مقالات وآراء

نيفين ملك تكتب: وداعًا الموسيقار المصري الكبير والإنسان النبيل هاني شنودة

رحل الموسيقار هاني شنودة، ورحل معه جزءٌ من ذاكرة مصر الموسيقية الحديثة؛ ذلك الجزء الذي كان نابضًا بالتجريب، بالجرأة، وبالإيمان العميق بأن الفن قادر على أن يغيّر شكل الحياة. لم يكن شنودة مجرد موسيقار كبير، بل كان روحًا تمشي بين الناس، تحمل في يدٍ لحنًا جديدًا، وفي اليد الأخرى حلمًا بأن تكون الموسيقى لغةً للجميع، لا نخبوية ولا بعيدة، بل قريبة من القلب كما أراد لها دائمًا أن تكون.

كان شنودة، قبل أن يكون ملحنًا، إنسانًا يرى في كل موهبة بذرة تستحق أن تُسقى. حين التقى محمد منير، لم يسمع صوتًا فقط، بل رأى مشروعًا كاملًا يحتاج إلى من يفتح له الباب، وحين وقف إلى جانب عمرو دياب في بداياته، لم يفعل ذلك بدافع المجاملة، بل بدافع الإيمان بأن كل جيل يستحق أن يجد صوته. دعمهما كان فعلًا إنسانيًا قبل أن يكون قرارًا فنيًا، وهذا ما جعل أثره يتجاوز حدود الألحان إلى حدود النفوس.

آمن شنودة بأن الأغنية الشعبية ليست طبقة اجتماعية، بل حالة إنسانية، ورأى في صوت أحمد عدوية صدقًا وموهبة لا يمكن تجاهلها، فسانده في وقتٍ كان فيه كثيرون يرفضون هذا اللون، وأعاد تقديم الأغنية الشعبية بروح جديدة، وجعلها قادرة على أن تصل إلى العالم، لأن الإنسان حين يغنّي بصدق، يصل مهما كانت لغته؛ ففي السينما، كان شنودة يكتب موسيقى تعرف ما يشعر به المشاهد قبل أن يعرفه هو نفسه. في «المشبوه»، و«الحريف»، و«الغول»، و«شمس الزناتي»، لم تكن موسيقاه خلفية للمشهد، بل كانت قلبه، وكان يلتقط اللحظة الإنسانية في الفيلم، ويحوّلها إلى نغمة تعيش أطول من الحوار، وأطول من الصورة.

في سنواته الأخيرة، كان يردد جملة تلخّص حياته كلها: «زرعوا فأكلنا… ونزرع ليأكلوا». هذه ليست حكمة فنية فقط، بل شهادة على رجل عاش حياته مؤمنًا بأن الفن فعلٌ جماعي، وأن ما يتركه الفنان ليس ألحانًا فحسب، بل أثرًا في الناس، وذاكرة مشتركة، وطريقًا يمهّده لمن يأتي بعده.

برحيل هاني شنودة، تفقد الموسيقى المصرية والعربية أحد أكثر وجوهها إنسانية، رجلٌ كان يرى في الفن رسالة، وفي الناس شركاء، وفي المستقبل مساحة يجب أن تُضاء.

اليوم رحل المبدع الإنسان هاني شنودة، لكن الموسيقى التي صنعها ستظل حيّة، لأنها لم تُكتب للآذان فقط، بل كُتبت للقلوب.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى