د. أيمن نور يكتب: كيف نستعيد الثقة في مرفق العدالة؟ مصر الممكنة 2030 (51) العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (22)

لا توجد أزمة أخطر على أي نظام عدالة من أن يفقد الناس ثقتهم فيه. فالمحاكم يمكن أن تتوسع، والقوانين يمكن أن تتطور، والمباني يمكن أن تتجدد، لكن الثقة إذا تآكلت يصبح إصلاحها أصعب من بناء مؤسسة جديدة من الأساس. ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه مصر في طريقها إلى عام 2030 ليس فقط كيف نصلح العدالة، بل كيف نجعل المواطن يؤمن مرة أخرى أن العدالة قادرة على حمايته.
الثقة ليست قرارًا إداريًا يصدر، ولا مادة قانونية تضاف إلى التشريعات، ولا حملة إعلامية تنتهي بانتهاء ميزانيتها. الثقة شعور يتكون ببطء شديد، ويتراكم عبر سنوات طويلة من التجارب الشخصية والجماعية. وقد يحتاج المجتمع إلى عقود حتى يبنيها، بينما يمكن أن يفقدها في سنوات قليلة إذا تكررت الأخطاء وتعاظمت الفجوة بين النصوص والواقع.
حين كان المصري البسيط يقول قديمًا: «سنحتكم إلى القضاء»، كان يقولها بوصفها نهاية النزاع لا بدايته. كانت المحكمة في الوعي الشعبي تمثل الملاذ الأخير الذي يطمئن إليه الجميع مهما اختلفوا. ولم تكن هذه الصورة وليدة الدعاية أو الخطابة، بل وليدة تراكم طويل من الاحترام العام لمنصة القضاء ولدور القانون في حياة الناس.
غير أن العقود الأخيرة، وبدرجات متفاوتة، شهدت تآكلًا تدريجيًا في هذا الشعور. ليس لأن المجتمع المصري فقد احترامه للقانون، بل لأن المواطن أصبح يرى أحيانًا مسافة متزايدة بين ما يقرأه في الدستور وما يعيشه في الواقع، وبين ما يسمعه عن العدالة وما يراه في بعض الممارسات اليومية. وهنا تبدأ الثقة في التراجع حتى لو بقيت النصوص كما هي.
خلال سنوات العمل العام كنت ألتقي بمواطنين من خلفيات مختلفة؛ عمالًا وفلاحين وأطباء ومحامين وأصحاب أعمال وطلابًا. وكان أكثر ما يلفت انتباهي أن كثيرًا من شكاواهم لم تكن من القانون نفسه، بل من شعورهم بأن الوصول إلى القانون أصبح أكثر صعوبة. فالإنسان يستطيع أن يتحمل حكمًا لا يعجبه، لكنه يجد صعوبة أكبر في تحمل شعور دائم بأن الطريق إلى العدالة أصبح معقدًا أو مرهقًا أو غير متكافئ.
الثقة في العدالة لا تبدأ من الحكم النهائي فقط، بل تبدأ من أول احتكاك بين المواطن والدولة. تبدأ من قسم الشرطة، ومن مكتب الموظف، ومن غرفة التحقيق، ومن طريقة استقبال الشكوى، ومن احترام الوقت، ومن معاملة الإنسان بكرامة. ولهذا فإن إصلاح العدالة لا يمكن أن يقتصر على المحاكم وحدها، لأنه في الحقيقة إصلاح لعلاقة كاملة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
المجتمعات التي تتمتع بمستويات مرتفعة من الثقة في القانون ليست بالضرورة مجتمعات بلا أخطاء أو بلا جرائم أو بلا نزاعات. لكنها مجتمعات تؤمن أن هناك قواعد واضحة تطبق على الجميع، وأن الحقوق لا تتوقف على النفوذ، وأن الدولة لا تغير القواعد أثناء اللعب. وهذا الإحساس بالعدالة الإجرائية أحيانًا يكون أكثر أهمية من نتيجة القضية نفسها.
الدراسات الحديثة في علم الاجتماع القانوني تؤكد أن الناس يقبلون الأحكام حتى حين تكون ضد مصالحهم إذا شعروا أن الإجراءات كانت عادلة وأن صوتهم سُمع وأن القاضي كان محايدًا. أما حين يغيب هذا الشعور، فإن الشك يمتد إلى المؤسسة كلها حتى لو كانت الأحكام صحيحة من الناحية القانونية.
لهذا السبب فإن استعادة الثقة لا تبدأ من تغيير الصورة الذهنية، بل من تغيير الواقع الذي أنتج هذه الصورة. فالمواطن لا يحتاج إلى من يقنعه بأن العدالة بخير، بل يحتاج إلى أن يراها تعمل أمامه بكفاءة واستقلال وشفافية.
