
الساعة التاسعة صباحاً غرفة اجتماعات باردة في الدور الرابع تكييف يئن، وطاولة خشب طويلة عليها زجاجات مياه لم يلمسها أحد، وأوراق مطبوعة على عجل.
المدير يجلس وأمامه ملف سميك طلب بسيط لتطوير خدمة إلكترونية للمواطنين كان من المفترض أن القرار يأخذ عشر دقائق.
“فكرة ممتازة، بس لازم نعرضها على الشؤون القانونية”، يقول الأول “والأمن كمان لازم يبص”، يضيف الثاني يهمس الثالث: “يا فندم، الموضوع ده محتاج موافقة جهة سيادية، أحسن بلاش نوجع دماغنا”.
ساعتان من الكلام الدائري “نحتاج دراسة أعمق”، “لحين وضوح الرؤية”.
ثم تأتي الجملة المقدسة التي تُنهي كل اجتماع في مصر “شكّلوا لجنة لدراسة الموضوع”.
يخرج الجميع مرتاحين لا أحد أخذ قراراً، فلا أحد سيُحاسب.
هذا المشهد لا يحدث في وزارة واحدة هو يحدث كل يوم في كل سراي صغيرة في مصر.
مركزية تخنق.. حتى زر النور بقرار مركزي أول قاعدة في مطبخ القرار المصري لا أحد يقرر إلا الكبير والكبير مشغول جداً.
مدير المدرسة لا يستطيع نقل سبورة دون الرجوع للإدارة.
رئيس مجلس المدينة لا يجرؤ على رصف شارع دون إشارة المحافظ.
والمحافظ ينتظر مكالمة من القاهرة.
الموظف الذكي في عرف السراي هو الذي لا يمضي والمدير الناجح هو الذي لا يرفض ولا يوافق، بل “يعرض الأمر”.
النتيجة؟
آلاف الملفات نائمة في الأدراج ليس لصعوبتها، بل لأن لا أحد يملك الشجاعة لكتابة كلمة “موافق”.
مطبخ بسبعة طباخين
لو كانت المشكلة مركزية فقط لهانت لكن المطبخ المصري فيه ظاهرة أغرب تعدد الطباخين على نفس الحلة.
نفس المشروع يمر على عشر جهات جهة سيادية توافق، وجهة رقابية تعترض، وجهة أمنية تتحفظ كل جهة تملك ختماً وحق فيتو غير مكتوب.
هذا التعدد لا يخلق رقابة، بل يخلق فوضى منظمة.
الكل مسؤول نظرياً، فلا أحد مسؤول فعلياً وهنا يولد الفساد، ليس حباً في الفساد، بل كمحاولة يائسة لتجاوز مطبخ مزدحم بلا شيف عمومي.
غياب المعلومة والخوف من المبادرة حتى لو اتفق الطباخون، يبقى مكون يفسد أي طبخة غياب المعلومة.
المعلومة في السراي ليست حقاً، بل امتياز يُمنح بالقطارة.
الموظف يخفي المعلومة حتى لا تُستخدم ضده والمسؤول لا ينشر الرقم حتى لا يُسأل عنه.
معادلة السراي واضحة
مبادرة = مخاطرة = جزاء محتمل، بينما صمت = سلامة = ترقية.
فلماذا يبادر أحد؟
مفتاح الغرفة 3 حلول عملية
أولاً تفويض حقيقي ومكتوب خريطة صلاحيات واضحة .
مدير المدرسة يقرر في مدرسته، ومدير المستشفى في مستشفاه، والمحافظ يملك ميزانية حقيقية.
حين يعرف الموظف أن توقيعه له قيمة ومحمي بالقانون، ستنتهي ثقافة “العرض على معاليه”.
ثانياً مطبخ واحد بوصفة واحدة منصة رقمية موحدة وشفافة لأي ترخيص أو مشروع، بزمن محدد ومسؤول محدد.
المواطن يدخل فيرى خطواته ومن المسؤول ولماذا تعطلت لا مجال للاختفاء خلف المكاتب.
ثالثاً حصانة المبادرة وإتاحة المعلومة قانون يحمي الموظف المبادر الذي يجتهد ويخطئ بحسن نية، وقانون إتاحة معلومات حقيقي يجعل البيانات العامة حقاً للجميع.
الخوف لا يُعالج بالخطب، بل بالحماية القانونية.







