عدنان الصباح يكتب: البحر الميت يعود إلى الحياة

في البدء لم أعرف الوطن.
عرفت حجرًا.
كان حجرًا أملس، مستلقيًا على بوابة مدرسة حيفا في جنين، كشيخٍ أنهكه انتظار العابرين، وقد اكتفى طوال عمره بجملة واحدة منحوتة على جسده:
“هنا مستوى سطح البحر.”
لم أفهم يومها لماذا يكتب البشر ارتفاع الأرض فوق الماء، بينما لا يكتبون مقدار ارتفاع الإنسان فوق خساراته.
كنت فتى صغيرا، وكنت أصدق كل ما يُكتب على الحجر، لذلك ظللت سنوات أخشى أن يقرر البحر ذات صباح أن يستعيد شيئًا من كبريائه، فيتمدد قليلًا، ويصل إلى مدرستي، فيغسل المقاعد والدفاتر وأصوات المعلمين، ويبتلع الساحة التي تعلمت فيها أول درس كيف يصير الوطن بحرا.
مع مرور الزمن تعلمت من درس الحجر الوطن والبحر الوطن وأدركت جيدا ان البحر كان يريد الوصول إليّ أنا لا الى مدرستي وحجارتها فنحن فقط لا نرى الماء في الحجر ولا الحجر في الماء بينما يرى الأنبياء ذلك تماما كما يراها الوطن، فالإنسان لا يخاف الماء لأنه يغرقه، بل لأنه يكشف له أن كل أرضٍ يظنها ثابتة ليست سوى موجةٍ تأخرت في الانكسار.
كانت جنين أول مدينة أقنعتني أن الخرائط تكذب، لأنها تجعل المدن متجاورة، أما الذاكرة فتجعلها تتوالد داخل بعضها، لهذا لم تكن برقين تبعد عن جنين سوى نبضة، ولم تكن بيروت تبعد عن برقين سوى دمعة، ولم يكن الأسر أبعد من نافذة، ولم يكن المنفى أكثر من غرفة أغلقت بابها على رجلٍ ظل وطنه واقفًا خارجها ينتظر.
وبعد زمن جاءت لبرقين وصنعاء وطهران وحضرت حتى هانوي وهافانا ووجدت القدس تقف على قمم البحار جارة وترابا وذاكرة.
تعلمت مبكرًا أن المدن لا تسكن الأرض، بل تسكن اللغة، ولهذا يستطيع الاحتلال أن يحتل البيوت، لكنه يعجز عن احتلال الاستعارة.
ويستطيع أن يغيّر أسماء الشوارع، لكنه لا يستطيع أن يغيّر الاسم الذي تناديك به أمك.
في برقين، شعرت للمرة الأولى أن المسيح لم يكن يمر من هناك ليصنع المعجزات.
كان يمر ليعلّم الحجر كيف يتذكر.
كل معجزة، في جوهرها، ليست خرقًا للطبيعة.
إنها إعادة الأشياء إلى حقيقتها الأولى.
الأبرص لم يكن يشفى لأن جلده تبدّل.
بل لأنه استعاد صورته في عين الله.
ربما أن الحب هو المعجزة الوحيدة التي لم تتوقف منذ آلاف الأعوام.
كل شيءٍ يموت إذا توقف عن الحب، البحر، الأشجار، الأوطان، والإنسان.
ثم كبرت في الزمن أكثر، لأعرف أن البحر الذي كنت أخشاه لم يكن بحرًا، بل غثاء السياسة، حين تفقد أخلاقها، تصبح ماءً ميتًا، لا يروي أحدًا، ولا يعكس وجه السماء، ولا يسمح حتى للأسماك أن تموت فيه بكرامة، يقتلون النهر، ثم يتهمون البحر بالجريمة، يغلقون الينابيع، ثم يعلنون أن الصحراء قدر.
يسرقون الحكاية، ثم يكتبون في كتب التاريخ أنهم وجدوا الأرض بلا ناسها، دون ان يكتبوا كيف كانت اذن
ومن يومها، لم أعد أصدق أن الاحتلال يحتل الأرض، فلا يمكن احتلال الحجارة والدروب والبحار القادمة من أطراف الجبل عبر قيعان الأنهار الى القاع الأكثر رسوخا في الأرض قبالة السماء.
إنه يحتل العلاقة بين الإنسان وأرضه باغتيال الذاكرة، يحتل اللغة التي تقول “هذه أمي “، والأغنية التي تقول “هذه قريتي، والطفل الذي يرسم بيته أكبر من العالم، فالاحتلال لا يبدأ بالدبابة، إنه يبدأ حين يقنعك أن ذاكرتك تحتاج إلى إذن عبور.
