تكنولوجيا وذكاء صناعيمصرملفات وتقارير

المنشن الإلكتروني يفرض سلطة الرقابة الجماعية على مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي

يشهد الفضاء الرقمي تحولاً جذرياً في آليات الضبط الاجتماعي، حيث تصاعدت ظاهرة الإشارة “المنشن” لحسابات الجهات الأمنية الرسمية، لتتحول من أداة للإبلاغ عن الجرائم إلى وسيلة لممارسة الوصاية المجتمعية على أنماط الحياة والاختلافات الفردية. ويعكس هذا التوجه رغبة قطاعات عريضة في فرض تصوراتهم الخاصة حول المقبول والمرفوض، مستخدمين ضغطة “المنشن” كآلية استباقية لاستدعاء تدخل السلطة القانونية، مما يعيد تشكيل مفهوم المراقبة في المجتمع، ويجعل من السلوك اليومي العادي مادة للنقاش القانوني والأمني في ظل غياب معايير فاصلة بين حرية التعبير والتجاوز الذي يستوجب المساءلة.

مؤشرات الرصد الرقمي وتأثيرها على المسار القانوني

أظهرت البيانات التحليلية التي رصدتها مؤسسات حقوقية خلال الفترة من إبريل 2025 حتى إبريل 2026، أن الفضاء الرقمي بات المحرك الأول للعمليات الأمنية، حيث بدأت 62.5% من الوقائع التي تمت معالجتها بناءً على رصد محتوى متداول عبر المنصات الرقمية، مقارنة بنسبة ضئيلة لا تتجاوز 5% للبلاغات الرسمية التقليدية. وتوضح هذه الأرقام أن الآلية الأمنية أصبحت تستجيب بفاعلية وسرعة فائقة لنبض التريند، حيث تكتمل الإجراءات القانونية غالباً بعد توالي الإشارات “المنشن” التي تخلق ضغطاً جماعياً يسبق التحريات التقليدية، مما يؤدي إلى سرعة ضبط الأفراد الذين تتصدر مقاطعهم المشهد الرقمي، بغض النظر عن طبيعة المحتوى أو سياقه الاجتماعي أو حتى وجود ضحية حقيقية متضررة من الفعل.

تتجاوز هذه الممارسة حدود الجرائم الجنائية المباشرة كالابتزاز أو التحرش، لتطال المظهر العام وأسلوب الحديث، وهو ما يفسر تحول “المنشن” إلى أداة لتقييم المحتوى الأخلاقي. وتبرز في هذا السياق وقائع استهدفت صناع محتوى لأسباب تتعلق بالرقص أو الإطلالات غير التقليدية، حيث يتم التعامل مع هذه الاختلافات كخروقات تستوجب العقاب بموجب نصوص قانونية فضفاضة تتعلق بالقيم الأسرية وخدش الحياء. ويعتبر خبراء أن هذا المسار يلحق ضرراً معنوياً، خاصة عند نشر صور الأطراف المعنية في بيانات رسمية، مما يساهم في تعميق الوصم الاجتماعي للضحايا وأصحاب الاختلاف على حد سواء، ويجعل من التجربة الرقمية ساحة للمحاكمة العامة قبل صدور أي أحكام قضائية قطعية.

تبعات الوصاية المجتمعية ومستقبل الحريات الفردية

تؤدي هذه الظاهرة إلى خلق مناخ من الترقب والحذر، يفرضه “الأثر التقييدي” حيث يضطر صناع المحتوى والأفراد إلى تعديل سلوكهم أو التخلي عن أفكارهم تجنباً للمساءلة. ويرى متخصصون في علم النفس أن تنامي مشاعر الغضب والإحباط في المجتمع يجد متنفساً في ممارسة السلطة الرقمية على “الآخر” المختلف فكرياً أو شكلياً، بدلاً من الانخراط في حوار عقلاني. وتدعو التوصيات البحثية بضرورة حصر المراقبة الرقمية في الحالات التي ترتبط بجرائم جنائية واضحة وموثقة، مع تقنين استخدام نصوص قوانين تقنية المعلومات والعقوبات لضمان عدم التوسع في تفسيراتها، بما يحمي المجال العام من التحول إلى ساحة للتصفية الأخلاقية، ويحافظ على التوازن بين حماية المجتمع وحماية الحقوق والحريات الفردية التي كفلها الدستور، بعيداً عن ضغوط الآراء الجماعية العابرة التي قد لا تستند إلى أساس قانوني متين أو ضرر مباشر يستحق تدخل أجهزة الدولة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى