مقالات وآراء

د.نزار كريش يكتب: خاتمة حمد ونهاية القذافي

حين يرحل صاحب الرؤية بهدوء، ويغيب صاحب الأيديولوجيا بضجيج.

المقيمون، الأمراء والأعيان، القاصي والداني، يتوافدون لتقديم التعازي واستحضار محاسن الفقيد. رحل الأمير الوالد بهدوء، ورحلت معه مرحلة كاملة من البناء الهادئ، فيما بقيت قطر تسير على الطريق ذاته الذي رسمه قبل أكثر من عقدين، تمضي بسلاسة نحو الرؤية التي حلم بها، كما شهد بذلك كثير ممن عاصره وعرفه.

في المقابل، مات القذافي وهو يتوعّد أهله، مات وهو يقسم بأن يجعل ليبيا “ناراً حمراء”. في أيامه الأخيرة لم يجد إلا أن يتوسّل طالبيه أن يستمعوا إليه وأن يتفاهموا معه. أُطلقت عليه الرصاصات من كل جانب، تُركت جثته مزاراً للشامتين، ودُفن في الصحراء دون أن يُذكر بحسنة واحدة تشفع له أو تشير إلى خاتمة حسنة.

القذافي لم يمتلك رؤية، بل امتلك أيديولوجيا. صاحب الرؤية ينجح في تحقيق حلمه، أما صاحب الأيديولوجيا فيموت وهو يلعن الواقع الذي لم يستجب لأفكاره. هذا درس بالغ الأهمية: كيف ننتقل نحن العرب، معارضةً وحكّاماً، من مساحة الأيديولوجيا إلى صناعة الرؤية؟

الرؤية هنا ليست تلك التي يتحدث عنها أهل الإدارة والسياسة، بل هي حالة نفسية وصفها علماء الإدراك بأنها “الدفق”: ذلك التركيز الفائق الذي يجعل المرء وكأنه يرى المستقبل من وراء حجاب، تلك الروح الوثّابة التي تجعل كل العوائق مجرد تفاصيل طارئة لا تقف أمام الرغبة الجامحة في النجاح والتغيير. حالة الدفق هذه تبدو أنها الطريق الذي سلكه حمد، فانعكس أثرها على محيطه وشعبه. أما صاحب الأيديولوجيا فيسعى لتسويغ الواقع مهما خالف أفكاره، حتى لو كان ذلك سبباً في دمار من حوله، وفي النهاية تتحول أفكاره إلى حالة نفسية من العداء للمجتمع، تلك التي تُسمّى إعلامياً “سيكوباثية”، وفي علم النفس “معاداة المجتمع”.
دعنا نفرّق بين المسارين في سيرة حمد وقصة القذافي.
رؤية حمد
الرؤية ليست خطة تُصاغ في غرف الاجتماعات، بل حلم يوقظ صاحبه، حالة يعيشها الإنسان في الحاضر ويرى المستقبل أمام عينيه.

الأمير حمد امتلك ثلاث قوى أساسية:
قوة الرؤية
رؤية قطر 2030 لم تكن شعاراً، بل إدراكاً مبكراً أن الغاز المسال هو القيمة المضافة لقطر، وأنه المستقبل الذي سيجعلها دولة فريدة لا يمكن تجاوزها في محيطها أو في العالم. سفن الغاز المسال كانت القوة التي منحت قطر وزناً استراتيجياً، خصوصاً في لحظات النزاع مع الجوار. هذه الخطوة نقلت قطر من ناتج قومي لا يتجاوز عشرة مليارات دولار إلى صندوق سيادي يتجاوز ستمائة مليار، ورفعت دخل الفرد إلى أعلى مستوى عالمي.
هذه الأموال لم تُنفق في مغامرات خارجية، ولا في دعم حركات التحرر في نيكاراغوا، ولا في حروب تشاد، بل تحولت إلى مؤسسات منفتحة على الإبداع والتجديد، تؤكد أن المسار كان يتصاعد نحو الأفضل.

قوة السرد

أصرّ الأمير حمد على وجود سرد إعلامي يعكس رؤية قطر، فكانت قناة الجزيرة تجربة فريدة لا تزال جزءاً من التحولات الكبرى في المنطقة. هذا السرد منح قطر قدرة على الحركة بين “الديناصورات السياسية” في المنطقة. تشير وثائق إلى أن القذافي كان يشكو من الجزيرة ويريد إغلاقها، لكن الأمير عرف كيف يروضه حتى ظهر ضيفاً على شاشتها. السرد الجزيري دفع القذافي إلى الحديث عن ثغرات المجتمع الليبي، وعن المقارنة بالغير، وهي المقارنة التي كان يخشاها لأنها بداية الثورة التي انتهت بنهايته.