كلما غادرت جنين، كنت أضع حجرًا صغيرًا عند بوابتها، لا ليعرف الناس أنني مررت من هنا، بل ليعرف المكان أنني سأعود، فالحجارة تحفظ الوعود أكثر مما تحفظها الكلمات، الكلمات قد تخون أصحابها أما الحجر فلا يملك إلا المكان والصبر، ولا يعرف مديات الزمان بنفسه ولنفسه
كنت أكتب في داخلي:
“ذاهبٌ أنا من أول الأرض إلى أقصاها.”
ولم أكن أقصد السفر.
كنت ولا زلت أقصد الحياة.
فالحياة كلها ليست سوى محاولة طويلة للعودة إلى المكان الذي خرجنا منه ونحن نظن أننا غادرناه.
ومع السنوات، بدأت أفهم أن الحب والوطن ليسا حقيقتين مختلفتين، فالحب هو الوطن حين يسكن شخصًا، والوطن هو الحب حين يتسع حتى يصبح شعبًا، ولهذا يخاف المستعمر من العشاق أكثر مما يخاف من الجنود.
لأن الجندي قد يتعب.
أما العاشق فلا يعرف الاستسلام، بل يعيش مقاتلا لأنه لا يعرف كيف يعيش من دون حب، ولهذا أيضًا، كانت فلسطين دائمًا قضية حب، قبل أن تكون قضية سياسة، فمن أحبها، لم يسأل يومًا كم بقي منها، كما لا يسأل الابن كم بقي من أمه بعد المرض، فلا اصير الام بعض ام ولا يقرا الابن بتفاصيله، فلا تفاضل بين عينيه وخطوط كفيه في قلب امه.
اليوم… لما تذكرت ذلك الحجر القديم، لم أعد أقرأ العبارة نفسها، أشعر أنها تغيرت.
أكاد أسمعها تقول لي: هنا يبدأ مستوى الإنسان، فالإنسان لا يقاس بارتفاعه عن سطح البحر.
بل بقدرته على حمل ذاكرته من غير أن تتحول إلى كراهية، وعلى حمل وطنه من غير أن يحوله إلى صنم، وعلى حمل حبه من غير أن يطالبه بالمقابل.
لهذا سأواصل ايماني أؤمن أن البحر الميت سيعود إلى الحياة،
هل تهت أنا فعلا، ام ذهبت انادي البحر كي تشرب غزة ام كي تتفتح شبابيك الورد في جنين ام كي تورق القداسة في دروب القدس وحيطانها
قبل أيام، عاد ذلك الحجر إلى ذاكرتي. ليس لأنني نسيت ما فعلته بريطانيا بفلسطين، بل لأنني أدركت أن الإنسان، حين يهرب من فيضان، يتجه إلى الجبل. لكن الجبال أيضًا ليست دائمًا ملاذًا.
فعندما يصعد الأعداء إلى قلعة الشقيف، وإلى تلال علي الطاهر، ويهبط الذين حسبناهم إخوة من أبوابٍ أخرى، يفيض الليطاني على أطراف السهل، ويضيع الزرع بين الماء والاحتلال. وحين تُقبض منابع المياه في جبل الشيخ، لا يعود البحر الميت يموت وحده، تموت معه القدرة على الحياة، فالبحر لا يطلب المعجزات، بل يطلب أن يصل إليه الماء.
وربما نحن أيضًا.
تذكرت كل ذلك عندما رأيت المحتل يرتدي ثيابنا، ويتحدث بلغتنا، ويجيد تقليد وجعنا، حتى أصبح الموت الذي يغرقنا يبدو وكأنه من صنع أيدينا، يسرقون الأرض، ثم يسرقون الرواية، ثم يسرقون الثياب التي كنا نستر بها ذاكرتنا.
لذلك قررت أن أصعد إلى القدس، كما كان يفعل رهبان البشارة والمهد وكنيسة برقين، لا هربًا من الحياة بل بحثًا عن معنى النجاة، قد كنت أعلم أن أبواب القدس أوصدها المحتل، وأن الطرق إليها لم تعد تقود إليها، فاستبدلت جبالها بتلال رام الله، وأنا أردد في داخلي أن من يتنازل عن حقه مرة، يعتاد التنازل حتى ينسى أن له حقًا.
هكذا بدأت الرحلة من الصفر، من مستوى سطح البحر، إلى قممٍ كنت أظن أنها أقرب إلى السماء، وفي الطريق، لم يكن اللصوص يسرقون المال والتراب، كانوا يسرقون الاتجاه، وكان دوار البحر يرافقني كلما حاولت أن أميز بين من يسرق الوطن، ومن يسرق الطريق إليه، كانوا يحاربونك باسمك، وبلهجتك، وبألوان ثوبك، وبأغاني الزيتون، وبسنابل القمح، وحتى بصوت الحجارة حين تصرخ.
وفي الطريق بين الصعود إلى تلال رام الله، هربًا من فيضان البحر، وبين الهبوط إلى الأغوار، حيث يقف اللص الذي يسرق وطنك ورغيفك معًا، أدركت أنني كنت أصعد في طريقٍ لم يعد هو الطريق، فالطرق أيضًا تُسرق.
وأخطر ما يفعله اللص أنه لا يسرق وجهتك، بل يقنعك أن الطريق التي تسلكها هي الطريق الوحيدة، يعيد رسم الخرائط، ويبدّل أسماء الجهات، حتى تمضي العمر كله مؤمنًا أنك تقترب، بينما أنت تبتعد.
عندها تركض مذعورًا تبحث عن أعدائك، فتكتشف أن بعض الذين احتميت بهم كانوا شركاء في سرقة الطريق، لا لأنهم أخذوا منك الأرض فقط، بل لأنهم أخذوا منك البوصلة.
لقد ذهبت اذن لا للاحتماء من البحر في قمة الجبل بل لادعوا البر الذي اغتالوه ان يعود إلى الحياة، لا عندما تمتلئ أحواضه بالماء، بل عندما تستعيد الينابيع حريتها، وعندما يعود النهر إلى مجراه، وعندما يكف الناس عن عبادة الخرائط التي رسمها الغزاة، ويعودون إلى الإصغاء إلى خرائط الروح.
فالروح لا تخطئ الطريق.
أما اللسان، فكثيرًا ما يحفظ أسماء الأمكنة، وينسى معناها.
حين قررت أن أصعد من مستوى سطح البحر إلى القدس، لم أكن أهرب من الماء، بل كنت أبحث عن اليابسة التي لم تحتلها الخرائط.
كنت أظن أن الطريق يعرفني، وأن القدم التي مشت طفولتها بين جنين وبرقين لا يمكن أن تضل.
لكنني اكتشفت أن الأعداء لا يحتلون البلاد فقط.
إنهم يعيدون رسم الطريق إليها.
يبدّلون الجهات، ويغيّرون أسماء التلال، ويقيمون خرائط جديدة لا لتدل الناس على الأمكنة، بل لتمنعهم من الوصول إليها. يتركون لك اللافتات، ويسرقون المعنى. يتركون لك الطريق، ويسرقون الوجهة.
وحينها لا تعود تهتدي بالبوصلة، لأن البوصلة لا تخطئ، بل لأن الشمال نفسه أصبح أسيرًا.
كنت أصعد نحو القدس، فإذا بي أهبط إلى الأغوار.
وكلما ظننت أنني اقتربت من الجبل، اكتشفت أنني أدور حول البحر الميت.
هناك فهمت أن التيه ليس أن تجهل الطريق، بل أن تعرفه، ثم تكتشف أن أحدًا مر قبلك، ومحا آثاره، ورسم فوقه طريقًا آخر يشبهه حتى الخداع.
ومنذ تلك اللحظة، لم أعد أخاف اللص الذي يسرق الأرض، بل الذي يسرق الخريطة، فالذي يسرق الأرض قد يُهزم، أما الذي يسرق الطريق إليها، فإنه يتركك تمشي العمر كله، مؤمنًا أنك تقترب، بينما أنت تبتعد، حين تعتاد الابتعاد، تتوقف عن السؤال، وحين تتوقف عن السؤال، تموت البوصلة.
ولا يموت البحر وحده.
يموت الإنسان أيضًا.
لهذا لم يكن البحر الميت ينتظر الماء.
كان ينتظر أن نكف عن الإيمان بالخرائط التي رسمها الغزاة.
فالخرائط ليست الأرض.
والطريق ليس الخط الذي ترسمه اليد على الورق.
الطريق هو ما تتذكره الروح، ولو محوا كل العلامات.
ولهذا وحدها الروح لا تتيه.
أما الذين ينسون خرائطها، فيظلون يسيرون، وقد لا يصلون أبدًا.







