مصرملفات وتقارير

ديون النوتة في ميزانية الأسر: كيف تدير شرائح المجتمع أزمات المعيشة

تتصدر “النوتة” مشهد الاستهلاك اليومي في الكثير من المناطق، حيث تحولت هذه الدفاتر البسيطة من وسيلة مؤقتة لتجاوز ضائقة مالية إلى نظام اقتصادي موازٍ تدير به الأسر ميزانيتها الشهرية لمواجهة تحديات ارتفاع تكاليف الحياة. لم يعد الاعتماد على الشراء بالأجل حكراً على ذوي الدخل المحدود، بل اتسع النطاق ليشمل شرائح مجتمعية متنوعة وجدت نفسها مضطرة لتدبير احتياجاتها الأساسية من غذاء ودواء عبر نظام الديون غير الرسمية، وذلك نتيجة الفجوة المتزايدة بين الدخول الثابتة ومتطلبات السوق المتصاعدة.

واقع المعيشة في دفاتر البقالة والصيدليات

يعاني قطاع كبير من المواطنين من تآكل القدرة الشرائية بفعل التضخم، مما دفعهم لتحويل الصيدليات ومحال البقالة إلى جهات تمويلية يومية. يوضح محمد حبيش، مدير صيدلية في قرية الراهبين بمحافظة الغربية، أن الاعتماد على “النوتة” تحول إلى نمط متجذر لدى مرضى الأمراض المزمنة، حيث يضطر الكثيرون منهم لتجزئة جرعاتهم العلاجية أو تأجيل شرائها لحين توفر السيولة. هذا السلوك يهدد السلامة الصحية لهؤلاء المرضى، الذين يجدون أنفسهم أمام خيارات قسرية لتقليل الجرعات أو البحث عن بدائل رخيصة تفتقر لذات الفعالية.

يؤكد عادل محمد، صاحب متجر بقالة في العاصمة، أن حركة البيع باتت تعتمد بشكل شبه كلي على الديون المسجلة في الدفاتر. يشير التاجر إلى أن السيولة النقدية أصبحت نادرة في دورة رأس المال، حيث يظل جزء ضخم من أرباحه ورأس ماله معلقاً في ذمة الزبائن. تفرض هذه الظروف ضغوطاً تشغيلية قاسية على التجار الذين يواجهون بدورهم مطالبات من الموردين بالدفع النقدي، بينما يضطرون للصبر على الزبائن لضمان استمرار النشاط وتجنب فقدان القاعدة الشرائية التي لا تملك خياراً آخر.

ضغوط الديون وتآكل الدخل الشهري

تتفاقم الأزمات الاقتصادية للأسر التي تعتمد كلياً على الدخل الشهري، حيث تستهلك الديون المتراكمة كامل الرواتب بمجرد صرفها. تروي سحر، وهي أم لثلاثة أبناء، أن الدورة الشهرية لأسرتها تبدأ بسداد الديون القديمة وتنتهي بالاستدانة الجديدة، موضحة أن غلاء السلع الأساسية والمنظفات والدواء جعل من “النوتة” الملاذ الوحيد لتدبير متطلبات الحياة اليومية. تشتكي سحر من أن ارتفاع المصاريف التعليمية والمعيشية يضع الأسرة في حلقة مفرغة من الاستدانة الدائمة، حيث أصبح الهم الأكبر هو العبور بسلام من شهر إلى آخر فقط.

تظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حجم الضغط الاقتصادي، إذ سجل معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية 13.4% في شهر أبريل 2026. ارتفعت تكاليف السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود بنسبة 30%، بينما صعدت خدمات النقل والمواصلات بنسبة 24.5%، وسجلت مجموعة الغذاء والمشروبات زيادة بلغت 6.9%. هذه المؤشرات الرقمية تؤكد اتساع الفجوة التي تدفع المواطنين للجوء إلى ديون النوتة كخيار اضطراري لا غنى عنه، في ظل غياب أي بدائل ائتمانية رسمية تتناسب مع طبيعة الدخول المتواضعة.

الثقة كآلية لاقتصاد التكافل الاجتماعي

تُعد ظاهرة “النوتة” امتداداً لنماذج التكافل الاجتماعي القديمة، وفقاً لرؤية الدكتورة هدى زكريا، أستاذة علم الاجتماع السياسي بجامعة الزقازيق. توضح زكريا أن هذه الدفاتر تمثل جوهر الاقتصاد غير الرسمي القائم على الثقة المتبادلة بين الجيران، بعيداً عن تعقيدات الفوائد البنكية. ترى زكريا أن هذا التماسك الاجتماعي يعكس قدرة الأفراد على ابتكار حلول مرنة، إلا أنه في الوقت ذاته يعد مؤشراً خطيراً على عمق الأزمة الاقتصادية التي تعصف بمتوسطي ومحدودي الدخل.

يشير الخبير الاقتصادي الدكتور رشاد عبده إلى أن الضغوط التضخمية تقضي على أي زيادات قد تطرأ على الأجور، مما يجعل تحسن مستوى المعيشة أمراً بالغ الصعوبة. يضيف عبده أن استمرار ارتفاع الأسعار يمثل العائق الأكبر أمام القدرة الشرائية، مما يضطر الأسر لإعادة ترتيب أولوياتها بناءً على ما تجود به دفاتر الديون. وهكذا، تظل “النوتة” مرآة صادقة لحالة السوق، حيث لا تسجل الأرقام ديوناً فحسب، بل توثق محاولات مضنية لآلاف الأسر في إدارة حياتهم اليومية بأقل الإمكانات المتاحة في ظل واقع اقتصادي شديد التحدي.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى