مصرملفات وتقارير

أزمة الصناديق الخاصة: كيف يعيش 300 ألف موظف خارج مظلة الأمان الوظيفي؟

تتصاعد حدة المعاناة الإنسانية والمهنية لنحو 300 ألف موظف يعملون ضمن منظومة الصناديق والحسابات الخاصة، حيث يفتقد هؤلاء العاملون لأبسط الحقوق الوظيفية الأساسية، وتتلاشى طموحاتهم في ظل غياب عقود رسمية تحفظ كرامتهم وتضمن استقرارهم المادي والمعنوي في بيئة العمل. وتتفاقم هذه الأزمة نظراً لأنهم يتقاضون أجوراً زهيدة لا ترتقي للحد الأدنى للمعيشة، مما يخلق فجوة عميقة بينهم وبين أقرانهم في القطاعات الحكومية الأخرى، ويجعلهم في حالة دائمة من القلق والترقب لمستقبل مجهول الأفق.

تعتمد هذه الصناديق، التي تُعرف بالحسابات الخاصة، على موازنات مستقلة عن الموازنة العامة، وتستمد مواردها من رسوم الخدمات، والغرامات، ودمغات التراخيص، والجامعات، والمستشفيات العامة، لتُنشأ بموجب قرارات إدارية أو تشريعات خاصة لكل جهة. ويدير هذه الأوعية المالية كوادر بشرية تتولى المهام المحاسبية والإدارية والخدمية، إلا أن وضعهم القانوني يظل معلقاً في فراغ تشريعي طويل الأمد، إذ لا يتمتعون بمزايا التعيين أو الترقيات أو الزيادات الدورية التي تكفلها قوانين العمل المعمول بها، وكأنهم يعملون في جزر منعزلة عن بقية الجهاز الإداري.

تناقضات مالية وإهمال إداري

تتعامل وزارة المالية مع هؤلاء العاملين كأرقام محاسبية بحتة في جداول الإيرادات، حيث تسعى لتعظيم عوائد الصناديق والحسابات لرفد الموازنة العامة، دون النظر إلى الأبعاد الإنسانية لهؤلاء الموظفين الذين أفنوا سنوات طويلة في الخدمة، قد تصل لدى البعض إلى 15 عاماً. وتكشف بيانات الموازنة للعام المالي 2027/2026 عن استهداف إيرادات تصل إلى 115.01 مليار جنيه، بزيادة نسبتها 21.4% عن السنة المالية السابقة، مما يبرز التناقض الصارخ بين ضخامة الأموال المتداولة وبين ضعف أجور العاملين الذين يديرون هذه الموارد، والذين حُرموا حتى من استخراج “صحيفة الأحوال” الإلكترونية، وهي الوثيقة الرسمية التي تُعد ضرورة حتمية لكل إجراءات الترقي أو الإعارة.

تتوزع هذه العمالة المنسية بشكل أساسي في أربع وزارات حيوية، هي الصحة، والتربية والتعليم، والتعليم العالي، والزراعة، حيث تُسجل بعض الحالات استلام مبالغ لا تتجاوز 600 جنيه شهرياً في بعض القطاعات، أو 3000 جنيه للكيميائيين العاملين في معامل وبنوك الدم، والذين يفتقرون لأي بدل عدوى رغم المخاطر الجسيمة التي يواجهونها يومياً. ويؤدي هذا الوضع إلى تآكل قيمة العمل لدى الموظف، ويضعه تحت ضغوط نفسية واجتماعية هائلة، خاصة عند اقتراب بلوغ سن المعاش، حيث يواجه الكثيرون خطر عدم استيفاء المدة التأمينية المطلوبة، ليدخلوا في دوامة التهديد بإنهاء الخدمة دون أي تأمين أو مكافأة عادلة.

تاريخ الصناديق وأحلام التثبيت

تعتبر الصناديق الخاصة إرثاً إدارياً قديماً تطور منذ عام 1967، وتوسع ليشمل آلاف الكيانات التي وصلت في أحدث التقديرات إلى 7776 حساباً خاصاً، و505 صناديق خاصة، بعد عمليات حصر مكثفة قامت بها وزارة المالية. ورغم صدور قانون المالية العامة الموحد الذي سعى لحوكمة الأداء المالي ومنع التوسع في إنشاء هذه الحسابات إلا بقانون صادر عن البرلمان، لا تزال التحديات قائمة، خاصة فيما يتعلق بدمج هذه العمالة في الباب الأول من الموازنة العامة، وهو المطلب الذي نادى به العديد من أعضاء مجلس النواب في طلبات إحاطة رسمية، مشددين على ضرورة نقلهم وتوفير درجات مالية تضمن لهم حقوقهم الوظيفية الكاملة.

تؤكد الجهات المسؤولة، وفي مقدمتها الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، أن عملية الضم تتطلب توفر درجات مالية خالية وموارد مستقرة، مشيرة إلى صدور توجيهات بحظر التعاقد مع أي عمالة جديدة على هذه الصناديق، وذلك بهدف إغلاق هذا الملف التراكمي تدريجياً وتوفيق أوضاع الموجودين بالفعل. ومع استمرار الجدل حول إمكانية دمج هؤلاء الموظفين، يظل أمل العاملين معلقاً بإرادة سياسية وإدارية حقيقية تُنصف هؤلاء الذين يعملون في صمت، مطالبين فقط بحقهم في حياة كريمة ومستقبل وظيفي مستقر ينهي معاناتهم التي طال أمدها، ويجعل من عملهم جزءاً أصيلاً ومحمياً ضمن منظومة العمل الحكومي الشاملة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى