات
تستورد فيتنام أكثر من 80% من نفطها الخام من الكويت، بينما تبلغ نسبة اعتمادها الإجمالية على النفط المستورد نحو 85%.
وتمتلك البلاد مصفاتين بطاقة إجمالية تقدر بنحو 350 ألف برميل يوميًا، إلا أن مصفاة «نغي سون» صممت للعمل أساسًا بالنفط الكويتي، ما جعل استبدال الخام المستخدم أمرًا صعبًا ومكلفًا.
واضطرت الحكومة الفيتنامية إلى خفض رسوم استيراد الوقود، وتعليق صادرات النفط الخام، وتأمين نحو 4 ملايين برميل من مصادر غير خليجية.
كما أدت القيود على صادرات وقود الطائرات من الصين وتايلاند إلى نقص حاد، دفع شركة الخطوط الجوية الفيتنامية إلى إلغاء عشرات الرحلات الداخلية.
تداعيات إنسانية على الدول الأفقر
تواجه كمبوديا ولاوس وميانمار وتيمور الشرقية أخطر التداعيات الاجتماعية، لعدم امتلاكها مصافي تكرير أو إنتاجًا محليًا كافيًا، واعتمادها الكامل على استيراد المنتجات البترولية الجاهزة.
وفي كمبوديا، أغلقت نحو ألفي محطة وقود من أصل 6300 محطة خلال الأسابيع الأولى للأزمة، قبل أن يتراجع العدد إلى نحو 400 محطة مغلقة في منتصف مارس.
ولا تتجاوز احتياطيات كمبوديا من الوقود شهرًا واحدًا، ما دفعها إلى إلغاء الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة على واردات الوقود والاتجاه إلى سنغافورة وماليزيا لتعويض الإمدادات المتراجعة.
وفي لاوس، أغلقت مئات محطات الوقود، وخُفض عدد أيام الدراسة من خمسة إلى ثلاثة أيام أسبوعيًا، مع تعديل أسعار الوقود كل يومين أو ثلاثة بدلًا من مرة واحدة أسبوعيًا.
أما ميانمار، فطبقت نظامًا لتوزيع الوقود وفق أرقام المركبات الفردية والزوجية، وسط مخاوف من تأثير الأزمة على النشاط الاقتصادي والعمليات العسكرية في البلاد.
دعوات إلى احتياطيات وشبكة كهرباء مشتركة
أكدت الدراسة أن أزمة هرمز لم تنشئ هشاشة الطاقة في جنوب شرق آسيا، لكنها كشفت عن مشكلات تراكمت خلال عقود، من بينها ضعف الاحتياطيات واعتماد المصافي على خامات الخليج وتأخر التحول إلى الطاقة المتجددة.
وتسعى دول آسيان إلى رفع حصة الطاقة المتجددة إلى 30% من إجمالي إمدادات الطاقة الأولية، و45% من قدرات توليد الكهرباء بحلول عام 2030.
لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب استثمارات سنوية تقدر بنحو 77 مليار دولار، إلى جانب تطوير شبكات الكهرباء وتعزيز قدرات التخزين والربط الكهربائي بين الدول الأعضاء.
واقترحت إندونيسيا في مايو 2026 إنشاء مركز مشترك للاحتياطيات النفطية لدول آسيان في جزيرة سومطرة، بالتعاون مع ماليزيا وبروناي والفلبين، في خطوة قد تمثل أكبر تحرك جماعي لتعزيز أمن الطاقة في المنطقة.
وحذرت الدراسة من أن استمرار الإغلاق الجزئي أو المتقطع لمضيق هرمز قد يدفع عددًا من دول آسيان إلى تقنين الوقود وقطع الكهرباء وتوسيع برامج الدعم، بما يهدد بارتفاع معدلات التضخم والفقر والاضطرابات الاجتماعية في المنطقة.