قوة الشبكة

قطر نسجت شبكة علاقات دولية جعلتها ذات “مركزية بينية” عالية: عقدة قادرة على الربط بين متخاصمين أو متشاكسين. الجميع كان يمر عبر قطر ليرى وجهاً آخر للعالم. حتى القذافي لجأ إليها في أزمات عدة، منها قضية الإيدز التي دفعت فيها قطر تعويضات للضحايا، كما روى عبد الرحمن شلقم وحمد بن جاسم.
هذه القوى لم تكن لتظهر لولا تلك الطاقة التي تجعل الضعيف قوياً، والصغير كبيراً، والمعزول في عزّ وتكاثر.

نهاية الأيديولوجيا

القذافي عاش حياته أسيراً للأيديولوجيا. دعا للاشتراكية، ثم للجماهيرية، ثم للفوضى المنظمة. يُحكى أنه بعد الانقلاب على الملك إدريس، تحدث عن الاشتراكية في مجلس قيادة الثورة، فوقف عمر المحيشي معترضاً: “هل ليبيا بهذه الملايين القليلة تحتاج للاشتراكية؟”. كان هذا بداية العداء للرجل العاقل.

يروي عبد المنعم الهوني أنه زار القذافي في خيمته مع خبير استراتيجي ليبي، فوجداه متكئاً على الأرض بقلمين: الأزرق للمشاريع التي سيختارها من الخطة التي وضعت خلال سنة، والأحمر للمشاريع التي سيلغيها. هكذا ألغى القذافي خطة التنمية، كما أكد محمد المقريف حين عرض تقرير ديوان المحاسبة على المحيشي عام 1973، ليكتشف أن كل تلك المشاريع كانت بروباغاندا لا معنى لها.

تحولت الأيديولوجيا إلى عداء للمجتمع، وإلى حروب خارجية، وعداءات مع تشاد والمغرب والسودان، ودعم للاغتيالات في الخارج. عام 1984 اكتشفت الـCIA أن معظم الاغتيالات التي نفذها القذافي كانت بمسدسات كاتمة للصوت أمريكية، رغم المقاطعة الشديدة. القصة التي انتشرت لاحقاً أن شبكة تهريب أسلحة تعاونت معه عبر عميل سابق في المخابرات الأمريكية، هكذا عاش القذافي في مؤامرات وصراعات ونزاعات، لم يملك الرؤية بل فقد البوصلة تماماً لتحويل ليبيا لدولة عظمى وهذا ليس قدرها الجغرافي، وحار في سرديته بين القومية والإفريقية والأممية والثورية فضاعت معه سردية الوطن ليبيا، وتمزقت شبكة العلاقات بين ليبيا ومحيطها وكان الكل يبغي القضاء عليه، ويتمنى موته.

بين الرؤية والأيديولوجيا

تعلمت المعارضة والحكام في العالم العربي السياسة على أنها يمين ويسار، اشتراكية ورأسمالية، علمانية وإسلام سياسي، دون أن يمتلكوا رؤية جامعة. الأيديولوجيا إطار فكري، لكنها لا تصنع رؤية. الرؤية هي الوعي بالذات وبالمحيط وبالحاضر والمستقبل، عندما عانت ماليزيا من التخلف لم تكن سوى رؤيا مهاتير محمد في كتابه معضلة ماليزيا هي الحل، جلستُ مع مهاتير محمد ذات مرة وسألته عن الأفكار السائدة في المنطقة حول محمد عبده وجمال الأفغاني، فقال ببساطة: “لا أجد ما يقولونه في القرآن” ليس لأن هذا صحيح أو خاطئ، بل لأنه وجد الطريق والسياسات دون ضجيج.
عندما زار زي جونغ رئيس الصين لي كوان يو، أخذه الأخير إلى منطقة حرة جميلة وقال له: “اصنع مثل هذا إذا أردت للصين أن يكون لها وزن في العالم”.هكذا كان سنغافورة وتحولت الصين إلى قوة عظمى خلال أقل من أربعة عقود أي أقل من حكم القذافي. الرئيس الصيني وضع رؤية واضحة حين قال نحن بين التجارة الحرة والهارموني أي بناء علاقات واسعة مع العالم مثل طريق الحرير.

المنطقة بحاجة إلى رؤية يرى الجميع أنفسهم فيها، رؤية حقيقية أشبه (يوريكا) المبدعين حين يقول أحدهم وجدتها. المنطقة بحاجة لفكر يكرر الواقع أو يصفه أو يخمن في مساراته، تحتاج إلى قيادة تعرف أين التشققات لتقود عبر المستقبل، تقولد الجميع المعارضة والموالاة ، الفقراء والأغنياء…رؤية تجعلنا ندرك أننا حضارة قادرة على احتضان الجميع.هذا هو الفارق بين الرؤية والأيديولوجيا بين خاتمة الأمير حمد والعقيد القذافي.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى