
وسط دلائل ومؤشرات كثيرة حول انخفاض معدلات هطول الأمطار فوق الهضبة الاستوائية، عاد الحديث عن الأمن المائي لمصر بقوة مرة أخرى. صحيح أن خبراء المياه والجيولوجيا وعلوم المناخ يرون أن الأمر ليس مقلقًا؛ لكون معدلات الأمطار في الهضبة الاستوائية وحول بحيرة فيكتوريا جيدة، إلا أن ما يرد إلى مصر من الهضبة الإثيوبية يشكل النسبة الغالبة من المياه.
أرقام وبيانات ذات دلالة
ومن واقع البيانات والإحصاءات حول نهر النيل، يتبين أن مصر أصبحت على شفا مأزق خطير، فلا مياه النيل تكفي حاجة الاستهلاك الفعلي، ولا أهم دولة من دول المنبع، إثيوبيا، ترغب في حل مشكلة شح المياه في دولتي المصب، وهما مصر والسودان، ولا الموارد المصرية المالية كافية لمواجهة حاسمة لشح المياه عبر التقنيات الحديثة.
وأخيرًا وليس آخرًا، فإن الزيادة السكانية تزيد من حدة الأزمة يومًا بعد يوم.
تبلغ حصة مصر من مياه النيل 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، وفقًا لاتفاقية نوفمبر/تشرين الثاني 1959 بين مصر والسودان. وهذه الحصة، رغم أنها كانت في سبعينيات القرن الماضي تكفي مصر وتزيد، فإن العجز اليوم أصبح كبيرًا. فبعد أن كان نصيب الفرد من المياه في هذا العقد ألفَيْ متر مكعب سنويًا، حيث كان عدد السكان يبلغ نحو 30 مليون نسمة، انخفض هذا النصيب إلى ألف متر مكعب مطلع تسعينيات القرن الماضي، ثم هبطت تلك الأرقام إلى 561 مترًا مكعبًا عام 2019، بل ووصلت إلى 490 مترًا مكعبًا عام 2025، وفقًا لبيان وزير الموارد المائية والري هاني سويلم.
وتشير توقعات خبراء الري المصريين اليوم إلى أنه، مع ثبات كافة عوامل مواجهة شح المياه من جانب مصر، فسوف ينخفض مرة أخرى نصيب الفرد بنسبة 30-40% بحلول عام 2050.
على أية حال، تشير الإحصاءات إلى أن العجز الحالي الذي تعاني منه مصر يبلغ نحو 35 مليار متر مكعب، لكون حاجة مصر الفعلية هي 114 مليار متر مكعب، وفقًا لبيانات الأمم المتحدة التي تشير لحاجة الإنسان إلى ألف متر مكعب سنويًا، والمتوفر اليوم لا يتجاوز 80 مليار متر مكعب في العام، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
جدير بالذكر أنه، فوق حصة مياه النيل البالغة 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، هناك نحو 24.5 مليار متر مكعب ناتجة عن تدوير مياه الصرفين الزراعي والصحي، وتحلية مياه البحر، واستخراج مياه الآبار والعيون، إضافة إلى الأمطار.
اتخذت إثيوبيا قرارًا أحاديًا ببناء سد ضخم على حدودها مع السودان، سعته التخزينية 74 مليار متر مكعب، أسمته سد النهضة، دون أي تنسيق مع دولتي المصب، ودون أخذ المخاطر الجيولوجية في الاعتبار.
الموقف الإثيوبي يطيح بالتفاهم الممكن
ولأن معظم مياه النيل تَرد من الهضبة الإثيوبية، فإن سلوك إثيوبيا خلال العقود الثلاثة الأخيرة أسفر عن الكثير من المشكلات التي جعلت مصر تصل إلى هذه الدرجة من الشح المائي:
1. قادت إثيوبيا أغلب بلدان حوض النيل للتوقيع على اتفاقية حوض النيل عام 2010، المعروفة إعلاميًا باسم اتفاقية «عنتيبي»، وهي اتفاقية تلغي الاتفاقيات التي تستند لها مصر في حصتها من المياه، كون تلك الاتفاقيات التي وقعتها مصر مع بريطانيا نيابة عن بعض دول الحوض، هي اتفاقيات «الماضي الاستعماري»، إضافة إلى أن «عنتيبي» تلغي ضرورة موافقة دولة المصب، مصر، على أية مشروعات تقيمها دول المنبع على حوض النيل. وهنا من المهم الإشارة إلى:
أن الكم الكلي لمياه النيل، والناتج عن هطول الأمطار، يبلغ نحو 1600 مليار متر مكعب سنويًا، وأن مصر تحصل فقط على 3.5% من هذا الكم، رغم أنها دولة المصب، ورغم أنها ثاني أكبر دولة في دول حوض النيل من حيث عدد السكان بعد إثيوبيا.
أن اتفاقية «عنتيبي» دخلت حيز التنفيذ عام 2024 بتصديق الدولة السادسة عليها، وهي دولة جنوب السودان، وقد جاء ذلك التوقيع رغم كل ما بذلته مصر لإثنائها عن ذلك عبر دعم جهود التنمية في هذا البلد المستقل حديثًا عن دولة السودان.
2. اتخذت إثيوبيا قرارًا أحاديًا ببناء سد ضخم على حدودها مع السودان، سعته التخزينية 74 مليار متر مكعب، أسمته سد النهضة، دون أي تنسيق مع دولتي المصب، ودون أخذ المخاطر الجيولوجية في الاعتبار.
3. قامت إثيوبيا بالتسويف مع مصر من خلال إجراء مفاوضات بينية، عزمت، على ما يبدو، أن تكون بلا نهاية، لكونها دامت 12 سنة كاملة دون أية نتائج، كما رفضت إثيوبيا خلال تلك الفترة نتائج الوساطة الأمريكية، وأصرت على استكمال عمل السد بعد البناء والملء الأحادي له عدة مرات، كان أولها عام 2020، دون تنسيق مع القاهرة، لا حاضرًا ولا مستقبلًا، ما اضطر مصر إلى قطع المفاوضات عقب الجلسة الأخيرة لها في ديسمبر/كانون الأول 2023.
تشير الإحصاءات إلى أن العجز الحالي الذي تعاني منه مصر يبلغ نحو 35 مليار متر مكعب، لكون حاجة مصر الفعلية هي 114 مليار متر مكعب، وفقًا لبيانات الأمم المتحدة التي تشير لحاجة الإنسان إلى ألف متر مكعب سنويًا.
مصر تفتح مع إثيوبيا جبهة البحر الأحمر
وكنتيجة مباشرة لكل ما سبق، ولرغبة إثيوبيا الحميمة، منذ استقلال إريتريا عنها عام 1993، في الحصول على موطئ قدم على البحر الأحمر، لكونها اليوم أصبحت دولة حبيسة لا تطل على البحر، عمدت مصر إلى إعاقة الهدف الإثيوبي.
فإثيوبيا طرقت كافة الأبواب، من كينيا إلى جيبوتي، مرورًا بالصومال وإريتريا. بالطبع تعتبر المسافة من المعوقات. فبين أديس أبابا وموانئ كينيا على المحيط الهندي أكثر من 1700 كيلومتر، يليها موانئ الصومال، كمقديشو وكيسمايو، على ذات المحيط، فـ«عصب» بإريتريا على البحر الأحمر، فـ«بربرة» بإقليم أرض الصومال الانفصالي على خليج عدن، إلى ميناء جيبوتي على باب المندب.
لكن رغم تلك الخيارات، كانت الأبواب مغلقة وغير جاهزة. فإريتريا في عداء طويل مع إثيوبيا، وجيبوتي متخمة بالقواعد العسكرية الأجنبية، ويربطها بإثيوبيا خلافات قبلية كثيرة. أما كينيا فهي الخيار غير المفضل لإثيوبيا بسبب البعد الجغرافي، والصومال متخم هو الآخر بالمشكلات الداخلية، المتأثر بعضها بالخلاف الصومالي الإثيوبي.
لقد وجدت إثيوبيا ضالتها المنشودة في إقليم أرض الصومال الانفصالي، فهي دولة لا يعترف بها أحد اليوم سوى إسرائيل، وتحتاج لاعتراف دولي وأفريقي، كما أنها لا تمانع مبدئيًا من وجود موطئ قدم لإثيوبيا على البحر، وقد وقعت بالفعل اتفاقًا مع إثيوبيا على تنفيذ ذلك في الأول من يناير/كانون الثاني 2024.
من ناحية أخرى، فإن المسافة بين أرض الصومال وإثيوبيا ليست بعيدة. لكل ما سبق تعزز احتمال نجاح إثيوبيا في مسعاها.
فقط تبدو مصر، في علاقاتها بالصومال، ومع تحالفها مع دول متشاطئة بالبحر الأحمر، خاصة السعودية وإريتريا والسودان، في حالة رفض مطلق للرغبة الإثيوبية.
لا شك أن مصر، التي تقود هذا الرفض، تخشى من تأثير مجريات تلك المشاركة على أمن البحر الأحمر، وما قد يمثله ذلك من تهديد لقناة السويس. بعبارة أخرى، ترى مصر في رفض المنفذ البحري لإثيوبيا على البحر الأحمر، أو على مشارفه، ردًا على «سد النهضة». ولربما تستعد لخطوات أخرى لمواجهة شروع إثيوبيا في تنفيذ ثلاثة سدود جديدة على وشك أن تبدأ أديس أبابا فيها.
يرى البعض أن القاهرة مستعدة للعمل على إيجاد موطئ قدم لإثيوبيا على البحر الأحمر، شرط أن يرتبط ذلك بكم معتبر من التنازلات، متصلة بضمان أمنها المائي وأمن البحر الأحمر على السواء.
تحركات مصرية عسكرية وأمنية
لذلك تحركت مصر، وبسرعة، تجاه الصومال وجيبوتي لمنع إثيوبيا من الوصول للمنفذ البحري، وقد تم ذلك كله بالتنسيق مع السعودية وإريتريا. فبداية شاركت مصر في القوة الأفريقية في الصومال «أميصوم».
كما قامت بمساندة الصومال ومؤازرته بشتى الصور، وعملت بجهد كبير من خلال جامعة الدول العربية لمنع تفتيت الصومال، وعدم اعتراف المجتمع الدولي بتلك الجمهورية المنشقة عنه. من ناحية أخرى، تحركت مصر نحو جيبوتي بغرض استقرار الصومال، وتأمين الملاحة بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي، وتطوير الموانئ، ومحطة للحاويات، ومحطة طاقة شمسية.
وفوق ذلك كله، تنسق مصر بكثافة مع القوى الفاعلة المتواجدة في القرن الأفريقي من داخل وخارج الإقليم، وفي هذا الصدد تنسق مصر مع كل من السعودية وتركيا وباكستان بشكل جماعي، للحفاظ على الاستقرار في مواجهة الأطماع في منطقة الخليج العربي وباب المندب والبحر الأحمر.
يرى البعض أن القاهرة مستعدة للعمل على إيجاد موطئ قدم لإثيوبيا على البحر الأحمر، شرط أن يرتبط ذلك بكم معتبر من التنازلات، متصلة بضمان أمنها المائي وأمن البحر الأحمر على السواء. وبذلك يتحقق لمصر غايتها في الولوج والقفز على سنوات التعطل التي شهدتها مفاوضات السلحفاة بين مصر وإثيوبيا.
تحركات مصرية داخلية
فوق ذلك، لا شك أن القاهرة لم تعدم الحركة في الداخل بغرض توفير المياه. لدى مصر اليوم 129 محطة لتحلية مياه البحر، تسهم في توفير 1.41 مليون متر مكعب يوميًا، وأبرزها محطتا العلمين والعين السخنة «الجلالة».
وفي مجال تنقية مياه الصرف، هناك نحو 621 محطة معالجة تنتج 19 مليون متر مكعب يوميًا، أبرزها محطات بحر البقر والجبل الأصفر والقاهرة الجديدة وأبو رواش والمحسمة. إضافة إلى ذلك، هناك مشروعات ترشيد مياه الري، حيث تستنزف الزراعة نحو 80% من حصة مصر في مياه النيل.
هذه المشروعات تقوم على الري بالتنقيط والري بالرش عوضًا عن أسلوب الغمر، وكذلك الحد من زراعة المحاصيل المستهلكة للمياه، كالأرز، إلا بغرض الاستهلاك، لكون التصدير منها بمثابة تصدير للمياه العذبة، وأيضًا الاستغلال الأمثل للخزان الجوفي الذي ينتج نحو 7.2 مليارات متر مكعب سنويًا، والاستفادة من مياه الأمطار المحدودة، والتي تبلغ ما بين 5-10 مليارات متر مكعب سنويًا.
كل تلك الخطوات قد تحتاج مصر لأضعاف المشاريع القائمة منها، لكنها دون شك تشكل بداية للحفاظ على أمنها المائي.







