
أعلن مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أن القائم بالأعمال الأمريكي لدى ليبيا جيريمي برنت (Jeremy Berndt) سيتولى دورًا إضافيًا مستشارًا أول له للسياسات الليبية، مع استمراره في منصبه الدبلوماسي.
ولا يمنح الإعلان برنت صفة مبعوث أمريكي خاص، كما لم يتضمن وصفًا رسميًا لصلاحياته الجديدة أو إشارة إلى تشكيل فريق تفاوض مستقل. لكنه يضع الدبلوماسي الموجود في قلب الاتصالات الأمريكية مع الأطراف الليبية ضمن فريق بولس مباشرة، في توقيت تحاول فيه واشنطن نقل تحركها من استطلاع المواقف إلى متابعة تفاهمات سياسية واقتصادية وعسكرية متوازية.
ولا يعني توسيع دور برنت أن الصفقة الأمريكية المتداولة أصبحت جاهزة للتنفيذ، لكنه يكشف أن واشنطن لا تريد إبقاء الملف مرتبطًا بجولات بولس وزياراته المتقطعة. فالجولات تستطيع فتح قنوات التفاوض والإعلان عن المبادئ العامة، بينما تحتاج إدارة التفاصيل إلى مسؤول يتابع مواقف القوى الليبية يوميًا، ويقارن تصريحاتها العلنية بما تقبل به داخل غرف التفاوض.
لماذا جيريمي برنت؟
يبدو اختيار برنت منطقيًا بالنظر إلى موقعه داخل البعثة الأمريكية وخبرته المباشرة بالملف. فهو دبلوماسي محترف تولى مهام القائم بالأعمال لدى ليبيا عام 2023، وأصبح حاضرًا في الاتصالات الأمريكية مع المؤسسات السياسية والعسكرية والاقتصادية في الشرق والغرب.
كما رافق بولس في أحدث تحركاته داخل ليبيا، وحضر اجتماعات مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ومسؤولي المؤسسات السيادية والاقتصادية، وشخصيات أمنية وعسكرية، إلى جانب لقاءات أجراها الوفد الأمريكي في مصراتة وبنغازي.
ويمنح هذا الحضور برنت معرفة بالفارق بين ما تعلنه الأطراف أمام وسائل الإعلام وما قد تستعد لقبوله عمليًا، فضلًا عن قدرته على مواصلة الاتصالات بعد انتهاء جولات بولس ومغادرته البلاد.
وبهذا المعنى، قد يتحول برنت إلى حلقة الوصل بين بولس، الذي يقود التحرك السياسي الأمريكي، والبعثة التي تجمع المعلومات وتتعامل باستمرار مع الفاعلين المحليين. وهذه قراءة تستند إلى طبيعة موقعه الجديد، لا إلى صلاحيات تنفيذية أعلنتها واشنطن رسميًا.
من الجولات السياسية إلى المسارات المترابطة
جاء تكليف برنت بعد تحركات أمريكية لم تقتصر على بحث تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، بل شملت الميزانية العامة، واستقلال مصرف ليبيا المركزي، واستقرار إنتاج النفط، والتعاون العسكري، وحماية الحدود، والتحضير للانتخابات.
وخلال اجتماع ضم بولس وبرنت ومحافظ المصرف المركزي ورئيس ديوان المحاسبة ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط، ركز النقاش على تنفيذ اتفاق الميزانية الموحدة، وحماية استقلال المؤسسات السيادية، والمحافظة على استقرار إنتاج النفط، وتعزيز الرقابة على الإنفاق العام.
وبالتوازي، قال بولس إن الخطوات الأمريكية التدريجية لتوحيد ليبيا شملت اعتماد ميزانية وطنية موحدة ومشاركة قوات من مناطق مختلفة في مناورات «فلينتلوك 2026» التي تقودها القيادة الأمريكية في أفريقيا، مؤكدًا أن المبادرة الأمريكية قصيرة المدى يفترض أن تكون مكملة لخارطة الطريق الأممية وليست بديلًا عنها.
