مصرملفات وتقارير

مخصصات التعليم بين ضخامة الأرقام وواقع التحديات الميدانية في موازنة 2027/2026

تصاعدت حدة التساؤلات بشأن جدوى الإنفاق العام على المنظومة التعليمية، حيث يطرح الخبراء تساؤلات جوهرية حول فعالية المبالغ المرصودة ومدى وصولها إلى داخل الفصول الدراسية لتحقيق تحسن ملموس في جودة الخدمة المقدمة للطلاب. وتأتي هذه التساؤلات في ظل تصريحات رسمية تؤكد الالتزام بالنسب الدستورية، في حين يرى مراقبون أن التوسع في تعريف عناصر الإنفاق قد يضخم الأرقام دون أن ينعكس ذلك على تطوير البنية التحتية أو جودة المناهج التعليمية أو رفع كفاءة العملية التعليمية بشكل عام.

تؤكد الحكومة التزامها التام بالمخصصات الدستورية، حيث كشف أحمد كجوك، وزير المالية، خلال عرض البيان المالي للموازنة الجديدة أمام مجلس النواب، عن تخصيص 442.344 مليار جنيه لقطاع التعليم قبل الجامعي والجامعي في موازنة 2026/2027، مقارنة بنحو 352.410 مليار جنيه في العام المالي 2025/2026. وتستهدف هذه المخصصات بحسب البيان دعم العملية التعليمية، بما في ذلك تخصيص 7.8 مليار جنيه لطباعة الكتب المدرسية، و7 مليارات جنيه لبرامج التغذية المدرسية، إلى جانب إقرار زيادات في حوافز المعلمين.

فجوة الأجور وقيود الموازنة المحدودة

يستحوذ بند الأجور على الجزء الأكبر من مخصصات التعليم، مما يثير مخاوف بشأن قلة الموارد الموجهة للاستثمار في البنية التحتية أو التطوير التكنولوجي. وتبلغ مخصصات الأجور 251.29 مليار جنيه، وهو ما يعادل نحو 68.4% من إجمالي مصروفات القطاع التي تصل إلى 367.3 مليار جنيه. وتعتبر النائبة إيرين سعيد، عضو مجلس النواب، أن تضخم بند الأجور يستنزف أي زيادات مالية في الموازنة، مما يصعب معه تحديد مدى الالتزام الفعلي بالاستحقاقات الدستورية الموجهة مباشرة لتحسين جودة التعليم للمواطنين.

وتكشف التحليلات المالية أن الجهاز الإداري يستهلك حصة غير متناسبة من موارد القطاع، حيث تبلغ مخصصاته 87.2 مليار جنيه، منها 20.01 مليار جنيه لشراء السلع والخدمات، مقابل 198.04 مليار جنيه للإدارة المحلية. وبالتوازي مع ذلك، شهدت مخصصات هيئات رقابية وتطويرية حيوية تراجعاً ملحوظاً، حيث انقطعت المساهمات الحكومية عن الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد، بينما انخفضت مخصصات الهيئة القومية لضمان جودة التعليم الفني “إتقان” بنسبة 27.6% لتصل إلى 47.6 مليون جنيه، مما يعيق قدرة هذه الجهات على تقييم وتطوير الأداء التعليمي.

تأثير التضخم ومعايير الجودة الدولية

يعاني الإنفاق على التعليم من تآكل قيمته الحقيقية بفعل معدلات التضخم، حيث يوضح المركز المصري للدراسات الاقتصادية أن نمو الإنفاق الاسمي لا يترجم دائماً إلى زيادة في القدرة على الشراء. وتؤكد البيانات أن الإنفاق الحقيقي، عند استبعاد أثر التضخم، شهد معدلات نمو ضئيلة جداً لا تتجاوز 0.3% خلال الفترة ما بين عامي 2021/2022 و2023/2024. وفي المقابل، تسعى الحكومة لتحقيق قفزات نوعية، حيث سجلت البلاد تقدماً في مؤشر جودة التعليم الدولي الصادر عن “US News” للوصول إلى المركز 41 في عام 2024، مع توسع ملموس في أنماط التعليم المتطورة مثل مدارس “STEM” والمدارس اليابانية والمدارس الدولية.

يؤكد الدكتور محمود محيي الدين، وزير الاستثمار الأسبق، أن الاستثمار في التعليم يتطلب تكاملاً بين التمويل المستدام والتحول الرقمي والحوافز المبتكرة. وتشير الأرقام إلى أن البلاد سجلت 161 نقطة في مؤشر رأس المال البشري، متجاوزة متوسط الدول ذات الدخل المتوسط الأدنى، لكنها لا تزال في حاجة إلى جهود مكثفة للوصول إلى مستويات الدول المتقدمة. ويعتبر رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي أن ما تحقق خلال العقد الماضي يمثل بداية جادة للارتقاء بالمنظومة، مستشهداً بانخفاض الكثافة الطلابية وتحسن نسبة الحضور المدرسي.

يختتم الدكتور سعيد المصري، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، بالتأكيد على أن المعيار الأهم للإنفاق هو نسبته من إجمالي الموازنة العامة، لا من الناتج المحلي فقط، مطالباً بضرورة ربط التمويل بمعايير أداء صارمة واستحداث أدوات تمويلية بديلة، بما في ذلك التوسع في الشراكة بين القطاعين العام والخاص لضمان ترشيد الإنفاق وتوجيهه نحو تحسين مخرجات التعلم، وضمان وصول الدعم المالي إلى داخل الفصول الدراسية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للتطوير التعليمي المنشود.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى