شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: الأناني… لا ينجو وحده بل يغرق مرتين

«لأنني أعرف ضعفه، وأدرك حجم ما تعرض له من ضغوط، لا طاقة لمثله على احتمالها، فقد التمست له العذر، ذلك الذي مدحني يومًا مدحًا يطاول الجبال، ثم انقلب يذمني بانحدار تعافه حتى الكلاب. فالإنسان قد يضعف، يخاف، ينكسر. لكن ما لا أعذره فيه، أن يحاول بعد نجاته أن يقتل الحقيقة، ويجعل من الزور وطنًا بديلًا، ومن الكذب شهادة ميلاد.»

ليست هذه الكلمات عن رجل بعينه، ولا عن خصومة شخصية، ولا عن خلاف عابر بين اثنين. إنها محاولة لفهم ذلك النوع من البشر الذي ينجو بجسده، ثم يقضي بقية عمره يبحث عن نجاة أخرى لضميره. يهرب من الموقف، ثم يعود إليه متخفيًا في هيئة شاهد، ويغادر المعركة، ثم يكتب تاريخها، ويترك رفاقه وسط النار، ثم يطالبهم بالتصفيق لأنه عرف طريق الباب الخلفي.

أكثر ما يشجع بعض قائلي الزور أننا لا نحب أن ننزل إلى مستواهم. يظنون أن الترفع عن الرد عجز، وأن الصمت اعتراف، وأن امتناعنا عن نشر ما نملك من وقائع ومستندات وأرقام وأوراق وشهادات دليل على أننا لا نملكها أصلًا. وهنا يبدأ الوهم الكبير؛ فليس كل ما لا يقال مجهولًا، وليس كل ما يُستر معدومًا، وليس كل صمت فراغًا. أحيانًا يكون الصمت احترامًا لذاكرة قديمة، أو وفاءً لصحبة مضت، أو رحمة بمن لم تعد لديه القدرة على مواجهة صورته الحقيقية.

غير أن للصبر نهاية، وللستر حدودًا، وللحقيقة أيضًا حقًا في الحياة. فمن يجعل من الكذب مهنة، ومن الافتراء وسيلة، ومن تشويه الآخرين جسرًا يعبر به إلى بر الأمان، لا ينبغي أن يندهش إذا وجد يومًا أن الحقيقة خرجت من صمتها، لا في صورة غضب، بل في صورة ورقة، أو توقيع، أو رسالة، أو رقم، أو شهادة لا تستطيع البلاغة أن تغيرها، ولا الصراخ أن يهزمها.

هنا تبدأ حكاية «النجاة المنفردة». ليست النجاة في ذاتها خطيئة؛ فالخوف غريزة، والحياة حق، والإنسان ليس مطالبًا بأن يلقي بنفسه إلى التهلكة كي يثبت شجاعته. لكن الخطيئة تبدأ عندما تتحول النجاة إلى عقيدة، وعندما يصبح إنقاذ الذات هو القيمة الوحيدة، مهما كان الثمن الذي سيدفعه الآخرون، ومهما كان الخراب الذي سيتركه الإنسان خلفه.

صاحب النجاة المنفردة لا يكتفي بأن يخرج من العاصفة، بل يريد أن يقنع الجميع بأن العاصفة لم تكن موجودة أصلًا، أو أن الذين بقوا داخلها هم سببها. لا يراجع نفسه، بل يعيد كتابة الحكاية. لا يعترف بضعفه، بل يصنع من ضعفه بطولة. ولا يقول: خفت. بل يقول: كنت أكثر حكمة من الجميع.

ليس الخوف هو ما يفسد الإنسان، بل الكذب الذي يأتي بعد الخوف. فهناك من يخاف، ثم يعترف بأنه خاف، فيكبر في أعين الناس. وهناك من يخاف، ثم يقضي بقية عمره يحاول أن يثبت أن الشجعان كانوا مخطئين، وأن الثابتين كانوا مغامرين، وأن الذين دفعوا الثمن لم يكونوا سوى مجموعة من السذج الذين لم يفهموا قواعد اللعبة.

أخطر ما في هذا النمط أنه لا يكتفي بإنقاذ نفسه، بل يحتاج إلى قتل الرموز التي بقيت صامدة، لأن وجودها وحده يفضح اختياره. فكل شجاع يذكره بجبنه، وكل ثابت يوقظ داخله سؤالًا هرب منه طويلًا، وكل سجين يضعه أمام مرآة حاول أن يكسرها بالكلمات.

لذلك يبدأ في صناعة رواية جديدة. يصف المناضل بالمتهور، والمنفي بالفاشل، والصامت بالجبان، ومن بقي يدافع عن مبادئه بأنه باحث عن بطولة زائفة. إنه لا يحاكمهم، بل يحاكم نفسه من خلالهم، ويحاول أن يبرئها بإدانتهم.

المشكلة أن الذاكرة قد تخطئ، لكنها لا تموت. والأوراق قد تغيب، لكنها لا تحترق كلها. والتاريخ قد يتأخر، لكنه لا ينسى بسهولة. ولذلك فإن الذين يكتبون ماضيهم بالحبر السريع يكتشفون، بعد سنوات، أن الحقيقة كانت تكتب بالقلم الرصاص؛ هادئة، لكنها قابلة لأن تظهر من جديد مهما حاول أحد أن يمحوها.

النجاة المنفردة ليست مجرد موقف أخلاقي فردي، بل فلسفة كاملة تقوم على فكرة أن العالم يمكن أن يحترق ما دام بيتي لم تمسه النار، وأن السفينة يمكن أن تغرق ما دام مقعدي ما زال جافًا، وأن انهيار القانون سيصيب الآخرين أولًا، وأن خراب التعليم سيأكل أبناء الفقراء وحدهم، وأن المرض سيتوقف عند أبواب الأحياء الراقية احترامًا لعناوينها.

لكنها معادلة لا تعمل إلا في خيال أصحابها. فالمجتمعات لا تنقسم إلى سفن صغيرة، بل إلى سفينة واحدة. قد يصعد أحدهم إلى الطابق الأعلى، لكن الأساسات واحدة. وقد يشتري بابًا خلفيًا، لكن الحريق لا يقرأ أسماء الملاك، ولا يفرق بين غرفة وأخرى حين يلتهم البناء كله.

لهذا كانت الأنانية السياسية أغبى من الأنانية الفردية. فالسياسي الذي يضحي بالدولة لينقذ موقعه، يشبه رجلًا يثقب قاع السفينة لأنه يملك قارب نجاة. قد ينجو دقائق، لكنه يترك وراءه بحرًا من الخراب لن يجد فيه شاطئًا يعود إليه.

وكذلك المسؤول الذي يؤجل الإصلاح حتى تنتهي ولايته، ويقترض من المستقبل ليحسن صورة الحاضر، ويبيع ما لا يملك كي يبدو ناجحًا في تقرير سنوي، لا يحقق إنجازًا، بل يؤجل الانفجار. يربح صفحة في أرشيفه الشخصي، ويترك وطنًا كاملًا يسدد فاتورة صورته.

والاقتصاد أيضًا يعرف هذا الغباء. عندما تتحول الديون إلى بديل عن الإصلاح، وتصبح الأصول وسيلة لإخفاء العجز، وتؤجل المشكلات عامًا بعد عام حتى لا تظهر في عهد هذا المسؤول أو ذاك، فإننا لا نعالج المرض، بل نغير ساعة قياس الحرارة حتى يبدو الجسد أقل حمى.

حتى العلاقات الإنسانية لا تنجو من هذا المنطق. هناك من ينسحب من مسؤولياته الأخلاقية، ثم يحاول حماية سمعته عبر تشويه من تركهم خلفه. يظن أنه خرج من المشهد بلا خسائر، بينما الحقيقة أنه خسر المكان الوحيد الذي لا يمكن شراؤه: مكانه في ذاكرة الذين عرفوه ساعة الشدة.

لا يختبر الوفاء في لحظات الرخاء، بل في اللحظة التي يصبح فيها البقاء مكلفًا. يستطيع الجميع أن يحبوا في الضوء، لكن القليل فقط يعرفون كيف يبقون حين ينطفئ الضوء، وحين يصبح ثمن الصداقة أو المبدأ أو الكلمة أغلى من كل المكاسب الشخصية.

لا أحد يطلب من الإنسان أن يغرق ليبرهن على إخلاصه، لكن أحدًا أيضًا لا يملك أن يدفع الآخرين إلى الماء ثم يقف على الشاطئ يشرح لهم أخطاءهم في السباحة.

الذين ينجون وحدهم قد يربحون لحظة، أو وظيفة، أو مقعدًا، أو امتيازًا، لكنهم يخسرون شيئًا لا يدركون قيمته إلا متأخرًا؛ احترامهم لأنفسهم. فالضمير الذي يشتري سلامته بثمن الحقيقة لا يهدأ، بل يظل يبحث عن أكاذيب جديدة يسند بها الكذبة الأولى.

ولهذا فإن أكثر الناس حديثًا عن الماضي، هم غالبًا أكثرهم خوفًا منه. يعيدون صياغته كل يوم، ويحذفون منه ما يؤلمهم، ويضيفون إليه ما لم يحدث، لأنهم يعرفون في أعماقهم أن الحقيقة لو بقيت كما هي، فلن يبقى لهم مكان داخلها.

لا يخيفني الذين يكذبون، فالكذب قديم قدم الإنسان. ما يخيفني هو الذين يصدقون أكاذيبهم بعد سنوات من تكرارها. أولئك لم يعودوا يخدعون الآخرين فقط، بل فقدوا القدرة على رؤية أنفسهم، وصاروا يعيشون داخل رواية كتبها الخوف، لا داخل حياة عاشتها الحقيقة.

الدولة التي تسمح لهذا المنطق أن يحكمها، لا تصبح دولة، بل مجموعة من قوارب النجاة الفردية. كل مسؤول ينقذ نفسه، وكل مؤسسة تحمي صورتها، وكل صاحب نفوذ يبحث عن استثناء، بينما السفينة الكبرى تمتلئ بالماء في صمت.

والمعارضة التي تفعل الشيء نفسه لا تختلف كثيرًا. حين يصبح هم بعض قادتها حماية أسمائهم لا حماية القضية، والاحتفاظ بمواقعهم لا الدفاع عن الناس، فإنها تتحول إلى نسخة أخرى من المرض الذي خرجت لمقاومته.

لهذا لا يكون السؤال الحقيقي: من نجا؟ بل: ماذا ترك وراءه وهو ينجو؟ هل ترك وطنًا أقوى، أم مؤسسات أضعف؟ هل ترك رفاقًا أكثر ثقة، أم قلوبًا أكثر مرارة؟ هل فتح بابًا لمن بعده، أم أغلقه وهو يعبر؟

النجاة الحقيقية ليست أن تصل إلى الشاطئ وحدك، بل أن تصل وقد بقي في داخلك ما يستحق أن يعيش. قد ينجو الجسد، لكن الروح التي باعت أصحابها، أو تاريخها، أو مبادئها، لا تصل أبدًا.

بعض الناس ينجون من الغرق، ثم يقضون بقية حياتهم يغرقون في تبرير تلك النجاة.

أما الذين ينجون ومعهم الحقيقة، فلا يحتاجون إلى اختراع رواية جديدة كل صباح، لأن الوقائع، مهما تأخر الزمن، تعرف دائمًا كيف تعود إلى أصحابها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى