مصرملفات وتقارير

تحديات منظومة رغيف الخبز المدعوم في ظل التوجهات الحكومية الجديدة للتحول الرقمي

تتصاعد حالة من الترقب والحذر داخل الأوساط المجتمعية مع التوجهات الرسمية الرامية لإعادة هندسة منظومة الدعم العيني للخبز والسلع الأساسية، وهو الملف الذي يمثل شريان الحياة لملايين الأسر التي تعتمد على رغيف الخبز المدعوم كركيزة أساسية للأمن الغذائي. وتأتي هذه التوجهات في وقت يواجه فيه المواطنون ضغوطًا اقتصادية متزايدة، مما يجعل من رغيف الخبز ليس مجرد سلعة غذائية، بل الملاذ الأخير لضمان تلبية الاحتياجات اليومية في ظل تقلبات الأسعار، حيث تشير بيانات جهاز التعبئة العامة والإحصاء إلى أن رغيف الخبز يمثل حصة كبرى من السعرات الحرارية اليومية التي يحصل عليها الفرد.

مخطط الدعم النقدي والتحول الرقمي

تستهدف الرؤية الحكومية الحالية الانتقال التدريجي نحو نظام الدعم النقدي أو “الرقمي” عبر تفعيل الكارت الموحد للأسرة، حيث يُطرح سيناريو تحرير سعر الرغيف ليصل إلى 1.5 جنيه بدلاً من 20 قرشاً، مع تخصيص مبلغ مالي يُحمل على البطاقة التموينية يعادل قيمة استهلاك الفرد من الخبز، مما يتيح للمواطنين مرونة اختيارية بين شراء الخبز أو استبداله بسلع تموينية أخرى. وتستعد وزارة التموين والتجارة الداخلية لتطبيق هذه المنظومة على نطاق واسع، مستفيدة من نجاح تجربة محافظة بورسعيد، مع توقعات بإنهاء التوسعات في المحافظات الأخرى خلال فترة زمنية لا تتجاوز 6 أشهر.

وتتضمن الأرقام المتعلقة بالموازنة العامة للعام المالي 2026/2027 مخصصات مالية ضخمة تصل إلى 133.7 مليار جنيه لإنتاج 116.4 مليار رغيف، مع الاعتماد على 8.6 مليون طن من القمح. ومن الناحية الفنية، تخطط الجهات المعنية لتقليص حجم الهدر في المنظومة الحالية الذي قُدر بنحو 30 مليار جنيه، عبر إحكام الرقابة على المخابز ومنع تسريب الدقيق التمويني إلى القطاع الخاص، وهو ما يمثل نسبة تقارب 24.19% من إجمالي الدعم المخصص للخبز خلال العام المالي 2025/2026. وتتزامن هذه التوجهات مع خطط لرفع تكاليف الإنتاج، حيث يُدرس رفع سعر متر الغاز للمخابز إلى 12 جنيهاً، وزيادة أسعار الخميرة، مع زيادة هامش ربح جوال الدقيق للمخابز ليصل إلى 30 جنيهاً.

جدل حول الجودة والقوة الشرائية

تُثار تساؤلات جوهرية بشأن تراجع جودة الرغيف في النظام الجديد، حيث يُنتظر تخفيض وزن الرغيف من 90 جراماً إلى 70 جراماً، وهو ما يمثل تراجعاً في الوزن بنسبة تصل إلى 22.2%. ويحذر الخبراء من أن إنتاج رغيف بهذا الوزن وبمواصفات دقيق استخراج 87.5% قد يؤثر سلباً على قيمته الغذائية، مما يفتح الباب لمقارنة غير عادلة مع الخبز الحر الذي ينتج من دقيق استخراج 72%. ويقترح المتخصصون ضرورة الموازنة بين الوزن والجودة، مع السماح للمخابز بمزيد من الحرية في اختيار مصادر التوريد لتعزيز التنافسية.

ويؤكد الدكتور شريف فاروق وزير التموين والتجارة الداخلية، أن المنظومة الرقمية تهدف لتعظيم الاستفادة من الدعم، موضحاً أن قيمة الدعم المقدم للمواطن تضاعفت فعلياً نتيجة الفروق في التكاليف، بينما يشير النائب فريدي البياضي إلى مخاوف من أن التضخم قد يلتهم القيمة النقدية المضافة للبطاقات، داعياً إلى ضرورة ربط هذه القيمة بمعدلات التضخم الفعلية لضمان عدم تآكل القدرة الشرائية. كما يطالب الخبير الزراعي الدكتور نادر نور الدين بإجراء دراسات دقيقة حول تداعيات دخول أعداد ضخمة من المستهلكين إلى سوق الخبز الحر، لضمان استقرار الأسعار وعدم حدوث ارتباك في منظومة التوريد الوطنية.

وتظل قضية الحفاظ على “رغيف الخبز المدعوم” كأداة للعدالة الاجتماعية أولوية قصوى، حيث يتطلب التحول نحو النظم الرقمية الحديثة ضمانات قوية تحمي الفئات الأكثر احتياجاً من تقلبات الأسواق، مع ضرورة تفعيل آليات رقابية صارمة تمنع التلاعب بالأوزان أو الجودة، وتضمن وصول الدعم النقدي لمستحقيه الفعليين دون تعقيدات بيروقراطية قد تؤثر على الأمن الغذائي للمواطنين في مختلف المحافظات.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى