
لم تكن المشكلة الكبرى التي واجهت البشرية عبر تاريخها هي غياب السلطة، بل العكس تمامًا. فالمجتمعات تستطيع أن تعيش فترة في ظل ضعف السلطة أو ارتباكها، لكنها تدفع أثمانًا باهظة حين تتحول السلطة إلى قوة بلا حدود. ومن هنا بدأت رحلة الإنسان الطويلة مع القانون، لا بوصفه وسيلة لتنظيم المجتمع فقط، بل بوصفه السور الذي يحمي المجتمع من السلطة حين تنسى حدودها.
لهذا لم يكن ظهور الدساتير الحديثة، ولا نشأة البرلمانات، ولا استقلال القضاء، ولا فكرة الفصل بين السلطات، مجرد تطورات إدارية في بناء الدولة. كانت كلها محاولات متعاقبة للإجابة عن سؤال واحد ظل يطارد الفكر السياسي والقانوني عبر القرون: كيف نجعل الدولة قوية بما يكفي لتحمي المجتمع، وخاضعة بما يكفي حتى لا تتحول هي نفسها إلى مصدر للخطر عليه؟
في حياتي العامة، سواء داخل البرلمان أو خارجه، كنت ألاحظ أن كثيرًا من الأزمات السياسية تبدأ حين تختلط الحدود بين القانون والسلطة. فالقانون بطبيعته قاعدة عامة ومجردة، أما السلطة فتميل دائمًا إلى التعامل مع الوقائع الآنية والضرورات العاجلة والمصالح المباشرة. وحين تنتصر لغة الضرورة بصورة دائمة على لغة القانون، تبدأ المسافة بين الدولة ودولة القانون في الاتساع.
الدولة تحتاج إلى السلطة، لكن السلطة تحتاج إلى قيود. وهذه ليست معادلة نظرية أو ترفًا فكريًا. إنها جوهر التجربة الإنسانية الحديثة. فكل السلطات في العالم تقريبًا تقول إنها تعمل لصالح المجتمع، لكن المجتمعات المتقدمة لم تكتفِ بحسن النوايا، بل بنت مؤسسات رقابة ومراجعة ومساءلة تحميها من أخطاء السلطة حتى حين تكون النوايا حسنة.
لهذا السبب كانت العدالة دائمًا أكثر من مجرد جهاز للفصل في الخصومات. كانت الوسيلة التي يراجع المجتمع من خلالها استخدام السلطة نفسها. فالقاضي لا يحكم فقط بين شخصين أو شركتين أو أسرتين، بل يحكم أحيانًا بين المواطن والدولة، وبين الحرية والسلطة، وبين النص القانوني ورغبة الإدارة في تجاوزه.
التاريخ المصري الحديث يقدم عشرات الأمثلة على هذه العلاقة المعقدة بين العدالة والسلطة. ففي لحظات كثيرة لعب القضاء دور الحارس الذي أعاد التوازن حين مالت الكفة أكثر مما ينبغي. وفي لحظات أخرى تعرض هذا الدور نفسه لضغوط جعلت المجتمع كله يدفع ثمن اختلاله.
المشكلة لا تبدأ عادة بقرار كبير أو إجراء استثنائي ضخم. بل تبدأ حين تعتاد السلطة أن ترى القانون أداة في يدها لا مرجعية فوقها. وحين يحدث ذلك تصبح الاستثناءات أكثر من القواعد، وتصبح الضرورات أطول عمرًا من الظروف التي أنشأتها، وتبدأ المؤسسات تدريجيًا في فقدان قدرتها على مراجعة نفسها.
في النظم الديمقراطية المستقرة لا يُنظر إلى القضاء المستقل باعتباره خصمًا للسلطة التنفيذية أو التشريعية، بل باعتباره أحد عناصر توازنها. فالحكومة القوية ليست الحكومة التي لا يراجعها أحد، بل الحكومة التي تستطيع أن تعمل بكفاءة وهي تعلم أن هناك من يراقبها ويحاسبها ويصحح أخطاءها.
وقد تعلمت من سنوات العمل البرلماني أن السلطة بطبيعتها تميل إلى التوسع إذا لم تجد من يحدها. وهذا ليس عيبًا أخلاقيًا في الأشخاص بقدر ما هو طبيعة بشرية ومؤسسية معروفة. ولهذا وجدت الدساتير والمحاكم والرقابة البرلمانية والصحافة الحرة. لا لأنها تعطل الدولة، بل لأنها تمنعها من أن تستهلك نفسها في طريق التوسع غير المنضبط.
أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يقتنع بأن القانون يجب أن يتراجع كلما تقدمت السلطة خطوة. ففي هذه اللحظة يصبح القانون تابعًا لا حاكمًا، وتصبح العدالة استثناءً لا قاعدة. أما الدولة الحديثة فبنيت على العكس تمامًا: كلما ازدادت السلطة قوة، ازدادت الحاجة إلى رقابة أقوى وقضاء أكثر استقلالًا وضمانات أوسع.
لهذا فإن الحديث عن إصلاح العدالة لا يمكن أن ينفصل عن الحديث عن إصلاح مفهوم السلطة ذاته. فالسلطة في الدولة الحديثة ليست ملكًا لأحد، ولا حقًا دائمًا لفئة أو مؤسسة أو شخص. إنها وظيفة عامة مؤقتة يمارسها أصحابها داخل حدود القانون ولحساب المجتمع.
من هنا تكتسب المحكمة الدستورية العليا أهميتها الاستثنائية. فهي ليست محكمة عادية ضمن منظومة المحاكم، بل الحارس الأخير للحدود التي لا يجوز للسلطة تجاوزها. وحين تقوم بدورها كما ينبغي، فإنها لا تحمي المعارضة من الحكومة فقط، بل تحمي الحكومة نفسها من الوقوع في أخطاء تدفع ثمنها الدولة كلها لاحقًا.
وكذلك مجلس الدولة حين يراقب مشروعية القرارات الإدارية، لا يضعف الإدارة كما يتصور البعض، بل يحميها من الانحراف ويعزز شرعيتها. فالإدارة التي تعرف أنها خاضعة للقانون تعمل بحذر أكبر وكفاءة أعلى من إدارة تعتقد أن قراراتها فوق المراجعة.
مصر الممكنة التي نتحدث عنها في هذا المشروع لا تحتاج إلى سلطة أضعف، كما لا تحتاج إلى عدالة أضعف. إنها تحتاج إلى سلطة أقوى لأنها أكثر خضوعًا للقانون، وعدالة أقوى لأنها أكثر استقلالًا. فالقوة الحقيقية لا تأتي من غياب القيود، بل من وجود قواعد محترمة يقبل الجميع الاحتكام إليها.
ولهذا فإن خريطة إصلاح العدالة حتى عام 2030 يجب أن تتضمن إعادة ترسيخ فكرة المشروعية الدستورية في كل مستويات الدولة. أي أن يصبح السؤال الأول عند كل قرار كبير أو تشريع جديد أو إجراء استثنائي: هل يتفق مع الدستور؟ وهل يحترم الحقوق والحريات؟ وهل يمكن الدفاع عنه أمام قاضٍ مستقل؟
كما يجب أن تتضمن تعزيز الرقابة القضائية على القرارات الإدارية، وتوسيع الشفافية، وتقوية الرقابة البرلمانية، وإعادة الاعتبار لفكرة المساءلة العامة. فالدولة التي تخضع للمساءلة لا تضعف، بل تصبح أكثر قدرة على تصحيح أخطائها قبل أن تتحول إلى أزمات.
العدالة والسلطة ليستا خصمين بطبيعتهما. بل إن كل واحدة تحتاج الأخرى. فالسلطة بلا عدالة تتحول إلى هيمنة، والعدالة بلا سلطة تتحول إلى نصوص جميلة غير قابلة للتنفيذ. والمجتمعات الناجحة هي التي تنجح في إيجاد التوازن الدقيق بينهما.
هذا التوازن هو جوهر دولة القانون. وهو أيضًا جوهر مصر الممكنة التي نحلم بها. مصر التي لا يخاف فيها المواطن من السلطة لأنها خاضعة للقانون، ولا تخاف فيها السلطة من العدالة لأنها تعرف أنها تعمل داخل حدودها.
هناك فقط تصبح القوة مشروعة، ويصبح القانون محترمًا، وتصبح العدالة ضمانة للجميع لا شعارًا يرفع عند الحاجة.
الحلقة التالية:
مصر الممكنة 2030 (51)
العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (22)
كيف يستعيد المواطن ثقته في مرفق العدالة؟
:::