هذا التداخل بين السياسة والمال والأمن يفسر الحاجة إلى مسؤول متخصص يتابع الملف بصورة دائمة. فأي تفاهم على توزيع المناصب قد ينهار ما لم يعالج الجهة التي تتحكم في الميزانية، وسلسلة القيادة العسكرية، وموقف التشكيلات المسلحة، وضمانات الانتقال إلى الانتخابات.
ما المهمة الفعلية لبرنت؟
من المبكر وصف برنت بأنه مدير مبادرة بولس أو مهندسها التنفيذي. فالإعلان تحدث عن دور استشاري إضافي، ولم يضعه رسميًا على رأس مسار تفاوضي منفصل.
لكن موقعه المزدوج يمنحه أهمية خاصة. فهو، من جهة، يدير العمل الدبلوماسي الأمريكي المرتبط بليبيا، ومن جهة أخرى أصبح مستشارًا مباشرًا لبولس في السياسات الليبية. وقد تسمح هذه الازدواجية بتقليص المسافة بين التقديرات التي تنتجها البعثة والقرارات التي يتخذها فريق المستشار الرئاسي.
والأرجح أن يتمثل دوره في متابعة الالتزامات التي تقدمها الأطراف، ورصد الاعتراضات المحلية، وتحديد القوى القادرة على تعطيل أي اتفاق، وقياس مدى استعداد الشرق والغرب لتقديم تنازلات تتجاوز الترحيب الدبلوماسي العام.
فالعقبة الأمريكية الأساسية لا تبدو في الوصول إلى القوى المتنافسة، بل في معرفة من يملك القرار داخل كل معسكر، ومن يستطيع تنفيذ تعهداته، ومن يستخدم التحرك الأمريكي للحصول على شرعية أو مكاسب اقتصادية من دون التخلي عن أدوات نفوذه.
مقاربة أمريكية تميل إلى منطق الصفقة
كشفت صحيفة «فايننشال تايمز» أن بولس يعمل على صيغة لتوحيد المؤسسات الليبية، بالتوازي مع تشجيع شركات الطاقة الأمريكية على الاستثمار وزيادة إنتاج النفط. كما نقلت عن أشخاص مطلعين أن التصور المتداول يقوم على تقاسم السلطة بين القوى المهيمنة في الشرق والغرب، باعتباره ترتيبًا قصير المدى يسبق الانتخابات.
ورأى المحلل الليبي عماد الدين بادي أن هذه المقاربة تنسجم مع الطابع التبادلي لسياسة إدارة الرئيس دونالد ترامب، حيث يرتبط تقليل عدم الاستقرار بتهيئة بيئة تسمح بعقد صفقات واستثمارات جديدة.
لكن هذه المقاربة تواجه شكوكًا كبيرة. فقد حذرت كلوديا غازيني، الباحثة في مجموعة الأزمات الدولية، من أن أطراف الشرق لا تقدم خطابًا عامًا يدل على استعدادها للمصالحة أو تقاسم السلطة. كما أشار الباحث في تشاتام هاوس تيم إيتون إلى أن انعدام الثقة سيجعل أي شراكة بين معسكري حفتر والدبيبة شديدة الصعوبة.
وجود برنت داخل فريق بولس قد يساعد في اختبار هذه الشكوك ميدانيًا، لكنه لا يستطيع وحده حل التناقض بين الرغبة الأمريكية في إنجاز اتفاق سريع، وحاجة أي تسوية إلى قبول سياسي واجتماعي يتجاوز الأطراف المسيطرة حاليًا.
خطر تثبيت القوى القائمة
المشكلة الأعمق في المقترح الأمريكي ليست فقط هوية من سيتولى المناصب، بل ما إذا كان الاتفاق سيقود إلى تفكيك مراكز القوة أو إعادة توزيع النفوذ بينها.
فإشراك القوى التي تتحكم في السلاح والمال قد يكون ضروريًا لتنفيذ أي تسوية، لكنه يحمل في الوقت نفسه خطر منحها شرعية جديدة، من دون إلزامها بالتخلي عن أدواتها العسكرية والاقتصادية أو الخضوع لمؤسسات الدولة.
وتزداد هذه المخاوف إذا لم تتضمن المبادرة جدولًا زمنيًا واضحًا للانتخابات، وآلية لتوحيد المؤسسة العسكرية، وضمانات لاستقلال المؤسسات السيادية، وقواعد تمنع استخدام السلطة الانتقالية منصة للاستحواذ على بقية الدولة.
كما أن بقاء تفاصيل المقترح غير معلنة يسمح لكل طرف بتقديم المبادرة لجمهوره بالطريقة التي تخدمه. فالشرق يستطيع قراءتها اعترافًا بنفوذه العسكري، بينما يمكن لقوى في الغرب التعامل معها وسيلة للإبقاء على الحكومة الحالية، في حين تراها قوى أخرى مشروعًا لتكريس حكم العائلات وتأجيل التغيير السياسي.
وتكمن المعضلة هنا في أن القوى القادرة على تنفيذ الاتفاق هي نفسها، في جانب كبير منها، القوى القادرة على إفراغه من مضمونه. فهي تستطيع القبول بتوحيد شكلي للمؤسسات، مع الإبقاء على شبكات القيادة والتمويل والسلاح خارج سلطة الدولة الفعلية.
ومن ثم، فإن نجاح التحرك الأمريكي لن يقاس فقط بقدرته على جمع حفتر والدبيبة أو ممثلي الشرق والغرب حول ترتيبات جديدة، بل بقدرته على تحويل الاتفاق من تفاهم بين مراكز النفوذ إلى مسار يعيد بناء المؤسسات ويقود إلى انتخابات ذات قواعد وضمانات واضحة.
العلاقة مع المسار الأممي
يثير التحرك الأمريكي سؤالًا آخر يتعلق بعلاقته بالعملية التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. فقد أكد بولس أن مبادرته يفترض أن تكون مكملة لخارطة الطريق الأممية، لكن غياب تصور أمريكي مكتوب يجعل الحدود بين المسارين غير واضحة.
فإذا تحول تحرك بولس إلى قناة تفاوض مستقلة تتجاوز المؤسسات والآليات الأممية، فقد يضيف مسارًا جديدًا إلى المسارات المتنافسة التي راكمتها الأزمة الليبية خلال السنوات الماضية. أما إذا استُخدم النفوذ الأمريكي لدفع الأطراف نحو تنفيذ خارطة متفق عليها دوليًا، فقد يمنح العملية السياسية قوة ضغط افتقدتها طويلًا.
وسيكون على برنت، بحكم موقعه داخل البعثة الأمريكية وقربه من فريق بولس، إدارة هذا التوازن الحساس: دعم تحرك أمريكي سريع وعملي، من دون تحويله إلى بديل أحادي عن الأمم المتحدة أو إلى صفقة لا تحظى بقبول ليبي أوسع.
الاختبار الحقيقي
يشير توسيع دور برنت إلى انتقال واشنطن نحو متابعة أكثر انتظامًا للمسار الليبي، لكنه لا يقدم دليلًا على اقتراب الأطراف من اتفاق نهائي.
الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد اللقاءات التي سيعقدها، بل في قدرة الولايات المتحدة على تقديم تصور مكتوب يجيب عن أسئلة محددة: ما شكل السلطة المقترحة؟ وما مدتها؟ ومن يمنحها الشرعية؟ وما علاقتها بخارطة الطريق الأممية؟ وكيف ستُوحّد المؤسسات العسكرية والمالية؟ ومتى تجرى الانتخابات؟
وسيكون مهمًا أيضًا معرفة ما إذا كانت واشنطن ستوسع دائرة المشاورات لتشمل القوى السياسية والاجتماعية والمدن والتشكيلات التي تستطيع رفض الاتفاق أو تعطيله، أم ستكتفي بالتفاوض مع الأطراف الأكثر قدرة على السيطرة الميدانية.
وحتى تتضح هذه العناصر، يمكن النظر إلى برنت باعتباره عين بولس داخل ليبيا وحلقة المتابعة اليومية لتحركه، لا مديرًا لصفقة مكتملة. فالولايات المتحدة تبدو وقد انتقلت من سؤال ما إذا كان الاتفاق ممكنًا، إلى اختبار من يستطيع الالتزام به، ومن يملك القدرة على تنفيذه، ومن سيقاومه عندما يبدأ في تهديد نفوذه.