أول خطوة في هذا الطريق هي الشفافية. فالدولة التي تخفي المعلومات تفتح الباب للشائعات، أما الدولة التي تشارك المجتمع في معرفة الحقائق فتعزز الثقة حتى في لحظات الخطأ. ولهذا يجب أن تصبح البيانات القضائية، وإحصاءات التقاضي، ومؤشرات الأداء، وأرقام الحبس الاحتياطي، ومعدلات تنفيذ الأحكام، جزءًا من المعرفة العامة لا أسرارًا مغلقة.
الخطوة الثانية هي المساواة الحقيقية أمام القانون. فليس هناك ما يدمر الثقة أكثر من شعور المواطن بأن القانون يطبق بصرامة على الضعفاء ويتردد أمام الأقوياء. وقد أثبت التاريخ أن العدالة الانتقائية أخطر على استقرار الدول من كثير من الأزمات الاقتصادية والسياسية، لأنها تضرب فكرة المواطنة في جذورها.
أما الخطوة الثالثة فهي احترام الكرامة الإنسانية في كل مراحل التعامل مع المواطن. فالإنسان لا ينسى كيف عومل، حتى لو نسي تفاصيل القضية نفسها. ولهذا فإن لغة المؤسسات، وسلوك الموظفين، واحترام الإجراءات، والالتزام بالقانون، كلها عناصر تصنع الثقة أو تهدمها.
والخطوة الرابعة هي تقوية دور المجتمع القانوني نفسه. فالمحاماة الحرة، والجامعات، ومراكز الدراسات القانونية، والصحافة المهنية، والنقابات، كلها شركاء في بناء الثقة العامة. فالعدالة لا تصنعها الدولة وحدها، بل يصنعها مجتمع كامل يؤمن بقيمها ويدافع عنها.
من المهم أيضًا أن تستعيد المدارس والجامعات دورها في نشر الثقافة القانونية. فالمواطن الذي يعرف حقوقه وواجباته يكون أكثر قدرة على التعامل مع القانون وأكثر استعدادًا لاحترامه. أما الجهل بالقانون فلا يضر الفرد وحده، بل يضر المجتمع كله لأنه يوسع المسافة بين الناس والمؤسسات.
مصر الممكنة التي نحلم بها لا تحتاج فقط إلى محاكم أفضل، بل إلى مجتمع أكثر ثقة في العدالة. فالثقة هي رأس المال الحقيقي لأي دولة قانون. وإذا كانت الدول تقيس ثروتها بالاحتياطي النقدي أو حجم الاستثمار أو معدلات النمو، فإن هناك ثروة أخرى أكثر أهمية: ثقة المواطنين في أن القانون يحميهم.
هذه الثقة لا تُشترى، ولا تُفرض، ولا تُستعار من الخارج. إنها تبنى يومًا بعد يوم، وقضية بعد قضية، وحكمًا بعد حكم، وإصلاحًا بعد إصلاح. ولهذا فإن استعادة ثقة المصريين في العدالة يجب أن تكون هدفًا وطنيًا لا يقل أهمية عن أي مشروع اقتصادي أو عمراني أو تنموي.
فالدولة التي يثق مواطنوها في عدالتها تستطيع أن تواجه الأزمات بثبات أكبر، وأن تدير خلافاتها بهدوء أكبر، وأن تبني مستقبلها على أرض أكثر صلابة. أما الدولة التي تتآكل فيها هذه الثقة، فإنها تضطر إلى إنفاق طاقة هائلة في معالجة آثار الشك بدلًا من توجيهها إلى البناء والتقدم.
وفي النهاية، لا يحتاج المواطن إلى معجزات. يحتاج فقط إلى أن يشعر أن القانون ليس بعيدًا عنه، وأن المحكمة ليست عالمًا مغلقًا، وأن حقه لا يعتمد على قوته الشخصية أو علاقاته أو نفوذه. حين يصل إلى هذه القناعة، تكون العدالة قد استعادت أهم ما تملكه: ثقة الناس.
ومتى استعادت العدالة ثقة الناس، استعادت الدولة جزءًا كبيرًا من قوتها المعنوية والأخلاقية، وهو النوع من القوة الذي لا تصنعه الجيوش ولا الموازنات ولا الخطط، بل تصنعه العلاقة السليمة بين المواطن والقانون.
الحلقة التالية:
مصر الممكنة 2030 (52)
العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (23)
العدالة والسياسة… إذا انتهى الخلط تبدأ دولة القانون؟







