
تُقرع طبول الحرب مجددًا في الشرق الأوسط، فيما تنشغل مراكز القرار في أنقرة والرياض وتل أبيب والقاهرة وبغداد بإعادة تقييم المشهد الإقليمي، في وقت تبدو فيه واشنطن وطهران وكأنهما تُخليان مقاعد العمل السياسي والدبلوماسي لمصلحة الجهدين الأمني والعسكري. المنطقة بأسرها تقف أمام مرحلة انتقالية قد لا تشبه ما سبقها، إذ إن أي مواجهة واسعة لن تبقى محصورة بين الولايات المتحدة وإيران، بل ستعيد رسم موازين القوى الإقليمية برمتها.
وفق قراءة دبلوماسية متقاطعة، فإن تركيا، كما العديد من دول المنطقة، تنظر بقلق متزايد إلى تعاظم القوة الإسرائيلية بعد الحرب الأخيرة. فالتوجه الإسرائيلي القائم على توسيع مفهوم «ضمان أمن إسرائيل» ليشمل السيطرة العسكرية أو الأمنية المباشرة على أجزاء من جنوب لبنان، واستمرار احتلال الجولان السوري وتعزيز نفوذها الإقليمي، يثير هواجس حقيقية لدى أنقرة التي ترى في هذا المسار تهديدًا للتوازنات الاستراتيجية في المشرق.
من هذا المنطلق، تبدو تركيا أقرب إلى خيار دعم طهران، ولو بصورة غير مباشرة أو بعيدًا عن الأضواء. فالمعركة بالنسبة لأنقرة لم تعد مرتبطة بإيران وحدها، بل بمنع تشكل شرق أوسط جديد تكون فيه إسرائيل القوة الإقليمية الوحيدة القادرة على فرض الوقائع السياسية والعسكرية. وتذهب بعض التقديرات إلى أن فتح مسارات الإمداد نحو حزب الله خلال مراحل سابقة شكّل أحد مظاهر هذا التقاطع التركي–الإيراني، الأمر الذي تسبب بأزمات صامتة مع كل من واشنطن وتل أبيب.
في المقابل، تفيد قراءة استراتيجية أخرى بأن إيران تدفع اليوم أثمان تراكم أخطاء توسعية امتدت لعقود. فمنذ مرحلة ما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، دخلت طهران في تفاهمات غير معلنة مع الإدارات الأميركية المتعاقبة في ملفات عدة، سواء في أفغانستان أو العراق أو حتى في مراحل معينة من الأزمة السورية. غير أن هذه السياسة، التي أتاحت لإيران توسيع نفوذها الإقليمي، جعلتها في الوقت ذاته طرفًا مركزيًا في صراعات المنطقة، وبالتالي هدفًا مباشرًا لمحاولات الاحتواء أو الاستهداف.
في أفغانستان، تحولت إيران إلى خصم بالنسبة لحركة طالبان بعد تعاونها مع الولايات المتحدة ضد حكم الحركة عام 2001. وفي العراق، استفادت من انهيار نظام صدام حسين لتصبح اللاعب الأكثر نفوذًا في الحياة السياسية والأمنية. أما في سوريا ولبنان واليمن، فقد انخرطت في مشاريع نفوذ إقليمي واسعة، الأمر الذي جعلها اليوم تواجه معركة تتعلق بالحفاظ على ما تبقى من هذا النفوذ أكثر من السعي إلى توسيعه.
وتشير المعطيات إلى أن طهران تراهن على شبكة دعم دولية وإقليمية تمنع سقوطها أو انهيارها. فهناك حسابات مرتبطة بالموقفين الصيني والباكستاني، إضافة إلى امتلاك إيران أوراق ضغط خطيرة تتمثل بإمكانية توسيع دائرة المواجهة نحو الخليج أو تهديد الممرات البحرية الحيوية الممتدة من مضيق هرمز إلى باب المندب، وهي خطوة قد تقود إلى كارثة اقتصادية عالمية وارتفاع غير مسبوق في أسعار الطاقة.
في المقابل، يبدو أن واشنطن تراهن على إنجاز عسكري سريع يفرض وقائع جديدة قبل أن تتوسع دائرة الحرب. كما أن المؤشرات العسكرية توحي بأن خيار السيطرة بالقوة على مضيق هرمز أو دفع إيران نحو انهيار داخلي يبقى مطروحًا ضمن الحسابات الأميركية، استنادًا إلى نماذج شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية.
لكن السؤال الأكثر أهمية يبقى: ماذا لو صمدت طهران؟
هذا الاحتمال ليس نظريًا، بل خيار جدي وواقعي. فإيران أثبتت خلال العقود الماضية قدرة كبيرة على تحمل الضغوط الاقتصادية والعسكرية والسياسية. وإذا تمكنت من الصمود، فإن ذلك سيدفع جميع الأطراف نحو تفاهمات جديدة تعيد رسم النفوذ الإقليمي بدلًا من إنهائه. وتشير المعطيات إلى أن إيران تعتبر العراق خطًا أحمر استراتيجيًا، ولن تتراجع عن نفوذها فيه مهما بلغت الضغوط، وهو أمر تدركه واشنطن جيدًا.
لذلك، فإن المعركة الحالية لا تبدو مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع على شكل الشرق الأوسط المقبل. فإما أن تفرض واشنطن وتل أبيب واقعًا إقليميًا جديدًا يقوم على تقليص الدور الإيراني بصورة جذرية، وإما أن يفضي صمود طهران إلى تسوية كبرى تعيد توزيع النفوذ وتؤسس لتوازنات مختلفة. وبين هذين الاحتمالين، تبقى المنطقة بأسرها معلقة على حافة حرب قد تغير خرائط السياسة والجغرافيا معًا.







