الدكتور عمار علي حسن: توحش الإسمنت يخنق وجدان القاهرة ويمزق نسيجها التاريخي والاجتماعي

يتحدث الدكتور عمار علي حسن عن القاهرة باعتبارها المدينة الوحيدة في العالم التي يمكن للمرء أن يقطع فيها مسافة زمنية وجغرافية تمتد لألف عام، حيث تتعايش الآثار والمنشآت التاريخية جنبًا إلى جنب مع أنماط البناء الحديثة. يوضح الدكتور عمار علي حسن أن هذا التباين هو جوهر الهوية المعمارية، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تدهورًا حادًا نتيجة غياب الرؤية الواعية التي تدرك أن العمران جزء أصيل من تكوين الوجدان الجمعي والحضاري.
يؤكد الدكتور عمار علي حسن أن المجتمعات الراقية تحرص عند تجديد بنيانها على الحفاظ على الوظيفة الاجتماعية والصحية والنفسية للمعمار، بينما شهدنا في الواقع المحلي توحشًا عمرانيًا بالغ الخطورة. يضيف الدكتور عمار علي حسن أن الفيلات والقصور التاريخية تعرضت للهدم الممنهج لأجل التربح من بيع الأراضي بأسعار باهظة، لتحل محلها ناطحات سحاب وعمارات شاهقة، وهو توجه يصفه الدكتور عمار علي حسن بالعجيب في بلد يمتلك مساحة مليون كيلومتر مربع، أغلبها صحراء غير مأهولة، ومع ذلك يصر الجميع على التكدس الرأسي الخانق.
الفوضى العمرانية وأزمة الخصوصية
يحلل الدكتور عمار علي حسن ظاهرة التوسع الرأسي التي حولت الشوارع الضيقة إلى ممرات عديمة التهوية، حيث تقترب واجهات العمارات من بعضها لدرجة تخنق الهواء وتكشف الخصوصية، مما يولد حالة من التلصص والتنصت القسري. يشير الدكتور عمار علي حسن إلى أن البنية التحتية، من شبكات الصرف الصحي والمياه، لم تعد تحتمل هذا الضغط الهائل، حيث يتم تحويل مبانٍ كانت تخدم بضع أسر إلى ناطحات سحاب تستهلك الموارد المحدودة المتاحة أصلاً، مما يؤدي إلى انهيار منظومة الخدمات الأساسية.
يتابع الدكتور عمار علي حسن تحليله بأن الفساد في المحليات أدى إلى انتشار العشوائيات التي لم تعد قاصرة على العشش، بل شملت مباني خرسانية شاهقة تفتقر للتخطيط السليم. يرى الدكتور عمار علي حسن أن الحل كان يتطلب قيام المحليات بتحديد حرم الطرق وشبكات التهوية بصرامة، وفرض هدم أي مخالفة تتجاوز المتر الواحد فورًا، لكن غياب الرقابة أدى إلى هذا المظهر المعماري البشع والمتعرج الذي يفتقر للرصيف والمساحات العامة المخصصة للمشاة.
الشرخ الاجتماعي وأسطورة المدن المنغلقة
يرى الدكتور عمار علي حسن أن التغيير لم يقتصر على الشكل المعماري، بل امتد إلى النسيج الاجتماعي؛ فبعد أن كان الأثرياء يعيشون وسط الفقراء في بيوت تتيح التكافل، بدأ التوجه منذ نهاية القرن التاسع عشر نحو إنشاء أحياء منعزلة. يوضح الدكتور عمار علي حسن كيف تغيرت النظرة إلى السكن مع ظهور المدن المصورة والمجمعات المغلقة التي لا يمكن للمواطن العادي دخولها، مما خلق حاجزًا نفسيًا واجتماعيًا بين فئات المجتمع، وأدى إلى نشوء أجيال لا تعرف شيئًا عن تراثها الشعبي وتتعامل معه بعين السائح الغريب.
يختتم الدكتور عمار علي حسن رؤيته بالتحذير من هجر الأراضي الزراعية لصالح التوسع العمراني، مستحضرًا فكرة مشروع قديم في السبعينيات لنقل القرى إلى قلب الصحراء، والذي تم إجهاضه بفعل سوء الإدارة. يؤكد الدكتور عمار علي حسن أن الارتباط بالأرض هو جزء من الشخصية المحلية، وأن الابتعاد عنها والانعزال في الطوابق العليا، كما كان يحذر المهندس حسن فتحي في كتابه عمارة الفقراء، لا يولد إلا مزيدًا من الاضطرابات النفسية والصحية والعزلة التي تهدد استقرار المجتمع وسلامته الجسدية والنفسية.







