ذكرى حركة 23 يوليو 1952.. حين انقلب الضباط على أهدافهم المعلنة

في مثل هذه الأيام، تعود الذاكرة الجماعية لتستحضر واحدة من أكثر المحطات التباسًا في تاريخ مصر الحديث؛ حركة الضباط الأحرار التي قادها مجموعة من ضباط الجيش المصري في 23 يوليو عام 1952، وأطاحت بالنظام الملكي القائم آنذاك. لكن على عكس ما رُوّج له لعقود طويلة، تكشف الشهادات والمذكرات أن ما جرى كان بداية لمسار مختلف تمامًا عمّا أُعلن عنه في بيانات تلك الليلة، حيث تحوّلت الأهداف المعلنة إلى أدوات لتثبيت حكم فردي، وتحوّل من قادوا الحركة إلى خصوم فيما بينهم قبل أن يتحولوا إلى خصوم للشعب نفسه.
الصدمة الأولى: شهادة محمد نجيب
لم يكن أحد أقرب إلى تفاصيل ما جرى داخل مجلس قيادة الثورة من الرئيس الأول لجمهورية مصر العربية، محمد نجيب، الذي وجد نفسه لاحقًا ضحية للحركة التي تصدّر واجهتها. ففي مذكراته، يروي نجيب أن جمال عبدالناصر انقلب على الأهداف التي أُعلنت عند قيام الحركة، وعلى رأسها القضاء على الفساد والمحسوبية، وعودة الحكم إلى الشعب ليدير شؤونه بنفسه. يقول نجيب في شهادته إنه شعر بأن الباب قد فُتح أمام زملائه الضباط للتوجه نحو المناصب المدنية ذات النفوذ والدخل الكبير، وإنه حاول جاهدًا إغلاق هذا الباب وإبعاد الجيش عن الحياة المدنية وإعادته إلى ثكناته، تاركًا الساحة السياسية للسياسيين المدنيين. غير أن الوقت، بحسب تعبيره، كان قد فات، إذ اخترق العسكريون كل مفاصل الدولة وصبغوا المصالح المدنية بأكملها باللون الكاكي.
لم تمر هذه المحاولات دون ثمن؛ فقد أُقيل محمد نجيب عقب مظاهرات وُصفت بأنها مدفوعة الأجر من عبدالناصر ورفاقه، خرجت تحت شعار “لا أحزاب ولا برلمان”، لتنتهي الأزمة بقرار وضع نجيب تحت الإقامة الجبرية في منطقة المرج شمال القاهرة. وبالتوازي مع تصفية الوجود السياسي لنجيب، جرت تصفية ممنهجة لفلول النظام الملكي من سياسيين ورجال اقتصاد، لتخلو الساحة تمامًا لعبدالناصر ومجلس قيادته، تمهيدًا للخطوة التالية في ترسيخ سلطته: ملاحقة كل من يخالفه الرأي.
ثورة أم حركة أم انقلاب؟
قلّما تعرض حدث في التاريخ الإنساني لهذا الكم من الجدل مثلما تعرضت له حركة 23 يوليو 1952. فبين مؤيد نعتها في البداية بأنها “حركة” لا “ثورة” استنادًا إلى نص البيان الإعلامي الأول لها، وبين معارض وصفها بأنها انقلاب عسكري بكل المقاييس، ظل السجال قائمًا لعقود، متغذيًا من تضخم أعداد المؤيدين والمعارضين على حد سواء.
محنة فؤاد سراج الدين باشا
من أبرز الشخصيات التي دفعت ثمن معارضتها لتلك الحقبة، فؤاد باشا سراج الدين، رئيس حزب الوفد، الذي اعتُقل ست مرات وحوكم أمام ما عُرف بـ”محكمة الثورة” في سبتمبر 1952، في محاكمة استمرت 45 جلسة، وهي الأطول من نوعها في تاريخ مصر القضائي، لينتهي الأمر بالحكم عليه بالسجن 15 عامًا، قبل أن يُفرج عنه بعد عامين فقط. ورغم مصادرة ممتلكاته وتحديد إقامته، لم يُظهر الباشا أي مؤشر على الخوف أو الانكسار، حتى إن الرئيس أنور السادات هاجمه علنًا في لقاء متلفز، مشيرًا بشكل لاذع إلى ثرائه الشديد وشبّهه بـ”الملك لويس التاسع عشر” الذي وُلد وفي فمه ملعقة من ذهب.
ويبقى فؤاد سراج الدين باشا في الذاكرة السياسية بلقبه رغم أن عبدالناصر نفسه ألغى ألقاب “الباشا” و”البك” في مصر عقب قيام الحركة. ويُروى عنه أنه كان يحمل كرسيًا ضخمًا صُمم خصيصًا ليناسب حجمه، ينتقل معه أينما ذهب للقاء الجماهير، سواء في مؤتمر سياسي أو لقاء جماهيري أو ندوة فكرية. ويصفه من عاصروه بأنه “الرجل الذي لا يُكسر”، إذ ظل حاضرًا في المشهد السياسي حتى في سنوات اعتقاله، سواء في عهد عبدالناصر أو في عصر السادات.
خطايا حقبة عبدالناصر
تحمّل حقبة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، بحسب منتقديه، سلسلة طويلة من الأخطاء الجسيمة. فقد اتُّهم بسرقة منصب رئاسة الجمهورية من محمد نجيب عقب حركة يوليو عبر ما وُصف بـ”مؤامرة خسيسة”، لم يكتفِ بعدها بإبعاده عن السلطة، بل استمر في عزله وتقييد حريته لمدة 15 عامًا كاملة. وفي المقابل، أُفرج عن عناصر متهمة بالإرهاب، بينما جرى إبعاد زملاء له من الضباط طالبوا بإعادة الحكم إلى الشعب.
وعلى الصعيد الخارجي، يرى منتقدو تلك الحقبة أن عبدالناصر زجّ بمصر عام 1956 فيما وُصف بحرب خاسرة ضد كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، التي احتلت شبه جزيرة سيناء، فيما دمّرت القوات البريطانية والفرنسية مدينة بورسعيد. وأفضت تداعيات تلك الحرب إلى دخول قوات الأمم المتحدة إلى سيناء بقرار دولي. وفي عام 1958، دخلت مصر في وحدة مع سوريا اعتُبرت تجربة فاشلة انتهت بالانفصال.
ولم تتوقف الاتهامات عند هذا الحد؛ إذ حُمّل عبدالناصر مسؤولية إضعاف الجيش المصري واقتصاد البلاد، وفقدان أراضٍ وعزلة دولية، فيما وُصف قرار الدخول في حرب 1967 بـ”خطيئة العمر”، باعتباره قرارًا فرديًا وعشوائيًا هزّ ثقة المصريين وكلّف الجيش خسائر بشرية جسيمة. كما يُشار إلى أن قرار خوض حرب اليمن على مدار خمس سنوات كلّف، بحسب تقديرات متداولة وإن كانت محل جدل تاريخي، ما يزيد على 50 ألف قتيل وأكثر من 100 ألف مصاب، إضافة إلى خسائر مادية قُدّرت بالمليارات.
غياب مقومات الدولة المدنية
يذهب النقاد إلى أن حكم عبدالناصر تميّز بغياب واضح لمقومات الدولة المدنية، وعلى رأسها احترام سيادة القانون وحقوق الإنسان، إذ كانت الاعتقالات العشوائية تُبنى على مجرد الشبهة وتقارير عناصر التنظيم الطليعي، مع لجوء متكرر إلى محاكمات وُصفت بالصورية. وتحوّل جزء كبير من المجتمع، بحسب هذا الطرح، إلى أداة رقابة على الجزء الآخر، في مناخ عام أشاع الخوف بين المواطنين والمثقفين على حد سواء، إلى جانب اتهامات بممارسة عمليات تعذيب جماعية بحق معتقلي الرأي داخل السجون.
تبقى هذه الرواية واحدة من زوايا النظر إلى حقبة مفصلية في تاريخ مصر الحديث، وهي رواية تتقاطع مع روايات أخرى ترى في الحركة نقطة تحول تاريخية أنهت الاحتلال والملكية، ما يجعل الجدل حول تقييم تلك الحقبة مستمرًا حتى اليوم بين المؤرخين والباحثين.







