تصفية العمالة بـ الشرقية للدخان: هل تغلغل الاستثمار الإماراتي وراء تقليص القوة البشرية؟

شهدت القوى العاملة داخل كبرى قلاع صناعة التبغ بالمنطقة تراجعًا حادًا خلال سنوات معدودة، حيث انخفض إجمالي عدد الموظفين من 14 ألف عامل في عام 2011 إلى ما يقارب 2400 عامل فقط بحلول عام 2026. وتكشف بيانات الشركة أن وتيرة التصفية تسارعت بشكل ملحوظ بالتزامن مع العام المالي 2022-2023، وهي الفترة ذاتها التي شهدت استحواذ شركة “جلوبال للاستثمار القابضة” الإماراتية على حصة وصلت إلى 30% من هيكل ملكية الشركة العريقة في البورصة، مما يفتح الباب واسعًا أمام التساؤلات حول العلاقة بين دخول المستثمر الأجنبي وسياسات إعادة الهيكلة الوظيفية القسرية.
كواليس التخارج وتفاصيل تقليص العمالة
انحدر عدد الموظفين من 13052 عاملًا في عام 2021 إلى 11035 في عام 2022، ثم واصل الهبوط ليصل إلى 8921 في عام 2023، وصولًا إلى الرقم الحالي الذي لا يتجاوز 2400 عامل خلال ثلاث سنوات، وهي الأرقام التي وثقتها تقارير داخلية وأكدتها مصادر نقابية مطلعة على كواليس “التخارج الإرضائي”. وتعد هذه الخطوات جزءًا من استراتيجية شاملة تضمنت طرح أصول عقارية ومصانع للبيع بالمزاد العلني في مناطق الجيزة والطالبية والإسكندرية والمنوفية، بالتزامن مع تحول الهيكل القانوني للشركة من قانون قطاع الأعمال العام إلى قانون الشركات رقم 159، ما أدى إلى تغير جوهري في فلسفة إدارة الموارد البشرية.
استحدثت الإدارة نظام “التخارج الاتفاقي الرضائي” كبديل تقني للمعاش المبكر، حيث تفيد الروايات الرسمية بأن العملية تتم بناءً على رغبة حرة للعاملين، بينما تقدم شهادات حية سيناريو مغايرًا يعتمد على الضغوط المتراكمة، مثل تجميد الأجور منذ عام 2018، وتقليص الحوافز، والتهديد بالنقل التعسفي للمناطق النائية، مما دفع شرائح واسعة من العمال إلى قبول مبالغ التعويض المالي خشية فقدان المزايا الوظيفية أو التعرض لسياسات ضغط ممنهجة تستهدف إفراغ المصانع من الكوادر الدائمة لصالح نموذج التوظيف عبر شركات توريد العمالة.
جدل التوريد وعلاقة المستثمر الإماراتي بالإنتاج
اعتمدت الشركة بشكل مكثف على شركات توريد العمالة لتعويض العجز الناتج عن برامج التخارج، حيث تشير المعطيات إلى عودة نحو 1800 عامل من الذين حصلوا على تعويضات “التخارج الإرضائي” للعمل داخل المجمعات الصناعية بعقود سنوية مؤقتة وبامتيازات أقل من العقود الدائمة، وهو ما اعتبره مراقبون وقيادات نقابية استبدالًا للهوية الوظيفية الثابتة بمرونة مؤقتة تخدم أهداف المستثمر الجديد في تخفيض التكاليف التشغيلية وضمان استمرارية الإنتاج دون أعباء تأمينية أو أرباح سنوية مرتفعة.
تؤكد المؤشرات المالية في الوقت نفسه نمو أرباح الشركة بشكل متصاعد، حيث سجلت صافي أرباح بلغ 2.15 مليار جنيه في الربع الأول من العام المالي 2025/2026 مقارنة بـ 1.82 مليار جنيه في الفترة نفسها من العام السابق، وهو ما يعكس تناقضًا صارخًا بين ازدهار الإيرادات وتآكل القاعدة العمالية، حيث تسيطر الشركة على 75% من سوق السجائر وتنتج نحو 100 مليار سيجارة سنويًا عبر مجمعها الصناعي بمدينة السادس من أكتوبر، مستفيدة من اتفاقيات تصنيع دولية لعلامات تجارية عالمية.
تتبنى الإدارة الحالية سياسة قائمة على تحويل عقود العمل من الأنماط التقليدية المستقرة إلى أنماط التعاقد الحر، وهو ما يراه بعض العاملين السابقين فرصة مالية للحصول على سيولة نقدية فورية تتجاوز المليوني جنيه، بينما يراه آخرون تفكيكًا متعمدًا للحقوق العمالية، ومع استمرار صمت الشركة تجاه هذه التساؤلات، تظل حكاية تقليص عمال الشرقية للدخان لغزًا يربط بين خصخصة أجزاء من الكيان الصناعي وواقع القوى البشرية.







